"لستِ أختي بعد الآن": انقسام داخل عائلات إيرانية بسبب الحرب

صدر الصورة، Reuters
- Author, غونشه حبيبي آزاد
- Role, بي بي سي نيوز الفارسية
- مدة القراءة: 6 دقائق
قال لها: "لستِ أختي بعد الآن"، فأجابته: "اذهب إلى الجحيم".
هذا الجدال بين رجل وشقيقته في مدينة قرب طهران - الذي شهده أحد أقاربهم وروى تفاصيله - يُلقي الضوء على الخلافات المؤلمة التي تنشب بين العائلات والأصدقاء في إيران، مع استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية على البلاد.
يقول قريبهم، الذي سنُطلق عليه اسم "سينا"، إنه عندما اجتمعت عائلته مؤخراً في منزل جدته لأمه، انفجرت المشاعر سريعاً، كاشفة عن انقسامات حادة.
رفض خاله، وهو عضو في قوات الباسيج، وهي قوة تطوعية تابعة للدولة في إيران، إلقاء التحية على شقيقته التي تُعرف بمواقفها المعارضة للنظام الحاكم.
بعد جدالهما، كان الخال "هادئاً جداً... وغادر مبكراً"، كما يقول سينا.
وصف هو وغيره من الشباب الإيرانيين مشاهد مؤثرة، مع اتساع الخلافات حول الحرب.
حتى بين المعارضين للحكومة، توجد انقسامات عميقة، حول ما إذا كانت الحرب ستساعد أم تُعيق محاولات إحداث التغيير.
على الرغم من انقطاع الإنترنت الذي فرضته الحكومة، تمكنت بي بي سي من التواصل مع بعض الإيرانيين القلائل، الذين وجدوا طرقاً للبقاء على اتصال بالإنترنت.
قد يُسجن الإيرانيون لمجرد التحدث إلى بعض وسائل الإعلام الدولية. ومع ذلك، وعلى مدار شهر كامل من الحرب، استمر هؤلاء الأشخاص في تبادل المعلومات عبر رسائل نصية متقطعة، ومكالمات صوتية بين الحين والآخر.
تحولت ردود أفعالهم الأولية من الصدمة والخوف إلى محاولات للتكيف، فانتقلوا من مكان لآخر وغيروا روتينهم اليومي. يصفون تفاصيل حياتهم - ممارسة اليوغا رغم أصوات الانفجارات، وتناول كعكة عيد ميلادهم بمفردهم، والخروج إلى المقاهي شبه الخالية.
وفي بعض الرسائل الشخصية بشكلٍ مفاجئ، شاركوا تفاصيل حول كيفية تأثير الحرب على علاقاتهم.
**ملاحظة: جميع الأسماء في هذه المقالة مُستعارة.

مع اقتراب نهاية شهر مارس/ آذار، احتفل الإيرانيون بعيد النوروز، رأس السنة الفارسية الذي يصادف اعتدال الربيع، وهو مناسبة تجتمع فيها العائلات عادة.
سينا، شاب في العشرينات من عمره، يعارض المؤسسة الدينية ويواصل دعمه للغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية، معتقداً أنها سوف تسهم في إسقاط النظام.
يقول إن خاله، العضو في قوات الباسيج، لم يحضر تجمعات النوروز العائلية في السنوات الأخيرة، لكنه حضر هذه المرة، مُفاجئاً عائلته. يقول سينا: "عادة، لا نتحدث إليه ولا إلى أبنائه".
ويضيف أنه بالكاد تحدث إلى خاله منذ الاحتجاجات الكبرى، التي اندلعت عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها، والتي اتُهمت بعدم ارتدائها الحجاب الإلزامي بشكل صحيح.
وفي الآونة الأخيرة، شهدت إيران حملة قمعٍ غير مسبوقة ضد الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني الماضيين.
قُتل ما لا يقل عن 6,508 متظاهرين، واعتُقل نحو 53 ألفاً آخرين، وفقاً لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها.
يقول سينا، نقلاً عن أقارب آخرين، إن خاله كان غاضباً جداً من الاحتجاجات، لدرجة أنه قال إنه حتى لو خرج أبناؤه إلى الشوارع وقُتلوا، فلن يذهب لأخذ جثثهم.
ومع ذلك، يقول سينا، يبدو أن خاله "خائف من الموت" في الحرب، ويبدو أنه كان يحاول تحسين العلاقات مع بعض أفراد العائلة، بمن فيهم والدته، جدة سينا لأمه.
يقول سينا: "في عيد النوروز، بدا هو وزوجته في حالة يرثى لها من الحزن والعجز. لم أدخل في جدال معهما. يجب أن يكونا في السجن".

شاب آخر، يُدعى "كافي" من طهران، قضى عيد النوروز وحيداً.
يقول إن علاقته بأخته، وهي أيضاً عضوة في قوات الباسيج، كانت متوترة أصلاً. بعد انضمامه إلى احتجاجات عام 2022، أصبحت تنتقد أنشطته، ولم تُبدِ أي تعاطف مع مقتل بعض أصدقائه في احتجاجات يناير/ كانون الثاني.
يُوفر "كافي" خدمة الإنترنت لأصدقائه وعائلته، عبر خدمة ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس، والتي تُتيح الاتصال عبر الأقمار الصناعية.
في إيران، يُعاقب على امتلاك أو استخدام أجهزة ستارلينك بالسجن لمدة تصل إلى عامين.
انضم في البداية إلى عائلته لقضاء العطلة، لكنه يقول إنه غادر المكان الذي كانوا يجتمعون فيه، وعندما عاد وجد أن أخته قد فصلت خدمة ستارلينك الخاصة به والأجهزة المتصلة بها. ويقول إنه عندما واجهها، نشب بينهما شجار.
يقول: "لم أعد أطيقها... تشاجرت معها وقلت لها إنني لا أستطيع تحمل الأمر، ثم غادرت".
قال "كافي" عبر خط مشفر أثناء عودته إلى المنزل وحيداًَ: "كنت متحمساً جداً لعيد النوروز. حزمت ملابسي وأردت أن أكون هناك مع عائلتي. لكنني الآن لا أشعر بأي حماس على الإطلاق".
لا يملك معظم الإيرانيين اتصالاً بالإنترنت. أجهزة ستارلينك باهظة الثمن وغير قانونية، لذا فإن من يملكونها عادة ما يكونون من الأثرياء نسبياً. ويتمكن عدد قليل آخر من الاتصال عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).
معظم الإيرانيين الذين وافقوا على التحدث إلى بي بي سي الفارسية يعارضون النظام الإيراني. ولكن حتى بين منتقدي الحكومة، توجد اختلافات عميقة حول هذه الحرب وتأثيرها.
بحسب الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، قُتل 1,900 شخص في إيران جراء الغارات الأمريكية والإسرائيلية، بينما تُشير وكالة أنباء "هرانا" إلى أن العدد الإجمالي يتجاوز 3,400 شخص.
مارال، طالبة في العشرينيات من عمرها من مدينة "رشت" شمال إيران، تشعر بإحباط شديد من والدها بسبب دعمه المستمر للحرب.
فهو من أشد المؤيدين لرضا بهلوي، ولي عهد إيران قبل ثورة عام 1979.
يعيش بهلوي الآن في الولايات المتحدة، وقد رسّخ نفسه كقائد انتقالي محتمل للبلاد. وهو يؤيد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران رغم تزايد الخسائر البشرية، واصفاً الهجمات بأنها "تدخل إنساني"، وحثّ الولايات المتحدة مؤخراً على "الاستمرار في نهجها".
وقد اكتسب بهلوي شعبية في إيران خلال الأشهر الأخيرة كشخصية معارضة، حيث هتف بعض المتظاهرين باسمه في احتجاجات يناير/ كانون الثاني.
تقول مارال: "أريد فقط أن تنتهي هذه الحرب في أسرع وقت ممكن. لقد مات الكثير من الأبرياء".
وتضيف أنها تشعر "بالانزعاج" لأن والدها "متفائل للغاية"، حتى مع سقوط القنابل.
وتقول: "نحاول التحدث معه، لكنه لا يتوقف عن الحديث عن الأمير (رضا بهلوي)".
"يعيش والدي في وهم أن إيران ستفتح حدودها، وفي غضون خمس سنوات سيعاد بناء كل شيء، وسيكون كل شيء على ما يرام. إنه متأثر بالدعاية الإسرائيلية التي تصور أن البلدين سيصبحان صديقين".
وتضيف أن والديها غالباً ما يتجادلان بشأن بهلوي.

في غضون ذلك، تقول تارا، وهي شابة في العشرينات من عمرها من طهران، إن أفراد عائلتها المقربين انتقدوها في البداية لمعارضتها الحرب.
"جميعهم يؤيدون الهجمات على إيران... قالت لي أمي وأختي: 'أنتِ لم تفقدي أحداً خلال الاحتجاجات، ولهذا أنت ضد الضربات الأمريكية والإسرائيلية. أنتِ لا تريدين أن تتعطل حياتك اليومية، ولا أن تتعطل تمارينك الرياضية، ولا لقاءاتك مع صديقاتك على المقهى. لو أن النظام قتل أحد أصدقائك أو أقاربك، لكان لك رأي مختلف".
لكن تارا تقول: "قد يُقتل آلاف الأبرياء في الحرب أيضاً، دون أن يتذكرهم أحد".
ومع ذلك، تقول إن رأي أختها - مثل آراء العديد من الإيرانيين الآخرين الذين استمعت إليهم بي بي سي - قد تراجعت حدته مع استمرار الهجمات.
مؤخراً، بعد أن استُهدفت منطقة مجاورة، تقول إن أختها قالت ببساطة: "أتمنى أن تنتهي الحرب قريباً".
وعلى الرغم من اختلافاتهم، لا تزال العائلة تحاول الذهاب إلى كل مكان معاً، كما تقول تارا، "بهذه الطريقة، سنموت جميعاً معاً إذا استُهدفنا".

































