مبان تحولت إلى قنابل غير موقوتة في طرابلس اللبنانية

ليس لعائلة أحمد مأوى بديل. بعد خروجه من المستشفى، سيعيش مع جده.
التعليق على الصورة، ليس لعائلة أحمد مأوى بديل. بعد خروجه من المستشفى، سيعيش مع جده.
    • Author, كارين طربيه
    • Role, مراسلة بي بي سي عربي
    • Reporting from, بيروت
  • مدة القراءة: 5 دقائق

تلتصق ليا بوالدها وهو يحدثنا أمام المستشفى حيث تتلقى والدتها العلاج. يظهر على محيّاها جليا خجل تلميذة الصف الخامس، لكن التصاقها بوالدها ليس بسبب الخجل فحسب، بل بسبب الخوف وربما الرعب مما عاشته.

قبل أسبوعين، كانت ليا تقف على الطريق أمام المبنى الذي تقطنه. فجأة رأته ينهار أمام عينيها.

داخل إحدى الشقق، كانت والدتها مع شقيقها عبد الحميد أو عبودي، كما يسمونه في البيت. كان في السادسة عشرة من عمره وقد انتُشل ميتا من تحت ركام المبنى.

تتحدث ليا بجمل قصيرة، قائلة إن وضع المبنى كان مخيفا، أما والدها فأخبرنا أن عبودي كان يلاحظ التشققات في المبنى، وكان ينام بجانب ملابسه تحسبا لهروب سريع من انهيار محتمل.

"كنت أخفف عنه، وأقول له إلى أين نذهب؟" يقول لنا إبراهيم الصيداوي، الذي يعد المعيل الوحيد لعائلته، ويتقاضى عشرة دولارات فقط في اليوم من عمله مع أحد موزّعي كهرباء المولدات في المدينة.

عند سقوط المبنى كان إبراهيم في طريقه لتقديم واجب العزاء لأحد معارفه.

" سمعت رصاصا (أُُطلق لتنبيه الناس) ثم رأيت الدخان الأبيض فعرفت أن المبنى وقع. ركضت فوجدت ليا تصرخ: يا بودي يا حبيبي، يا ماما، أنتم تحت الردم".

"صارت البناية منهارة مثل قطعة بسكويت" يقول إبراهيم.

قدّم "فاعل خير" شقة له لمدة ستة أشهر ليقيم فيها مع عائلته.

لكنها في الطابق السابع. باتت ليا تخاف من الشقق العالية. ترتعب من فكرة أن تسقط فوق رأسها. يحاول الوالد طمأنتها بينما هو يسأل بقلق: "ماذا سيحدث بعد انتهاء الأشهر الستة؟ أريد أن أغادر هذا البلد، أريد سقف إيواء، غرفتين".

امرأتان تتحدثان إلى مراسلة بي بي سي عن معاناتهن بعد انهيار المبنى الذي كانتا تعيشان فيه.
التعليق على الصورة، نحو خمس وعشرين عائلة تقيم حاليا في مبنى معهد الفندقية في انتظار مساعدات مالية تسمح لهم باستئجار منزل.

"اهتز المبنى ثم وقع"

صورة لبعض المباني المتهالكة في طرابلس
التعليق على الصورة، أحصت البلدية الحالية 114 مبنى معرضا للسقوط وطالبت مع الحكومة بإخلائها في مهلة لا تتجاوز الشهر. كما تعهدت الدولة بتدعيم الأبنية القابلة للإنقاذ وهدم تلك الآيلة للسقوط.
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

كان المبنى المنهار في منطقة باب التبانة مؤلفا من ستة طوابق، في كل منها شقتان. قُتل أربعة عشر شخصا جراء انهياره. قبل ذلك في الرابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي سقط مبنى في منطقة القبّة في طرابلس أيضا. كما سُجلت انهيارات جزئية سابقة متفرقة في المدينة.

وضعت السلطات المحلية قوائم جرد بالمباني الخطرة. لم يكن مبنى باب التبانة من ضمنها، ولكنه انهار. انهار بينما كان أحمد وشقيقه علي وإحدى شقيقاته قمر ووالده في الداخل. كانت والدته وشقيقته الكبرى خارج المنزل.

"كان علي واقفا على الشرفة. توجّه إليّ وقال لي إن هناك شيئا ما في المبنى يقع. لم أصدقه في البداية. أيقظ أبي وقال له إن شيئا في المبنى يقع. في تلك اللحظة ومن النافذة رأيتُ الناس يصرخون. أردت الخروج، ولكني لم أتمكن. وقفت عند المدخل. اهتز المبنى يمينا ويسارا ثم وقع."

نجا علي وأحمد. عندما عثر المنقذون على جثة الوالد، كان يحتضن جثة قمر.

بعد خروجه من المستشفى، حيث التقيناه، سيذهب علي إلى منزل جده في عكار الشمالية. لا تعرف والدته ما الذي ينتظرهم. لم تعد تملك منزلا. لا تعمل ولا مدخول لها. كلّ ما قامت به هو تسجيل اسمها في البلدية. لكن، حتى لحظة إعداد التقرير لم يكن أحد من المسؤولين قد تواصل معها، بحسب ما قالت لنا.

وذلك بالرغم من أن البلدية تقول إنها تحوّلت إلى غرفة عمليات طارئة بسبب الكارثة. يُقرّ المسؤولون أن المهمة صعبة جدا ولن تستقيم الأمور"بضغطة زر"، كما يقول رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة.

لكن كيف وصلت الأمور إلى هنا؟

تُعد طرابلس ثاني أكبر مدينة في لبنان بعد العاصمة، فهي عريقة في التاريخ وتُلقّب بالفيحاء. لكنّ سكانها يُعانون من فقر مدقع. فاقم الوضع الكارثي فيها الإهمال الطويل وغياب المشاريع التنموية على مدى عقود. وترافق ذلك مع جولات متكررة من الصراعات السياسية والطائفية المسلحة. ولا تزال المباني المتصدعة في بعض شوارع طرابلس شاهدة على العنف الذي شهدته المدينة.

تُظهر الصورة بقايا أنقاض مبنى منهار، حيث تتناثر كتل الخرسانة والحديد بين الغبار في مشهدٍ يعكس حجم الدمار الذي خلّفه الانهيار.

كثير من مباني طرابلس قديم جدا ولم يخضع لأي صيانة طوال عقود، وتعود أسباب ذلك إما لوفاة المالك وتفرّق الورثة وعدم اكتراثهم بمُلك يكلّف أكثر مما يدرّ من المال بسبب ضآلة قيمة الإيجارات، بالإضافة إلى أسباب أخرى منها المخالفات والبناء غير المرخّص فوق أساسات غير صالحة ودون دراسات هندسية. يترافق ذلك مع غياب الرقابة ومع إهمال شؤون الناس والمدينة وضعف شبكات البنى التحتية.

فوق كل ذلك، جاء النشاط الزلزالي الذي ضرب تركيا قبل أعوام، وتأثرت به دول متعددة في المنطقة، ليزيد من تزعزع أساسات هشة للغاية.

"عندما نتحدث عن أبنية متصدعة، نتحدث عن سببين. الأول هو البنى التحتية التي كانت تملؤها المياه وليس فيها شبكات صرف صحي ومياه أمطار كما يجب. السبب الثاني هو عدم الصيانة والمخالفات"، يشرح رئيس بلدية طرابلس.

مئات المباني المهددة

مبنى متهالك في حي باب التبانة بمدينة طرابلس شمال لبنان.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، امرأة تنظر من نافذة مبنى متهالك في حي باب التبانة بمدينة طرابلس شمال لبنان، في 9 فبراير/شباط 2026
بقايا أنقاض مبنى منهار، حيث تتناثر كتل الخرسانة والحديد بين الغبار في مشهدٍ يعكس حجم الدمار الذي خلّفه الانهيار.

يقول كريمة، الذي تسلم منصبه قبل أقل من عام، إن طرابلس كانت "تعيش حالة من الفوضى" على مدى السنوات الثلاثين الماضية وقد اكتشف أن بعض الشكاوى من حالة المباني المتهالكة يعود إلى عام 2000 دون أن تكون هناك أي متابعة جدية لها.

أحصت البلدية الحالية 114 مبنى معرضا للسقوط وطالبت مع الحكومة بإخلائها في مهلة لا تتجاوز شهرا واحدا. كما تعهدت الدولة بتدعيم الأبنية القابلة للإنقاذ وهدم تلك الآيلة للسقوط. وكذلك قالت إنها ستستكمل مسوحات مباني المدينة وتقيّم حالة البنى التحتية.

"العدد الفعلي للمباني المهددة أكبر بكثير. 114 هو فقط عدد المباني التي تم جردها للإخلاء الفوري. لكن من خلال المسح الذي نجريه- قد تصل التقديرات إلى 600 أو 700 مبنى على الأقل بحاجة لتدخل فوري"، بحسب كريمة.

وفي سياق متصل، تعهدت الحكومة بتأمين بدل إيواء للعائلات التي يتم إخلاؤها وتقديم مساعدات لها. لكن من تحدثنا إليهم ممن أخلوا منازلهم قالوا لنا إنهم لم يحصلوا بعد على أي مساعدات ولا يعرفون متى سيتلقونها أو أين سيذهبون.

التقينا ببعض تلك العائلات أمام معهد الفندقية التابع لوزارة التربية. وهو المبنى الوحيد الذي حُدد في المدينة كمركز إيواء مرحلي.

لا تزال طرابلس تحت صدمة ما حدث وتعيش حالة هلع مما يمكن أن يحدث لمزيد من المباني.

لا يتحدث أحد عن المحاسبة. بل ينشغل الجميع في تدبير الأمور الحياتية بالحد الأدنى.

"أعددت ملفا كاملا بقضية ابني"، يقول إبراهيم الصيداوي: "أرسلته إلى رب العالمين ليأخذ هو له حقه".