"كل يوم يمرّ كأنه شهر"، خوف وأمل بين الإيرانيين مع استمرار الحرب

صدر الصورة، BBC / Getty Images
- Author, فارين تقي زاده
- Role, بي بي سي نيوز الفارسية
- مدة القراءة: 5 دقائق
بعد مرور أسبوع تقريباً على بدء الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، يحاول الإيرانيون التأقلم مع استمرار الهجمات الجوية، والتهديدات من قوات الأمن، وانقطاع الإنترنت، كل ذلك في محاولة للبقاء على اتصال مع أحبائهم.
يُعدّ التواصل مع الناس داخل البلاد أمراً صعباً، لكنّ عدداً من الإيرانيين، الذين تم إخفاء هوياتهم حفاظا على سلامتهم، تحدثوا إلى بي بي سي نيوز الفارسية عمّا يمرّون به.
قال سالار، في إشارة إلى الصراع الحالي بين إسرائيل وإيران وأحداث العام الماضي "ما نمرّ به الآن يفوق ما مررنا به خلال حرب الأيام الاثني عشر. من حيث عدد الانفجارات، والدمار، وما يحدث - إنه أمر لا يُصدّق".
يعيش سالار في العاصمة الإيرانية طهران، التي تعرّضت لموجات من الهجمات منذ 28 فبراير/ شباط، عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل أولى غاراتهما على البلاد.
قال سالار، واصفاً إحدى الغارات الجوية الأخيرة "هزّت موجات الانفجار النوافذ والستائر. تركتُ النوافذ مفتوحة حتى لا يتحطم الزجاج. كان المنزل بأكمله يهتز".
وأضاف "يبدو كل يوم وكأنه شهر. حجم الهجمات هائل".
وقال بابك، وهو أيضا من سكان طهران، إنه رأى الناس يقومون بتخزين الطعام عندما بدأت الغارات.
وشعر هو الآخر أن الهجمات كانت أشدّ وطأةً مما كانت عليه خلال حرب الأيام الاثني عشر، وأنها تأتي الآن دون سابق إنذار.
وأضاف "في المرة السابقة، عندما سمعنا دويّ الدفاعات الجوية، عرفنا أن هجوماً قد بدأ". أما الآن فالوضع مختلف، فجأةً تدرك أن موجة انفجار ودماراً قد حدثت في مكان ما.
أما كافح، الذي يعيش في زنجان، التي تبعد حوالي 275 كيلومتراً شمال غرب طهران، فقال: "في الأيام الثلاثة الأولى، تعرضت مدينتنا لقصف عنيف. نحن نعيش في منطقة تحلق فيها الطائرات المقاتلة باستمرار فوق رؤوسنا".
وأضاف أنه بعد اليوم الأول من الحرب، كانت السماء ملبدة بالغيوم باستمرار بسبب أعمدة الدخان الأسود والأبيض المتصاعدة من مواقع الغارات الجوية.
وأردف "إنه مشهد جميل ومرعب في آن واحد".

صدر الصورة، Majid Saeedi / Getty Images
مخاوف أمنية
يشعر سالار بقلق متزايد على سلامة أصدقائه وأحبائه، وخاصة والديه.
قال "تمكنت من إرسال والديّ إلى الشمال"، على الرغم من أنه غير متأكد من مستوى الخطر هناك.
وأضاف "لكن الوضع هناك أكثر أماناً من منزلهما في طهران".
يقع منزل والديه في حي يضم العديد من المنشآت العسكرية التي استُهدفت بالغارات الجوية.
وقال سالار "كانت والدتي في حالة سيئة للغاية. كانت خائفة"، مضيفاً أن الهجمات الحالية أسوأ من أي هجمات شهدتها خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات في ثمانينيات القرن الماضي.
ومع مرور كل يوم، يرى سالار المزيد من الناس يغادرون طهران، مع أن هذا ليس خياراً متاحاً للجميع.
وأضاف "جدة صديقتي مريضة لكن لا يمكنهم نقلها".
أما كافح فقال إنه كان يتنقل ذهاباً وإياباً مع أصدقائه بين منزليهما.
وأضاف "كون منزل صديقي لا يتمتع بإطلالة خارجية تُذكر، فإنه يُشعرهم بالاختناق والانقطاع عن المعلومات".
وأردف "إلى جانب محاولتنا البقاء على قيد الحياة، كان هاجسنا الأكبر هو الحفاظ على أدنى قدر من التواصل مع العائلة والأصدقاء ومتابعة الأخبار الموثوقة".
كان هذا صعباً. في اليوم الأول للحرب، فقد انقطع الإنترنت عنه ظهراً ولم يعد إلا بعد يومين.
وقال "كلما تمكنتُ، بصعوبة، من الاتصال بالإنترنت، حاولتُ مساعدة أصدقائي خارج إيران الذين لا يتلقون أي أخبار من عائلاتهم، وذلك للحصول على آخر المستجدات أو إيصال الرسائل".
ويستخدم كل من كافح وسالار شبكات في بي إن VPN، وهي خدمات تتيح لهما الوصول إلى مواقع الإنترنت المحجوبة من قِبل الحكومة الإيرانية. إلا أن الأمر لم يكن سهلاً.
قال سالار "ينقطع الإنترنت باستمرار. بالكاد أستطيع الاتصال باستخدام VPN، وعادةً ما يكون ذلك وقت الظهر".
تحذيرات عبر الرسائل النصية
أضاف سالار أنه على الرغم من صعوبة الحصول على معلومات مستقلة، إلا أن قوات الأمن الإيرانية تُوضح مطالبها بوضوح.
وقال "يرسلون لنا رسائل نصية قصيرة يومياً، يحذروننا فيها من أنهم سيتعاملون معنا بقسوة إذا خرجنا".
وأضاف "وصلتني رسالة تقول: إذا خرج أي منكم واحتج، فسنعتبره متعاوناً مع إسرائيل".
ويعتقد صالار أن نبرة الرسالة تُشير إلى أن أي شخص يعصي الأوامر سيُعامل بالقوة، أو حتى يُقتل.
كما يواجه الناس ضغوطاً مالية. فقد أدت الهجمات إلى شلّ قطاعات الاقتصاد والخدمات الإدارية.
قال بابك "كان شهر يناير/ كانون الثاني صعباً بالفعل".
الاحتجاجات الجماهيرية ضد الحكومة، وإضرابات العمال، وقطع الإنترنت من قبل السلطات، كل ذلك جعل العمل صعباً على الكثيرين في بداية العام.
وأضاف "لم يتمكن الكثيرون من كسب دخل خلال فصل الشتاء، باستثناء الموظفين الحكوميين. وقد أثر ذلك على العديد من الأسر".
وفاة المرشد الأعلى
إلى جانب المخاطر والمشاكل اليومية التي يواجهها الناس، انشغل الإيرانيون بالتفكير في دلالات الحرب على مستقبل بلادهم، لا سيما بعد اغتيال المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، في غارة جوية يوم السبت.
قال كافح "لم نصدق الأمر في البداية".
وأضاف "لطالما تخيلت أن تلك اللحظة ستكون لحظة فرح، لكنها لم تكن كذلك".
وتابع "إن فكرة أن جنون شخص واحد ووهمه قد أدى إلى تدمير معظم سنوات عمري وحياة ملايين مثلي، وفقدان الآلاف لأرواحهم، ثم اختفى هو نفسه في لحظة واحدة، أغضبتني بشدة".
أما سالار فقال "عندما أُعلن نبأ وفاته حوالي الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة مساءً، سمعنا هتافات الفرح والزغاريد من الناس".
لم أتوقع ردة الفعل هذه. كان جو المدينة بعد الهجوم شديد التأهب الأمني، ولا يزال كذلك.
ونظراً لاستمرار الحرب والوضع الأمني المتوتر في إيران، من المستحيل قياس ردود الفعل الواسعة على وفاة المرشد الأعلى.
فقد خرج بعض الناس إلى الشوارع للاحتفال، بينما انضم آخرون إلى مظاهر الحداد العامة التي قادتها السلطات الحكومية.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
التطلع إلى المستقبل
لا أحد يعلم ما ستؤول إليه الحرب بالنسبة لهم أو لعائلاتهم أو لبلادهم.
قال سالار "أشك في أن أياً منا سيعود كما كان من قبل. الكثيرون يعانون من ضغوط نفسية شديدة".
وأضاف، في إشارة إلى أنصار نجل العائلة المالكة الإيرانية السابقة، الذين دعموا العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية "أولئك الموجودون في الخارج، وخاصة الملكيين، لا يدركون حقاً ما نمر به. آمل ألا يضطروا إلى ذلك أبداً".
وأردف "ترامب يقول إنهم لم يبدأوا الهجمات فعلياً بعد". لا أعرف ما الذي يمكنهم استهدافه أيضاً أو كيف.
أما باباك فلا يزال متفائلاً، لكنه قلق بشأن طول أمد الصراع.
وقال "أخرج كثيراً، وأتحدث مع الجيران وأصحاب المحلات. الجميع يأمل أن تُحل الأمور قريباً. لا يتخيلون حقاً أن الحرب قد تطول أو تصبح أكثر خطورة".
وأضاف "أشعر أن هذه الحرب لن تنتهي بالسرعة التي كنا نظنها. لكن مع ذلك، لم أفقد أملي، بل على العكس، يزداد قوة يوماً بعد يوم".
وأوضح "أشعر كشخص بالغ، مدرك تماماً لمخاطر وآلام عملية جراحية بالغة الصعوبة، قرر خوضها".
وأضاف بابك، مشيراً إلى الهجمات الأمريكية والإسرائيلية "لا أعرف ما سيحدث بعد هذه "العملية"، لكنني متأكد من أنه لو لم يفعلوها، لكان قد حدث ما هو أسوأ بالتأكيد".
وختم حديثه مع بي بي سي بالقول "بهذه الطريقة، على الأقل لا تزال هناك فرصة للحياة وللغد".






























