كيف نحمي أطفالنا من الآثار النفسية للحروب؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, عاطف عبد الحميد
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- مدة القراءة: 7 دقائق
تُعدّ الحروب من أكثر التجارب قسوة على الأطفال، إذ تؤثر في إحساسهم بالأمان، وتُربك تطورهم النفسي، وتترك آثاراً قد تستمر لسنوات، وهو ما دفعنا إلى البحث لمعرفة الآثار النفسية التي قد يتعرضون لها بسبب الحرب تزامناً مع استمرار الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران.
أثناء الحروب والصراعات المسلحة، قد يسمع الأطفال أصوات صافرات الإنذار، ودوي إطلاق النار والانفجارات، وتحليق المقاتلات والصواريخ في السماء، علاوة على مشاهد الخراب والدمار والقصف على شاشات التلفزيون وفي مقاطع الفيديو عبر الإنترنت.
ويمكن أن يتعرض الأطفال لتجارب أكثر قسوةً وعنفاً بسبب الحرب، من بينها تجربة النزوح التي تجبر الأطفال على ترك منازلهم التي يعتبرونها دوماً مصدراً للأمن والذكريات الجميلة ودفء الأسرة.
وفيما يلي تستعرض بي بي سي أهم المخاطر النفسية التي يواجهها الأطفال جراء الحروب والصراعات المسلحة، وما يمكن أن يتعرضوا له من آثار نفسية سلبية قد تؤثر عليهم ربما لسنوات طويلة بعد هذه التجارب المريرة.
يقول محمد جمال، استشاري طب نفس الأطفال والمراهقين، لبي بي سي: "من المهم أن نسأل الأطفال عن مشاعرهم ونساعدهم على التعبير عنها، حتى لو بالصراخ والبكاء دون الخروج عن حدود اللياقة"، مع التصديق على هذه المشاعر من أجل الحفاظ على الصحة النفسية لأطفالنا.
وتشير أبحاث إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لصوت صافرات الإنذار، أو يشاهدون الانفجارات، أو يمرون بتجربة النزوح، يكونوا أكثر عرضة للقلق، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، وحتى اضطراب ما بعد الصدمة، إذا لم يحصلوا على دعم نفسي مناسب، وفقاً لموقع "سبرنغر نايتشر لينك" المتخصص في نشر الأبحاث العلمية.
صافرات الإنذار
يقول جمال: "دائماً ما أنصح الكبار بأن يحاولوا الحفاظ على الهدوء قدر الإمكان حال انطلاق صافرات الإنذار لأن رؤية الأطفال لهم وهم هادئين تقلل من توتر الصغار وتولد لديهم شعوراً بأن هناك من يحميهم".
ويضيف: "نحتاج أيضاً إلى أن نشرح لهم قبل انطلاق هذه الصافرات ماذا ينبغي علينا أن نفعل، فيمكننا أن نبدأ بشرح الموقف للأطفال ببساطة ووضوح كأن نقول لهم: هناك صواريخ في الجو في الوقت الحالي، فمن حقكم أن تقلقوا وأن تشعروا بالخوف".
وأشار إلى ضرورة التأكيد للأطفال على وجود خطة أمان تضمن أشياء كثيرة، مثل النزول إلى الملاجئ، مع أهمية أن تتشابك أيدي الجميع أثناء الوجود في الملاذات الآمنة".
وأكدت دراسات حديثة أن الخوف المستمر يغير طريقة عمل الدماغ لدى الأطفال، ويجعلهم أكثر حساسية للأصوات المفاجئة وأكثر عرضة للقلق المزمن.
كما تشير أبحاث نشرتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي إلى أن الصدمات المتكررة قد تؤثر في النمو العاطفي والاجتماعي وتستمر آثارها لسنوات طويلة إذا لم تُعالج بشكل صحيح.
وقال توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي وزميل الجمعية الأمريكية للطب النفسي وعضو الكلية الملكية للأطباء النفسيين، لبي بي سي، إن "الأطفال لا يفهمون السياسة ولا أسباب الحروب، لكن أدمغتهم تسجل الخوف. ما لا نراه من آثار نفسية اليوم قد يتحول إلى قلق مزمن واضطرابات نفسية في المستقبل إن لم تتم حمايتهم الآن".
وأكد أنه ينغي التعامل مع كل فئة عمرية بطريقة تتناسب معها، فيما يتعلق بالتعامل مع الآثار النفسية للحرب وما تخلفه من مشكلات لدى الأطفال.
وأشار إلى أن الأطفال من ثلاث إلى ست سنوات: "لا يميزون بين صوت صافرة الإنذار والتهديد المباشر. الخوف يُخزن كإحساس جسدي، وقد يظهر لاحقاً في صورة كوابيس، أو بكاء مفاجئ أو تشبث مفرط بالأهل".
واستكمل ناروز شرحه للفئات العمرية المختلفة، التي قسمها إلى مرحلتي الطفولة والمراهقة، لشرح ما يساعد على إدراك طبيعة المشكلة الناتجة عن آثار الحرب لدى كل فئة عمرية على حدة، مشدداً على ضرورة التعامل مع المشكلة في كل فئة عمرية على حدة حتى يكون التعامل معها فعالاً.
وأشار إلى أن "الأطفال في سن المدرسة (من 7 إلى 12 سنة) يربطون الأصوات والصور بمعنى الخطر، ويعيشون صدمة الترقب. ويخلق تكرار الإنذارات والانفجارات شعوراً دائماً بانعدام الأمان حتى في غياب القصف".
السيطرة والحق في التوتر

صدر الصورة، Getty Images
تشير أبحاث حديثة إلى أن الشرح البسيط والمباشر يقلل من مستوى القلق ويمنح الطفل إحساساً بالسيطرة على الموقف يجعله أقل توتراً أثناء المرور بتجربة الحرب، وفقاً لسبرنغر نايتشر لينك.
وقال محمد جمال: "من المهم أيضاً أن نوزع بعض المهام البسيطة على الأطفال كأن نوكل إلى كل واحد منهم مهمة الحفاظ على شيء مثل الدمية أو زجاجة المياه، مما يعطيهم الشعور بالسيطرة على الأمور، وهو ما يقلل من التوتر".
وشدد على أهمية مساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وقت الضربات والقصف بسؤالهم عما شعروا به أثناء القصف ورؤية الصواريخ وسماع دوي إطلاق النار، و"التأكيد لهم على أن لهم الحق في الشعور بالتوتر والخوف، وذلك لأن المشاعر هي جرس إنذار لاتخاذ إجراءات للتخلص من الخطر".
نشرات الأخبار
ونصح جمال بأن "يخرج الأطفال مشاعرهم عبر الكتابة والرسم، ومشاركة الأطفال قراءة ما كتبوا ومشاهدة رسوماتهم مع تبرير مشاعر الخوف والقلق لديهم".
وأشار إلى أنه ينبغي التقليل من مشاهدة نشرات الأخبار، أو الامتناع عن مشاهدتها تماماً إن أمكن".
وأكد على ضرورة "التأكيد للأطفال على أن الأماكن الآمنة، مثل الملاجئ تم تصميمها بعناية لحمايتنا من الخطر وأن الأسرة موجودة لحمياتنا".
ولابد أيضاً من مراعاة أن "تتناسب طريقة الشرح مع سن الطفل مع الابتعاد عن التهويل والمبالغة، كأن نقول إننا سنموت أو أن هذا القصف سوف يقضي علينا، مع تجنب التهوين أيضا، مثل تصوير الأمر للطفل على أنه بسيط وأنه لا يوجد أي خطر"، وفقاً لجمال.
وشدد على أن الأطفال حتى عشر سنوات "لابد أن يتم شرح الأمر لهم باعتدال مع تبسيط الشرح قدر الإمكان واستخدام أساليب تتماشى مع هذا السن مثل رواية قصة عن مملكتين نشبت بينهما حرب وأخرجت كل منهما وحوشاً للهجوم على الأخرى".

صدر الصورة، Getty Images
النزوح

صدر الصورة، Getty Images
النزوح من المنزل هو أحد أكثر التجارب الأكثر إيلاماً للأطفال، لأنه يعني فقدان المكان الذي يمنحهم الأمان والذكريات. وقد يشعر الطفل بالضياع أو الغضب أو الحزن.
وقال موقع "سبرنغر نايتشر لينك" إن "الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان حتى في مكان النزوح، وتشجيع الأطفال على اللعب، ومنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم بالرسم أو الحديث أو الكتابة من شأنه أن يؤدي إلى علاجهم من الصدمات الناتجة تجربة النزوح".
ويعاني مئات الآلاف، بما في ذلك أطفال ومراهقين ونساء، من النزوح القسري من منازلهم في السنوات القليلة الماضية في مختلف أنحاء المنطقة العربية في غزة، وسوريا، والسودان، ولبنان، واليمن.
وقال ناروز: "النزوح القسري لا يعني فقدان المنزل فقط، بل فقدان الإحساس بالثبات. عند الأطفال، قد يؤدي هذا إلى قلق انفصالي واضطراب في الهوية، خاصة إذا غاب الشعور بالاستمرارية أو الروتين".
وأضاف: "الحروب قد تُقاس بعدد الضحايا، لكن أثرها الحقيقي يُقاس بعدد الأطفال الذين كبروا وهم يشعرون أن العالم مكان غير آمن".
ومرت منطقة الشرق الأوسط في السنوات القليلة الماضية بصراعات مسلحة وحروب عدة، أبرزها الحرب على غزة التي راح ضحيتها أكثر من 67 ألف فلسطيني في غزة، ثلثهم دون سن الثامنة عشرة – أي في مرحلتي الطفولة والمراهقة – وفقاً لوزارة الصحة في القطاع.
كما تشهد المنطقة في الوقت الراهن حرباً أمريكية إسرائيلية ضد إيران، والتي جاءت في أعقاب ضربات إسرائيلية وُجهت إلى إيران في يونيو/حزيران الماضي.

صدر الصورة، Getty Images
وأكد جمال أن "هناك صعوبة بالغة تواجه الأطفال في تفادي الآثار السلبية النفسية جراء النزوح، فنحن نحتاج إلى الانتقال إلى مكان آخر أكثر أماناً وأكثر هدوءً لنحافظ على أنفسنا وحياتنا".
وأشار إلى أنه يمكن أن نخبر الأطفال بأننا "نستطيع أن نعمر هذا المكان ونجعله في الشكل الأقرب إلى المنزل الذي نغادره".
وينبغي أيضاً أن "يأخذ الطفل معه دمية أو أي شيء يمكنه حمله من المنزل الذي تغادره الأسرة "مثل المفتاح الذي يتناقله الفلسطينيون أثناء النزوح"، وفقاً لاستشاري طب نفس الأطفال والمراهقين.
وأكد أيضاً أن هذه الدمية أو ما شابه "يُعد رابطة تتعزز باستمرار بين الطفل والمنزل، لأن هذا الشيء سوف يبقى رمزاً للمنزل يصاحب الطفل طوال الوقت".
وأكد ناروز أن "المراهقين يدركون ما يحدث لكنهم عاجزون عن تغييره، مما يجعلهم أكثر عرضة للغضب، والاكتئاب، أو السلوكيات الخطرة. فالصدمة هنا قد لا تظهر على الفور، لكنها تتراكم في صمت".
وتترك الحرب آثاراً عميقة على الأطفال، لكن الاستجابة الصحيحة من الكبار يمكن أن تخفف كثيراً من هذه الآثار.
فالشرح البسيط، والطمأنة المستمرة، والحفاظ على الروتين، وتوفير مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر تُعد من أهم الأساليب التي تساعد الطفل على تجاوز الخوف والصدمات.






























