صيدلانية متفانية وصانعة محتوى أعادها الحنين إلى الوطن.. قصص مدنيين إيرانيين قُتلوا خلال الحرب

صورة مركّبة لباراستيش داهاغين وبيريفان مولاني.

صدر الصورة، Supplied

التعليق على الصورة، باراستيش داهاغين (يمين) وبيريفان مولاني (يسار) هما اثنتان فقط من بين العديد من الضحايا المدنيين في الحرب.
    • Author, كارولين هاولي
    • Role, مراسلة الشؤون الدبلوماسية
    • Author, سوروش باكزاد
  • مدة القراءة: 6 دقائق

باراستيش داهاغين هي صيدلانية شابة قُتلت في انفجار أثناء وجودها في مكان عملها.

أما بيريفان مولاني، فكانت في سريرها عندما أصابت رأسَها شظايا ناجمة عن حطام خلّفته غارة جوية في طهران.

على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع، تعرّضت طهران ومدن أخرى لقصف مكثف بغارات جوية أمريكية وإسرائيلية، استهدفت آلاف المواقع في أنحاء البلاد.

ولا تقتصر التقارير عن الخسائر المدنية الناتجة عن هذه الغارات على البالغين فقط؛ فقد أفادت تقارير بوفاة الطفلة إيلماه بيلكي، البالغة من العمر ثلاث سنوات، بعد يوم من إصابتها في بلدة سردشت غرب البلاد.

وتتزايد حصيلة الضحايا المدنيين بسرعة، وغالبًا ما لن تُروى قصص معظمهم.

لكن، ومن خلال دخان الحرب الكثيف وانقطاع الإنترنت، تتسرّب أجزاء صغيرة من المعلومات إلى خارج إيران. كما بدأت تتكشف أسماء نسبة ضئيلة من الضحايا المدنيين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على البلاد.

كانت باراستيش داهاغين داخل صيدليتها في حي أبادانا في طهران عندما استُهدف مبنى مجاور تابع لشركة تكنولوجيا معلومات يُعتقد أنها لعبت دوراً في قطع الإنترنت في إيران، وذلك وفقاً لمركز توثيق حقوق الإنسان في إيران.

وتُظهر مقاطع فيديو نُشرت على الإنترنت مراسم عزاء لباراستيش، حيث وُضعت صور لها بين الشموع والزهور.

وكتب شقيقها بوريا على إنستغرام قائلاً إن شقيقته كانت تؤدي عملها فحسب عندما قُتلت.

وقال إن العائلة كانت قد أخبرت شقيقته بأن طهران لم تعد آمنة، لكنها أجابت: "الناس بحاجة إليّ، هناك جرحى".

وأضافت: "إنهم يأتون إلى الصيدلية، وكبار السن بحاجة إلى أدويتهم. يجب أن أبقى هنا وأساعد أهلي".

وختم قائلاً في رثائها: "كنتِ نبيلة للغاية".

ولا تتوافر معلومات كثيرة عن الطفلة إيلماه بيلكي، ذات الثلاث سنوات، والتي حصلت بي بي سي على صورتها من منظمة "هنغاو" الحقوقية الكردية.

وقالت المنظمة إن الطفلة أُصيبت بجروح بالغة جراء غارات جوية أمريكية - إسرائيلية في أوائل مارس/ آذار، قبل أن تفارق الحياة بعد يوم واحد.

صورة للطفلة إيلماه بيلكي.

صدر الصورة، Hengaw

التعليق على الصورة، توفيت الطفلة إيلماه بيلكي بعد غارات جوية أمريكية-إسرائيلية في وقت سابق من هذا الشهر، بحسب منظمة حقوقية كردية
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

أما بيريفان مولاني، فكانت مدوِّنة وصانعة محتوى تبلغ من العمر 26 عاماً، وكانت تدير متجراً إلكترونياً لبيع الملابس.

وكانت مولاني، وهي الابنة الوحيدة لوالديها، قد عادت إلى طهران من شمال إيران الأكثر أماناً قبل يوم واحد فقط من وفاتها، بسبب حنينها إلى المنزل.

وقالت عائلتها إنها لم تكن على علم بأن وزير الاستخبارات الإيراني، إسماعيل خطيب، يقيم في المبنى المقابل لهم في شارع ماكوييبور، في حي زعفرانية الراقي في طهران، وذلك وفقاً لما ذكرته صديقتها راضية جانباز في منشور على إنستغرام.

وتُظهر لقطات ليلية نشرها الهلال الأحمر الإيراني فرق الإنقاذ وهي تزيل الأنقاض في محاولة للوصول إلى والدة بيريفان العالقة، بينما كانت تتوسل لمعرفة: "هل ابنتي على قيد الحياة؟".

وكانت بيريفان قد أُخرجت بالفعل من تحت الركام، لكن الإصابات التي تعرّضت لها كانت قاتلة.

وكتبت جانباز: "قُتلت في سريرها، قبل لحظات من خلودها للنوم، خلال الهجوم الصاروخي في 17 مارس/ آذار".

وأضافت أن عدداً من جيران بيريفان قُتلوا أيضاً في الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت خطيب الأسبوع الماضي.

وقال جانباز، وهو لاعب سابق في منتخب إيران لكرة اليد، إنه توجّه إلى المكان بعد الهجوم، ولم يجد من صديقته سوى حذاء رياضي ملقى في الشارع.

وأضاف: "كانت هذه عائلة بذلت كل ما في وسعها لحماية ابنتها، لكن في النهاية – ومن دون أن تعرف حتى من يسكن في المنزل المقابل – فقدتها".

أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA)، ومقرها الولايات المتحدة، بأنها وثّقت حتى الآن مقتل أكثر من 1400 مدني، بينهم 15% من الأطفال.

وكان من بين أكثر الحوادث دموية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة ابتدائية في بلدة ميناب جنوب البلاد في بداية الحرب.

وتشير تقارير إلى مسؤولية الولايات المتحدة، إذ استهدفت الضربة قاعدة عسكرية قريبة. ولم يعترف الجيش الأمريكي علناً باستهداف المدرسة، لكنه يقول إنه يجري تحقيقاً في الحادث.

وحددت منظمة "هنغاو" الحقوقية الكردية مقتل 48 طفلاً و10 بالغين في المدرسة.

وأعربت المنظمة عن "قلق بالغ" إزاء تزايد أعداد الضحايا المدنيين.

ولا تعلن إيران عن خسائرها العسكرية، فيما تختلف التقديرات بشأن عدد قتلى قواتها الأمنية.

وتشير وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان إلى مقتل ما لا يقل عن 1167 من أفراد الجيش منذ بداية الحرب، في تقدر "هنغاو" العدد بما يزيد من 5 آلاف.

وخلال الحرب، اعتُقل العديد من الإيرانيين بسبب استخدامهم الإنترنت.

لكن حتى بالنسبة للمنظمات الحقوقية التي تمتلك شبكة قوية من الاتصالات على الأرض، فإن جمع معلومات عن الضحايا يُعدّ أمراً بالغ الصعوبة.

وتقول منظمة "هنغاو" إن حرس الحدود الإيرانيين تلقّوا أوامر بإطلاق النار على الأشخاص الذين يحاولون استخدام شبكات الهاتف والإنترنت العراقية، التي يمكن أحياناً الوصول إليها بالقرب من الحدود بين البلدين، في ظل سعي النظام إلى السيطرة على السكان وعلى رواية الحرب.

وقال أويار شيخي من "هنغاو": "إنه وضع مفجع للغاية للناس".

وأضاف في حديثه لبي بي سي أن الناس "مرعوبون".

وتابع: "في وقت سابق من هذا العام كانوا يُقتلون في الشوارع على يد الحكومة الإيرانية، والآن يواجهون خطر القتل بسبب القصف."

وأشار إلى وجود مبانٍ حكومية داخل مناطق سكنية، مضيفاً أنه حتى في مدينة كبيرة مثل طهران لا توجد ملاجئ مخصصة للمدنيين.

وختم بالقول: "الوضع كارثي".

مدنيون يدفعون "ثمناً مقلقاً" للحرب

تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن المدنيين يدفعون "ثمناً مقلقاً" للحرب.

ومن بين القتلى عامل في الهلال الأحمر يُدعى حميد رضا جهانبخش، كما تضررت منشآت عدة تابعة للمنظمة.

وقال رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فينسنت كاسار: "إن القانون الدولي الإنساني واضح: يجب تجنّب استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية. كما يجب احترام وحماية العاملين في المجال الطبي وفرق الاستجابة الأولى، إضافة إلى وسائل النقل والمنشآت الطبية والعاملين في المجال الإنساني".

وقد وثّقت منظمة الصحة العالمية حتى الآن أكثر من 20 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، مع ورود تقارير عن العديد من الهجمات الأخرى. وتقول إن ما لا يقل عن تسعة من العاملين في القطاع الصحي قُتلوا.

وتصنّف المنظمة أي أضرار جانبية على أنها هجوم.

تناثرت الأنقاض في أعقاب غارة أمريكية - إسرائيلية على مستشفى فندق غاندي، وسط النزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في طهران.

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، آثار الدمار عقب غارة على مستشفى فندق غاندي في طهران.

وقال إيان كلارك الذي يقود عمليات منظمة الصحة العالمية للحرب في الشرق الأوسط: "ليس من دورنا تحديد ما إذا كانت الضربة استهدفت ذلك المرفق مباشرة أم مرفقاً مجاوراً له".

وأضاف: "إنه هجوم على الرعاية الصحية، وتقع المسؤولية على عاتق الأطراف المنخرطة في النزاع لضمان حماية المدنيين واتخاذ التدابير اللازمة لتفادي تأثر المنشآت الصحية".

وتابع قائلاً: "أي هجوم على الرعاية الصحية يُعد انتهاكاً للقانون الدولي".

وكانت الولايات المتحدة قد أكدت سابقاً أنها لا تستهدف المدنيين وتتعامل بجدية مع التزاماتها.

وقد تحققت بي بي سي من لقطات تُظهر أضراراً لحقت بمستشفيات عدة، بينها مستشفى غاندي الخاص المؤلف من 17 طابقاً في طهران، الواقع قرب مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية الذي كان هدفاً للغارة، إضافة إلى مستشفى تابع للهلال الأحمر في مدينة مهاباد غرب إيران، ومستشفى في ميناء بوشهر جنوب البلاد، حيث شوهد نقل رُضّع في حاضنات إلى خارج المبنى في الثالث من مارس/ آذار.

وبعد أسابيع قليلة من محاولتهم إنقاذ حياة متظاهرين مصابين، يواجه الأطباء العاملون في المستشفيات العامة ضغطاً شديداً وحالة "إرهاق شديد"، بحسب الجرّاح الإيراني الدكتور هاشم معزنزاده.

ويقيم الطبيب حالياً في فرنسا، لكنه لا يزال على تواصل مع زملائه السابقين في طهران.

وقال: "القنابل المستخدمة ضخمة للغاية، وهناك عدد مرتفع جداً من الضحايا المدنيين".

وأضاف في نداء عاجل: "إذا كنتم تقصفون بالقرب من أماكن مثل المستشفيات، فيجب إعطاء الأولوية لسلامتها وحمايتها".