لماذا ينهار اتفاق قسد ودمشق رغم وحدة الهدف؟

مظاهرة تضامنية مع سكان حي الشيخ مقصود. 8 يناير/كانون الثاني 2026.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، متظاهرون يتضامنون مع إخوانهم الأكراد المقيمين في حي الشيخ مقصود بحلب، في اليوم التالي للاشتباكات التي دارت بين الجيش السوري وقوات الأسايش الكردية. القامشلي، 8 يناير/كانون الثاني 2026.
    • Author, هيفار حسن
    • Role, بي بي سي نيوز عربي

مع انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/مارس، بين الحكومة الانتقالية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، دخل الاتفاق أخطر مراحله، بعد انتقال الخلافات من إطارها السياسي والتفاوضي إلى مواجهة عسكرية مباشرة، تمثلت في اندلاع اشتباكات عنيفة بين الطرفين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب في السادس من شهر يناير/كانون الثاني الحالي ، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول قابلية الاتفاق للاستمرار رغم الضغوط الإقليمية والدولية على الجانبين، للتوصل إلى اتفاق سلمي.

وكانت الرئاسة السورية قد نشرت في 10 مارس/آذار 2025، بياناً وقعه الطرفان، يشمل عدة بنود وجب تنفيذها في مدة لا تتجاوز نهاية عام 2025.

ما تم إنجازه وما بقي معلقاً

رئيس المرحلة الانتقالية السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، يوقعان على اتفاق 10 مارس/آذار

صدر الصورة، SANA

نص اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والذي توسط فيه مسؤولون أمريكيون، على البنود التالية:

  • ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة، بناءً على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.
  • المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.
  • وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.
  • دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
  • ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية.
  • دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.
  • رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري.
  • تعمل وتسعى اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

لكن الاشتباكات الجارية الآن بين الطرفين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية اللذين يخضعان لسيطرة قوى الأمن الداخلي الكردية، المعروفة باسم الأسايش، تشير إلى انهيار الاتفاق عملياً، أو على الأقل إلى تعطّل أحد أبرز بنوده المتعلقة بوقف إطلاق النار، ما يعكس عمق الخلافات البنيوية بين الجانبين، ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة اللجان التنفيذية والوساطات الدولية على إعادة إحيائه في ظل الانتقال من الخلاف السياسي إلى المواجهة الميدانية المباشرة.

وأكدت قوات سوريا الديمقراطية "أن استمرار الهجمات على هذين الحيين المحاصرين بالكامل من شأنه أن يعيد سوريا بأكملها إلى ساحة حرب مفتوحة، مشيرةً إلى عدم تواجدها في الحيين، حيث سُلِّم الملف الأمني إلى قوى الأمن الداخلي" مضيفة أن "إعادة طرح الحجج الباطلة لا يهدف إلا إلى توفير غطاء سياسي وعسكري للهجوم الوحشي الجاري على الأحياء السكنية الآمنة".

فوزة يوسف

صدر الصورة، rozpress

التعليق على الصورة، فوزة يوسف، الرئيسة المشتركة للجنة التفاوض مع دمشق عن مناطق شمال شرق سوريا.

وتقول فوزة يوسف، الرئيسة المشتركة للجنة التفاوض مع دمشق عن مناطق شمال شرق سوريا : "إن الخلاف الجوهري بين طرفي التفاوض يكمن في نظام الحكم اللامركزي في سوريا، الذي تطالب به الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، والذي يتم رفضه باستمرار من قبل حكومة دمشق، متمثلة برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني".

يقول غريغوري أفتانديليان، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن: "لعلّ مظلوم عبدي رأى في بطء تنفيذ اتفاق مارس/آذار خطوةً حذرة بعد أن شهدت سوريا حوادث عنف طائفي واسعة النطاق بحق العلويين في اللاذقية، ولاحقاً بحق الدروز في السويداء".

أكدت الحكومة السورية الانتقالية في بيان لها نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) في شهر تموز/يوليو الماضي، على "ترحيبها بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية"، وشددت في بيانها على "تمسكها الثابت بمبدأ سوريا واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة، وترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفيدرالية التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها، وترحب بانضمام المقاتلين السوريين من قسد إلى صفوفها، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتمدة".

اتهامات متبادلة

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

كانت ولا تزال الحكومة السورية الانتقالية وقسد يتبادلان الاتهامات بالتباطؤ والتلكؤ في تنفيذ بنود الاتفاق وعرقلته. ففي مؤتمر صحفي مشترك عقد مع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في أنقرة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، حثّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قوات قسد على الالتزام باتفاق 10 آذار/مارس، واتهمها بالمماطلة والبطء في تنفيذ الاتفاق قائلاً: "إن بطء استجابة قسد، يعرقل مصالح شعبنا وجهود مكافحة الإرهاب"، مضيفاً أن الاتفاق "ما زال حبراً على ورق" بسبب تردد قسد في اتخاذ الخطوات اللازمة.

لكن القيادية في الإدارة الذاتية فوزة يوسف، تقول إن من يعرقل الاتفاق ويماطل في تنفيذ بنوده هي الحكومة الانتقالية، لأنها على سبيل المثال وليس الحصر، "لم تطبق المادة التي تنص على ضمان حقوق الشعب الكردي في الدستور".

وتضيف: "تصرّ دمشق على إدماج قوات سوريا الديمقراطية كأفراد متفرقين داخل الجيش، وهو ما لن تقبل به قسد، فهي قوة منظمة تمتلك خبرات واسعة وتدريبًا عاليًا، ومن الضروري أن تحافظ على بنيتها العسكرية التي تضم مختلف مكونات سوريا من عرب وسريان وأكراد وغيرهم، كي تتمكن من أداء دورها بفاعلية داخل الجيش السوري".

طلبت بي بي سي من وزارة الداخلية السورية التعليق على الاتهامات الموجّهة إليها بالعرقلة في تنفيذ الاتفاق، غير أنّ الوزارة امتنعت عن الإدلاء بأي تصريح.

لكن الكاتب الصحفي والباحث السياسي السوري عبدالله الحمد، يقول لبي بي سي عربي: "تحاول قسد الانقلاب على الاتفاق وإدخال بنود لم تكن موجودة"، في إشارة منه إلى المطالبة باللامركزية في الحكم.

إلا أن يوسف تقول: "الاتفاق شمل بعض الخطوط العريضة فقط ولم يتطرق إلى التفاصيل، وإذا كان الحديث عن عدم وجود بند حول نظام الحكم اللامركزي في الاتفاق، فيجب الإشارة بالمثل إلى أن الاتفاق لم يتضمن بنداً ينص على نظام الحكم المركزي في البلاد. فسوريا اليوم بحاجة إلى نظام ديمقراطي يأخذ التنوع الإثني والثقافي والديني في الاعتبار، و يتمثل ذلك في اللامركزية".

وزير الخارجية التركي حقان فيدان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة في 8 أكتوبر 2025، أثناء زيارة الأخير إلى أنقرة لبحث العلاقات المشتركة بين البلدين.

صدر الصورة، AFP

التعليق على الصورة، وزير الخارجية التركي حقان فيدان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة في 8 أكتوبر 2025.

الدور التركي

يتهم مسؤولون في الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، ومن ضمنهم فوزة يوسف، تركيا بلعب "دور سلبي للغاية في تأجيج الخلاف بين الأطراف السورية، وممارسة ضغوط على دمشق كما لو كانت الأخيرة إحدى ولايات تركيا"، وأكدت يوسف أنه "ليس لدى دمشق أي مبررات واضحة في تباطؤها."

طلبت بي بي سي من المتحدث بإسم الخارجية التركية، أونجو كجالي، التعليق على الاتهامات الموجّهة لأنقرة، لكنه لم يجب.

إلا أن الكاتب والخبير السياسي التركي والعضو في حزب العدالة والتنمية، يوسف كاتب أوغلو يقول لبي بي سي عربي "إن تركيا، خلافاً لما يُروج، تؤدّي دوراً إيجابياً، وإنّ مصلحتها تكمن في تحقيق اندماج حقيقي لا شكلي. وإن الاندماج الذي وافقت عليه قسد يقضي بتسليم السلاح وتفكيك البنية التنظيمية والعسكرية لقسد والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة دون شروط".

لكنّ قسد ــ بحسب قوله ــ تُصرّ على البقاء ككيان متكامل، محافظَةً على هيكليتها العسكرية ورتبها وضباطها وقياداتها ضمن المؤسسة العسكرية السورية، وهو ما تعتبره أنقرة أمراً غير منطقي وغير مقبول.

يضيف كاتب أوغلو: " تركيا تعتبر سوريا الحديقة الخلفية لأمنها القومي، لذلك ترى أنه يجب أن تكون سوريا دولة موحدة وترفض التقسيم بكل أشكاله سواء كان على أساس فيدرالي أو حكم ذاتي، لأن ذلك سينعكس سلباً على الوضع في تركيا أيضاً".

قائد لواء الشمال الديمقراطي، أبو عمر الإدلبي

صدر الصورة، Rudaw

التعليق على الصورة، يؤكد قائد لواء الشمال الديمقراطي، أبو عمر الإدلبي، أن عدد المقاتلين العرب المنحدرين من إدلب ضمن صفوف قسد يبلغ نحو أربعة آلاف مقاتل.

قسد على شكل فرق وألوية عسكرية

في حوار له مع شبكة رووداو الإعلامية، قال قائد لواء الشمال الديمقراطي، التابع لقوات سوريا الديمقراطية، أبو عمر الإدلبي: "إن قسد ستندمج ضمن الجيش السوري بعدة فرق وألوية، مشيراً إلى أن تغيير اسم القوات "سيلائم المرحلة".

وأضاف: "مبدئياً ستكون قوات سوريا الديمقراطية، ضمن تشكيلات الجيش السوري الجديد على شكل ثلاث فرق عسكرية وعدة ألوية مستقلة، بينها لواء لوحدات حماية المرأة، وفق الآلية التي سيتم التوافق عليها، حيث ما تزال هذه التفاصيل ضمن جولات التفاوض التي ستعقد تباعاً".

ويقول أفتانديليان، زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن، في مقال نشره المركز: "إن الاتفاق الجديد الذي تم بين رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري، بوساطة أمريكية ينص على اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري مع الاحتفاظ بهياكلها القيادية الخاصة، بدلاً من العمل كأفراد - وهو نموذج كان من شأنه أن يُذيب الهوية الجماعية لقوات سوريا الديمقراطية من خلال توزيع مقاتليها على وحدات الجيش النظامي الخاضعة للسيطرة الكاملة لدمشق".

عن مطلب اللامركزية من جانب قسد، يوضح أفتانديليان أنه بالنسبة لدمشق، "يُنذر احتمال اللامركزية بفتح باب التحديات أمام النخب السياسية المحلية في محافظات متعددة. أما بالنسبة لأنقرة، فلا تزال حذرة بسبب العلاقات التي تربط حزب الاتحاد الديمقراطي السوري ( PYD) وحزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا".

في نهاية المطاف، يكشف مسار اتفاق العاشر من آذار/مارس عن فجوة واضحة بين ما يعلنه الطرفان من أهداف مشتركة، وما يختلفان عليه في تفاصيل التنفيذ وشكل الدولة ومستقبل المؤسسة العسكرية. ومع تصاعد التوترات الميدانية واستمرار تبادل الاتهامات، يبقى الاتفاق معلّقاً بانتظار إرادة سياسية حقيقية قادرة على ترجمة التفاهمات المكتوبة إلى خطوات عملية، في وقت يترقّب فيه السوريون ما إذا كان هذا المسار سيفتح باباً لتسوية أوسع، أم سيضاف إلى سلسلة الاتفاقات التي تعثّرت قبل أن ترى النور.