لماذا يتردد الأكراد في خوض مواجهة مباشرة مع النظام الإيراني؟

خريطة تظهر المناطق التي يتوزع فيها الأكراد في تركيا وإيران والعراق وسوريا
التعليق على الصورة، خريطة تظهر المناطق التي يتوزع فيها الأكراد في تركيا وإيران والعراق وسوريا
    • Author, هيفار حسن
    • Role, بي بي سي نيوزعربي
  • مدة القراءة: 8 دقائق

تعرّض إقليم كردستان العراق، منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، لهجمات مكثفة شملت 337 طائرة مسيرة وصاروخاً خلال 17 يوماً، ما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 45 آخرين، وفقاً لشبكة روداو الإعلامية الكردية.

وتعمل الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) على تسليح بعض الجماعات الكردية الإيرانية بهدف إشعال انتفاضة شعبية داخل إيران، وفق ما ذكرت مصادر مطلعة لشبكة سي إن إن، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية أجرت مباحثات مكثفة مع جماعات المعارضة الكردية الإيرانية وقيادات في إقليم كردستان العراق لبحث سبل تقديم دعم عسكري لها.

غير أن ترامب أبدى موقفاً مغايراً بعد أسبوع من ذلك، قائلاً إنه لا يريد تدخُّل الأكراد في إيران كي لا يتعرضوا للأذى.

ويعد الأكراد ثالث أكبر قومية بعد الفرس والأذريين في البلاد، ويُقدَّر عددهم بنحو 7 إلى 15 مليون نسمة من إجمالي السكان البالغ نحو 89 مليون نسمة، حسب أرقام رسمية للحكومة البريطانية. ويقطن معظمهم في الشمال الغربي من إيران، في محافظات كردستان وكرمنشاه وأذربيجان الغربية وإيلام ولورستان وهمدان، مع وجود بعضهم في خراسان أيضاً.

صورة لقاعدة عسكرية مدمرة تابعة لجماعة معارضة كردية إيرانية تعرّضت لضربات إيرانية.

صدر الصورة، Matthew Goddard / BBC

التعليق على الصورة، قاعدة تابعة لجماعة معارضة كردية إيرانية تعرّضت لضربات إيرانية

ماذا يريد الأكراد الإيرانيون؟

تعود جذور الحركات القومية الكردية في إيران إلى أربعينيات القرن الماضي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين شهدت المناطق الكردية نشاطاً سياسياً ملحوظاً بلغ ذروته بإعلان جمهورية مهاباد عام 1946، والتي انهارت بعد أقل من عام، في أعقاب إعدام عدد من قادتها إثر استعادة الشاه محمد رضا بهلوي السيطرة على المنطقة.

وخاضت بعض الحركات الكردية عمليات مسلحة متقطعة في الثمانينيات من القرن العشرين، لكنها أعلنت تعليق العمل العسكري في عام 1996، والتركيز على العمل السياسي فقط.

وشكلت ستة أحزاب كردية في 22 فبراير/شباط 2026 "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، بهدف تعزيز قدراتها في مواجهة الجمهورية الإسلامية، بحسب البيان الذي أصدره الائتلاف.

ودعا بعض الأحزاب، وفي مقدمتها حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (ب د ك إ)، على لسان زعيمها مصطفى هجري، الأكراد إلى "الانشقاق وعدم خوض الحرب إلى جانب النظام الإيراني".

وصرّح خالد عزيزي، المتحدث باسم الحزب على صفحته في منصة إكس بأن "القوات الكردية مستعدة لتحدي النظام الإيراني، لكنها بانتظار اللحظة المناسبة".

الصورة تظهر قادة الأحزاب الكردية الخمسة التي شكلت "تحالف القوى السياسية لكردستان إيران". من اليمين الرئيسة المشتركة لحزب ( بجاك)، بيمان فيان، ثم بابا شيخ حسيني، رئيس حزب (خبات)، ثم مصطفى هجري، زعيم حزب (ب د ك إ) ثم حسين يزدان بنا، زعيم حزب (باك) ثم عبد الله مهتدي زعيم حزب كومله (جناح كادي كردستان).

صدر الصورة، PDKI

التعليق على الصورة، قادة الأحزاب الكردية الخمسة أثناء الإعلان عن تشكيل "تحالف القوى السياسية لكردستان إيران" في 22 فبراير/شباط 2026.

"لسنا وقوداً للحرب"

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

ويقول فؤاد بريتان، عضو المجلس القيادي لحزب "بجاك"، لبي بي سي نيوز عربي: "نحن لسنا مجرد قوة عسكرية، بل حركة شعبية ذات نفوذ واسع. نجري حوارات ونقيم علاقات دبلوماسية مع قوى إقليمية ودولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، من أجل إقامة نظام ديمقراطي علماني لا مركزي في إيران، يتمتع فيه الأكراد بحق الإدارة الذاتية، إلى جانب سائر الشعوب الإيرانية، كما نولي أهمية كبيرة لتحرر المرأة وكذلك القيم البيئية".

لكن في بلد مثل إيران يمتلك ترسانة عسكرية متنوعة ومتطورة، هل يمكن للأكراد خوض معركة ضد الجمهورية الإسلامية؟ وهل أعدادهم كافية للقيام بمثل هذه المهمة؟

يقول بابا شيخ حسيني، الأمين العام لـ "منظمة خبات في كردستان إيران"، لبي بي سي نيوز عربي: "لا تقتصر قواتنا على المقاتلين الموجودين في كردستان العراق أو في الجبال، بل تشمل أيضاً أولئك الموجودين في المدن الكردية داخل إيران أيضاً، لكننا لا نعتزم دخول إيران بشكل منفرد أو في ظل غياب استراتيجية شاملة في مواجهة نظام مدجج بالأسلحة وفي حرب غير متكافئة" مضيفاً أن كفاحهم المسلح الآن يندرج ضمن إطار حق الدفاع المشروع.

ويؤكد حسيني أنهم لن يكونوا "وقوداً لحرب تخدم مصالح جماعات معارضة أخرى لا تعترف حتى بأبسط حقوقنا الأساسية، ولن نكون البادئين بأي هجوم عسكري غير محسوب، بل نعتمد استراتيجية تقوم على انتفاضة شعبية شاملة في إيران تترافق مع النضال المدني والدفاع المسلح عند الضرورة".

صورة لفؤاد بريتان، عضو المجلس القيادي لـ "حزب حياة حرة الكردستاني" بالزي العسكري في الجبال.

صدر الصورة، PJAK

التعليق على الصورة، فؤاد بريتان، عضو المجلس القيادي لحزب بجاك: "لم يكن الأكراد في إيران متحدين كما هم اليوم".

رهانات الدور الكردي

يتبادر إلى الأذهان سؤال حول ما إذا كانت الحركات الكردية جاهزة فعلاً للعب دور مؤثر في إيران، وما إذا كانت خبراتها التنظيمية والسياسية المكتسبة في العراق كافية لدعم طموحاتها داخل البلاد، خاصة في ظل القيود الإقليمية التي تفرضها تركيا وإقليم كردستان العراق.

هنري ج. باركي، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والأكراد والزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية، وهي مؤسسة بحثية تُعنى بالسياسة الخارجية الأمريكية، يقول لبي بي سي نيوز عربي: "حقيقةً يصعب الجزم بمدى جاهزية الأكراد، لكنهم نشطون منذ سنوات ولديهم قدرات تنظيمية، وقد يسعون إلى لعب دور مهم في إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية. ورغم احتمال ارتكابهم أخطاء، فإن لديهم ميزة مهمة تتمثل في إمكانية الاستفادة من خبرة أكراد العراق، سواء في التنظيم وبناء الهياكل السياسية أو في تلقي الدعم خلال المفاوضات".

ويرى الكاتب السياسي، والمستشار الإعلامي لبرلمان كردستان، طارق جوهر أن "الأحزاب الكردية اليوم أكثر نضجاً في مقاربتها السياسية مقارنة بتجاربها السابقة".

مقاتلون ومقاتلات من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (ب د ك إ) بزيهم العسكري يحملون السلاح ويشاركون في تدريب عسكري قرب أربيل في إقليم كردستان العراق، في يناير/ كانون الثاني الماضي.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، عناصر من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني يشاركون في تدريب عسكري قرب أربيل في إقليم كردستان العراق، في يناير/كانون الثاني الماضي.

غياب الضمانات الدولية وضغوط إقليمية

رغم أن بعض النشطاء والسياسيين الأكراد يرون أن الفرصة السياسية مواتية لقيام ائتلاف القوى الكردية في إيران، بشنّ هجوم عسكري على عناصر الأمن والحرس الثوري وغيرهم من مسؤولي الدولة، ولا سيما الموجودين في المدن ذات الغالبية الكردية في إيران، فإن هناك عدة عوامل تحول دون قيامهم بذلك، بحسب أصحاب القرار المتمثلين في رؤساء وقادة الأحزاب السياسية.

ويقول بابا شيخ حسيني، الذي ينضوي حزبه (خبات) ضمن ائتلاف القوى الكردية: "إننا نرحّب دائماً بأي حوار أو علاقة دبلوماسية مع المنظمات الدولية، لكن من خلال التجارب العديدة التي مرّ بها الأكراد في كردستان العراق ومؤخراً سوريا، نرى أن أي تحالف محتمل أو دعم عسكري يجب أن يكون مقروناً بضمانات قانونية واضحة، لا مجرد وعود شفوية قد تتغير بتغيّر الحكومات، ولا سيما في الولايات المتحدة. وبالنسبة لنا، فإن الضمان الحقيقي يتمثل في اعتراف المجتمع الدولي وحلفائه رسمياً بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي داخل إيران، قبل الانخراط في أي عمل عسكري داخل البلاد".

ويرى جوهر أنه "ما لم يتم توفير غطاء جوي للقوات الكردية، تمكنهم من إنشاء منطقة آمنة داخل كردستان إيران كما حدث في عام 1991 في إقليم كردستان العراق، لمنع قصف المناطق المحررة بالصواريخ والطيران الإيراني، لن يشن الأكراد أي هجوم عسكري خشية الرد العسكري الإيراني المباشر الذي قد يودي بحياة مدنيين ويسبب خسائر كبيرة في البنى التحتية".

ومن ناحية أخرى، تحارب تركيا بشتى الوسائل إنشاء أي كيان فيدرالي كردي آخر على حدودها، معتبرة ذلك تهديداً لأمنها القومي. إذ قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أثناء حديثه إلى بعض الصحفيين في إسطنبول: "إننا ضد جميع السيناريوهات التي تهدف إلى إشعال حرب أهلية في إيران والتي تستهدف الانقسامات العرقية أو الدينية، وسيكون هذا السيناريو هو الأخطر". فضلاً عن أن إقليم كردستان الذي تربطه علاقات تاريخية وثيقة مع الأحزاب الكردية في إيران، ومن خلال التفاهمات معهم، "يتجنب أي تصعيد قد يهدد الاستقرار الإقليمي أو يشجع على نشاطات مسلحة عبر حدودها" وفقاً للكاتب الكردي.

التعليق على الفيديو، بي بي سي داخل القواعد السرية لحزب الـPJAK الكردي

حذر من التحالف

صورة للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي وهما يوقعان على بنود الاتفاق على اندماج قسد ضمن الحكومة السورية الجديدة.

صدر الصورة، SANA

التعليق على الصورة، لم تدعم الولايات المتحدة مطلب كرد سوريا في الفيدرالية، بل حثتهم على الاندماج مع الحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع.

ومن جانبهم، يحذّر نشطاء سياسيون من أكراد سوريا، نظراءهم في إيران من مغبة التحالف مع واشنطن، وعدم تكرار تجربة شمال شرق سوريا قائلين في تقرير لرويترز "ستتخلى واشنطن عنهم بمجرد التوصل إلى اتفاق مع طهران" واصفين تجربتهم بـ"المريرة".

وكانت قوات سوريا الديمقراطية، هي الحليف الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لأكثر من عقد من الزمن في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، إلا أن الأخيرة حثتهم في مطلع العام الجاري على الاندماج مع قوات الحكومة الجديدة ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ولم تدعم مطلبهم بالفيدرالية أو الإدارة الذاتية في المناطق التي كانت تسيطر عليها.

وصرّح خالد عزيزي، المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، بعد زيارته لواشنطن، في صفحته على منصة إكس : "لقد أوصلنا رسالة واضحة للغاية إلى الرئيس الأمريكي بشأن دورنا الحالي والمستقبلي في هذه الحرب... فإذا اقتضت استراتيجيتنا دخول الحرب الآن، فسنفعل، لكننا لسنا بحاجة إلى ذلك في الوقت الحالي".

علاقة الأكراد بالمعارضة غير الكردية

تُوجِه الأحزاب الكردية رسائل صداقة إلى المكونات الإيرانية الأخرى من أجل التعاون والتكاتف في وجه النظام بحسب تصريحات بعض القادة السياسيين.

وخلال حديثه مع بي بي سي، حذّر فؤاد بريتان، القيادي في حزب "حياة حرة" الكردستاني (بجاك) الأذريين والعرب والبلوش والفرس والأقليات الدينية والعرقية، وجميع الإيرانيين الذين يتوقون إلى الحرية والديمقراطية حسب تعبيره "من الانصياع إلى بعض القوى التي تسعى إلى بث الفرقة والشقاق بين أبناء الشعب الإيراني لمنع التعاون والتضامن، ومن تصوير الأكراد كتهديد".

ويقول بابا شيخ حسيني، الأمين العام لمنظمة خبات، لبي بي سي إن مطلبهم التاريخي والأساسي هو "إسقاط نظام الملالي وتأسيس حكومة ديمقراطية تضمن حقوق جميع القوميات في دستور جديد"، وإن حزبه على تواصل مع المعارضة الإيرانية غير الكردية مثل منظمة مجاهدي خلق بزعامة مريم رجوي.

التعليق على الفيديو، كيف يستعد مقاتلو المعارضة الإيرانية الكردية المسلحة للعبور إلى إيران من كردستان العراق؟

"لن يسقط النظام في طهران"

تشكل المسألة الكردية أحد الملفات التي أثيرت في النقاشات حول مستقبل النظام الإيراني وإمكانية تعرضه لتهديدات داخلية. لكن خبراء يرون أن قدرة الحركات الكردية على إحداث تغيير جذري في موازين القوى داخل إيران تبقى محدودة، مهما تصاعدت أنشطتها العسكرية والسياسية.

ويقول هنري ج. باركي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لبي بي سي نيوز عربي: "النظام لن يسقط بسبب تمرد كردي". وعلى الرغم من الأنشطة العسكرية للجماعات الكردية، يرى باركي أن عددهم غير كافٍ لإحداث تأثير حاسم، وإذا صحّت التقارير التي تفيد برغبة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تدريبهم، فسيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، ويتطلب الأمر تجنيدهم والتحقق من خلفياتهم وإنشاء معسكرات تدريب وما إلى ذلك، وحتى مع تحقيق كل هذا، لن يكون عددهم كافياً لإسقاط النظام في دولة مثل إيران. كما أن إنشاء نظام فيدرالي ليس بالأمر السهل، إذ يُرجّح أن يُواجَه بمقاومة شديدة من داخل إيران ومن الدول المجاورة وفي مقدمتها تركيا التي تخشى من أن يؤثر ذلك على تصاعد مطالب الأكراد في الداخل التركي أيضاً".

ويبقى السؤال الأبرز: هل سيتمكن الأكراد من تحويل تاريخهم الطويل في النضال السياسي والعسكري إلى تأثير حقيقي في إيران المستقبلية، أم ستظل طموحاتهم محصورة ضمن توازنات القوى الإقليمية المعقدة؟

لحظات للمشاهدة
التعليق على الفيديو، ترامب يطالب بحماية مضيق هرمز ويدعو لإرسال سفن حربية.. فكيف ردّت الدول على مطالبه؟