قصة الفانوس الذي صار طقساً رمضانياً منذ العصر الفاطمي

صدر الصورة، Getty Images
- Author, وليد بدران
- Role, بي بي سي
- مدة القراءة: 7 دقائق
يُعدّ فانوس رمضان واحداً من أبرز الرموز الشعبية المرتبطة برمضان في العالم الإسلامي، ولا سيما في مصر حيث اكتسب مكانة خاصة في الوجدان الجمعي، فمع اقتراب حلول رمضان، تمتلئ الأسواق بأشكال الفوانيس المختلفة، وتُزيَّن الشوارع والبيوت بأضوائها الملوّنة، وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الفوانيس الاحتفالية تضيء الشوارع والمنازل ليلاً خلال شهر رمضان في مشهد يعكس حالة الفرح والترقب التي ترافق هذا الشهر.
ويرتبط الفانوس في الذاكرة الشعبية بطفولة أجيال متعاقبة، إذ يحرص الأطفال على حمله والتجول به مرددين الأناشيد الرمضانية، كما يمثّل شراء الفانوس طقساً سنوياً لدى كثير من الأسر، يعلن بداية الاستعداد الروحي والاجتماعي لرمضان، وبذلك تحوّل الفانوس إلى وسيلة للتعبير عن البهجة الجماعية، وعن خصوصية رمضان بوصفه موسماً للتقارب الأسري والتكافل الاجتماعي.
وتعود جذور هذا التقليد إلى قرون بعيدة، حيث ارتبط استخدام الفوانيس بالحاجة إلى الإضاءة ليلاً في زمن لم تكن فيه الكهرباء معروفة، ومع تطور المجتمعات الإسلامية، اكتسب الفانوس أشكالاً فنية وزخرفية مستوحاة من العمارة والفنون الإسلامية، حتى صار قطعة تراثية تعكس ذائقة جمالية خاصة.
وقد ساهمت التحولات التاريخية والسياسية في انتقاله من أداة وظيفية إلى رمز احتفالي متجذر في الثقافة الشعبية، لذلك فإن دراسة تاريخ فانوس رمضان لا تقتصر على تتبع نشأته فحسب، بل تكشف أيضاً عن تفاعل الدين والعادات والتقاليد مع الحياة اليومية للمجتمعات الإسلامية، فهو شاهد على استمرارية التراث رغم تغير الأزمنة، وعلى قدرة الرموز الشعبية على تجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية.
ويُرجح معظم اللغويين أن كلمة "فانوس" تعود في أصلها إلى اليونانية، حيث كانت كلمة فانوس تعني المصباح أو المشعل المضيء، وقد انتقلت إلى العربية على الأرجح عبر اللغة القبطية أو عبر الاحتكاك بالحضارة البيزنطية في مصر وبلاد الشام خلال العصور الرومانية المتأخرة والعهد الإسلامي المبكر، ويشير الجذر اليوناني "فان" إلى الضوء أو الظهور، وهو ما يعكس وظيفة الفانوس كمصدر إضاءة يحمي اللهب من الرياح.
مع مرور الزمن، استقر اللفظ في العربية بصيغته الحالية "فانوس"، ليشير تحديداً إلى المصباح المحاط بغلاف أو إطار يحمي اللهب، كما حافظ تقريباً على معناه الأصلي، ومع ذلك، اكتسب الفانوس في الثقافة العربية، وخصوصاً في مصر، دلالة رمزية مرتبطة بشهر رمضان، فارتبط بالبهجة والاحتفال، وأصبح يرمز غالباً إلى فانوس رمضان وليس مجرد مصباح عادي.
روايات متعددة

صدر الصورة، Wikipedia
ترجح الروايات التاريخية والشعبية على أن أصل هذا التقليد يعود إلى الدولة الفاطمية في مصر، وتقول الدكتورة إيناس محمد البهيجي في كتابها "تاريخ الدولة الفاطمية": "سن الفاطميون عدة سنن أصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية عموما والمصرية خصوصا، ومازال المسلمون المصريون تحديداً وغيرهم من المسلمين في الدول والأقاليم المجاورة يحيون هذه السنن ولعل من أبرزها فانوس رمضان".
وكان جوهر الصقلي قد دخل مصر على رأس الجيش الفاطمي في شعبان سنة 358 هـجريا/ يوليو من عام 969 ميلاديا، وذلك بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وذلك على أثر ضعف الخلافة العباسية في بغداد والدولة الإخشيدية في مصر، وقد دخل الصقلي مصر دون مقاومة تُذكر، ثم اتخذ من الفسطاط مقراً مؤقتاً، وشرع فوراً في تأسيس مدينة القاهرة لتكون عاصمة جديدة للدولة الفاطمية ومقراً لقدوم الخليفة لاحقاً، بالإضافة إلى بناء قصر الخليفة والجامع الأزهر.
وحول أصل تقليد الفانوس في شهر رمضان، يقول أحمد المنزلاوي في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام": "دخل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي القاهرة مساء الثلاثاء الخامس من شهر رمضان قادما من المهدية (في تونس حاليا) في عام 362 هجرية 973 ميلادية، وخرج المصريون في موكب مهيب لاستقباله بالفوانيس والمشاعل والشموع وامتد الموكب من الجيزة حتى قصره في القاهرة، ومن هذا اليوم ارتبط شهر رمضان بالفوانيس حملها الكبار وهم في طريقهم للمساجد لصلاة الفجر والنساء والأطفال للشراء أو زيارة الأقارب".
ولكن ليست هذه هي الرواية الوحيدة لأصل هذا التقليد.
وتذكر رواية ثانية أن عائلات القاهرة في العصر الفاطمي كانت تخرج بكبارها وصغارها لمرافقة الخليفة في جولته عبر شوارع المدينة، عابراً بوابتيها الشهيرتين باب النصر وباب الفتوح، في طريقه إلى جبل المقطم لمراقبة ظهور هلال رمضان، وخلال هذه المسيرة الاحتفالية، كان الناس يحملون الفوانيس لإنارة الطريق، مرددين الأناشيد ابتهاجاً بحلول رمضان.
فيما تشير رواية ثالثة إلى أن الخليفة المعز لدين الله أراد أن تغمر الأضواء مساجد القاهرة طوال ليالي رمضان، فأمر بتعليق فانوس عند مدخل كل مسجد ليظل مضيئاً حتى نهاية الشهر.
وتقول رواية رابعة إن ظهور فانوس رمضان كان مرتبطًا بدور المسحراتي، حيث لم يُستخدم في البداية داخل المنازل، بل كان يُعلّق في منارة المسجد للإشارة إلى وقت السحور، وكان الأطفال يحملون فوانيسهم خلف المسحراتي ليلاً، مرددين الأناشيد لتسحير الناس، حتى ارتبط الفانوس تدريجياً بشهر رمضان.
ومن القصص التي تُروى أيضا بهذا الشأن أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أمر بمنع النساء من مغادرة بيوتهن ليلاً إلا خلال شهر رمضان على أن يكون هناك غلام يتقدمهن حاملاً فانوساً، ليُعلم الناس بمرورهن، فيفسح المارة الطريق لهن احتراماً.
وبحلول القرون اللاحقة، وخاصة في العصرين المملوكي والعثماني، خرج الفانوس من الإطار الرسمي والديني ليصبح جزءًا من الاحتفال الشعبي، وصار الأطفال يحملونه في الشوارع وهم يغنون الأغاني الرمضانية الشهيرة مثل "وحوي يا وحوي"، ومنذ ذلك الحين أصبح الفانوس علامة أساسية لقدوم رمضان في مصر ثم انتقل إلى بقية العالمين العربي والإسلامي.
ويذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" أن أقباط مصر قبل الفتح الإسلامي كانوا يستخدمون أشياء تعتمد على نفس فكرة الفانوس في احتفالاتهم بمناسبة عيد الميلاد، وقال في كتابه "أدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسما جليلا، يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، وكانوا يسمونها الفوانيس، وأحدها فانوس، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة".
صناعة الفانوس

صدر الصورة، Getty Images
في العصر الفاطمي، كانت الفوانيس تُصنع من المعادن والزجاج، وتضاء بالشموع أو الزيت، لتصبح أداة عملية ومؤشراً على أوقات الصلاة والسحور، ومع مرور الزمن، شهدت صناعة الفوانيس تطوراً ملحوظاً في العصر المملوكي حيث استلهم صانعو الفانوس شكله من فنون العمارة الإسلامية بمآذنها وقبابها ومنابرها ونوافذها وأبوابها وظهرت عليه الأهلة والزخارف البنائية والهندسية واللوحات الخطية مما أعطاه طابعاً جمالياً مميزاً.
وخلال العصر العثماني، ازدهرت هذه الحرفة أكثر، وتنوعت أشكال وأحجام الفوانيس، مع إدخال الزجاج الملون والألوان الزاهية في تصميمها، مما جعل الفانوس أكثر جمالاً وروعة، وأضفى على شوارع القاهرة أجواءً مبهجة خلال ليالي رمضان.
ومع حلول القرن العشرين، تحولت صناعة الفوانيس إلى حرفة شعبية واسعة الانتشار، خاصة في الأحياء القديمة مثل السيدة زينب والغورية والحسين، حيث اشتهرت الورش الصغيرة بإنتاج الفوانيس اليدوية المصنوعة من الصفيح والزجاج، محافظين على الطابع التقليدي والأصالة.
وكان الفانوس التقليدي يعتمد على الشموع لإضاءته، ثم شهد تطوراً مع دخول البطاريات، مع الحفاظ على الشكل التراثي الذي ميزه على مر العصور،ل وفي كتابها "هنونة وجدتها سونة"، تقول الكاتبة المصرية سميرة شفيق نقلا عن صاحب مصنع فوانيس القول: "إن العمال يعملون طوال العام ويجهزون الفوانيس في شهر شعبان من كل عام، والخامات المُستخدمة بسيطة وهي عبارة عن صفيح وسلك وزجاج وألوان دوكو وقصدير".
"وبعد رسم الشكل المطلوب، يتم قطع الزجاج بألماظة (قاطعة زجاج)، وقص الصفيح ليصنع منه إطار توضع فيه الألواح الزجاجية، ويُستخدم وابور لحام لتثبيت الشكل النهائي بالقصدير، وكل عامل له اختصاص، وآخر خطوة هي تلوين الزجاج وزخرفة الفانوس، وهناك أنواع كثيرة من الفوانيس أكثرها شهرة أبو شمعة، وهناك أيضا المخمس، وأبو باب، وشقة البطيخ، والشمامة، والصاروخ وغيرها".
العصر الحديث

صدر الصورة، Getty Images
في العصر الحديث تطورت صناعة الفوانيس بشكل كبير، فبعد أن كانت تُصنع يدوياً من الصفيح أو النحاس أو الخشب والزجاج الملوّن، ظهرت الفوانيس البلاستيكية المضيئة والموسيقية المستوردة، خاصة من الصين، مما أدى إلى تراجع المنتج التقليدي في بعض الفترات.
ومع ذلك، لا يزال الفانوس المصري اليدوي رمزاً ثقافياً أصيلاً، وتشهد السنوات الأخيرة عودة الاهتمام به ودعم الصناعات التراثية المحلية.
ومع انتشار الهواتف الذكية، أصبح من الممكن تجربة الفانوس افتراضياً من خلال تطبيقات تتيح تكبيره وتصغيره وتحريكه على الشاشة، بالإضافة إلى إمكانية الغناء والتلوين الرقمي للأطفال، ليصبح جزءًا من تجربة رمضانية تفاعلية جديدة.
ولا يعني هذا ابتعاد الفانوس عن جذوره التقليدية، إذ بدأت بعض التصاميم الحديثة تدمج النحاس والزجاج مع لمبات "إل إي دي" الذكية، مما يخلق توازناً بين التراث والابتكار الرقمي، ويمنح الأطفال والمصممين فرصة التفاعل مع تقاليد رمضان بشكل عصري.
لقد ظل الفانوس، على مدار قرون، رمزاً للفرح والاستبشار بحلول رمضان، من أضواء شوارع القاهرة في العصر الفاطمي إلى فوانيس الأطفال الملونة في الأسواق الشعبية، ويبقى الفانوس في عصر التكنولوجيا رمزاً حياً لرمضان يُمكن أن يجمع بين التراث والحداثة، ويظهر كيف يمكن للابتكار الرقمي أن يحافظ على العادات الثقافية ويمنحها أبعاداً جديدة، مما يجعله أكثر من مجرد أداة إنارة، بل تجربة رمضانية متكاملة تواكب العصر الحديث.































