مراسل بي بي سي فرانك غاردنر يحكي تجربته مع الإعاقة إثر إصابته في كمين للقاعدة في فيلم وثائقي

فرانك غاردنر

صدر الصورة، Frank Gardener

مضت 16 سنة، منذ تعرض مراسل بي بي سي فرانك غاردنر والمصور المرافق له سيمون كومبرز لكمين نصبته القاعدة في السعودية. وقد أصيب غاردنر بست رصاصات شلت أطرافه السفلى إثرها، وقتل مصوره. واليوم يذهب غاردنر وراء عناوين الأخبار ليكشف الأشياء المتعلقة بتجربة الإعاقة التي لا نتحدث عنها أبدا.

وقال غاردنر عن فيلمه الوثائقي الجديد على بي بي سي "أن تكون فرانك":"أريد أن يرى الناس الجبل الجليدي تحت السطح".

وأضاف قائلا:"ينظر الناس إلى شخص ما مثلي على كرسي متحرك وربما يقولون لأنفسهم إنه شخص بائس، أتساءل عما إذا كان بحاجة إلى القليل من المساعدة؟ وما لا يرونه هو كل الأشياء التي يتعين علينا التعامل معها تحت سطح" هذه الصورة.

ويتحدث غاردنر، البالغ من العمر 59 عاما، اللغة العربية بطلاقة، وقد أمضى سنوات في الحياة والعمل في الشرق الأوسط، فقد كان طالبا في القاهرة قبل أن يعمل مصرفيا في البحرين، وتحول إلى الصحافة في الثلاثينيات من عمره، وهو الآن مراسل بي بي سي للشؤون الأمنية.

وفي عام 2004، أصبح غاردنر ومصوره سيمون كومبرز العنوان الصحفي الرئيسي.

كانا يصوران في حي سكني بالعاصمة السعودية الرياض في أعقاب معارك بالأسلحة النارية بين الشرطة والقاعدة، الجماعة الإسلامية المتطرفة التي تقف وراء هجمات 11 سبتمبر/أيلول في أمريكا. وفي مقطع فيديو للهجوم، عرض لأول مرة في الفيلم الوثائقي، شُوهد غاردنر وهو يتحدث إلى مرافق بينما يصور كومبرز الحي الهادئ مع الأطفال الذين ينظرون إليه. وبعيدا عن الكاميرا، خرج رجل يحمل مسدسا من سيارة.

فرانك غاردنر

صدر الصورة، AL EKHBARIYA

التعليق على الصورة، لحظات بعد الهجوم على فرانك غاردنر في السعودية

وقال غاردنر: "لقد تعرضنا لكمين من قبل القاعدة، لقد أطلقوا النار علينا من مسافة قريبة".

اخترقت الرصاصة الأولى كتف غاردنر، والثانية ساقه.

وأضاف قائلا:"ثم وقفوا فوقي وأطلقوا ما تبقى من رصاصاتهم عليّ".

وهناك صورة مُحزنة تظهر غاردنر ملقى على الأرض وملابسه البيضاء ملطخة بالدماء، وهو يتحامل على نفسه محاولا استجماع قوته.

وبدأ حشد من الناس يتجمعون حوله، لكن لم يتقدم أحد لمساعدته.

ويقول غاردنر، الذي أمضى نصف حياته في فهم عادات وثقافات الشرق الأوسط، إن الخيانة هي "بالضبط ما شعرت به" حينها.

ويضيف قائلا:"بينما كنت مستلقيا على الطريق مع كل هذه الرصاصات بداخلي وأتعرض لنزيف داخلي ، أتذكر أنني كنت أفكر في أن ما يحدث أمر "غير عادل للغاية"، لقد بذلت قصارى جهدي لفهم ثقافة ودين هذه المنطقة والتعاطف معها، والمكافأة هي ست رصاصات في البطن؟".

وعلى الرغم من حالته الصعبة نجا غاردنر، لكن إصاباته غيرت حياته، فقد أصيب بالشلل من الركبتين إلى أسفل. ومع أنه يمكنه الآن الوقوف بدعم من إطار للحركة مُدعّم بمساند، إلا أن "التمسك بالكرسي المتحرك أكثر عملية".

فرانك غاردنر

صدر الصورة، Frank Gardner

التعليق على الصورة، فرانك غاردنر يعتبر "التمسك بالكرسي المتحرك أكثر عملية"

ويقول غاردنر: "لقد تمزقت أحشائي"، وقد أقتطعت أجزاء كبيرة من "أمعائه"، وترك مع استخدام التفريغ المعروف بـ "كيس فغر القولون".

ولم يشعر بالمرارة من الظلم الذي شعر به في البداية، لكن هذا الفيلم الوثائقي منحه فرصة للتدقيق في الوقائع مرة أخرى، وقد أعاد النظر في تلك اللحظات الكبيرة، مثل الهجوم نفسه، عدة مرات. لكن تفاصيل الذكريات الأصغر هي التي حركت مشاعره بشكل واضح مثل العودة إلى وحدة العناية المركزة في لندن حيث تم نقله لتلقي العلاج.

ويقول غاردنر: "لقد كانت العودة تجربة قاتمة للغاية، فسماع ذلك الصوت المحبط لآلات المراقبة في العناية المركزة، أعاد لي كل ما جرى".

ويضيف قائلا:"لقد أخطأت كثيرا في حق نفسي في شعور الإحباط الذي انتابني جراء أن أكون مسجونا في ذلك السرير، كان بوسعي سماع أطفال يلعبون في الممر، ولم يكونوا أطفالي، وفكرة أنني لن أركض مرة أخرى إلى البحر مع أطفالي أو أتسلق شجرة معهم، والواقع هو أنه عندما تخرج من المستشفى تجد طرقا أخرى للقيام بذلك، ولكن في ذلك الوقت كان الأمر محبطا للغاية".

ولقد قدم الفيلم الوثائقي لغاردنر فرصة للتفكير في تلك اللحظات وإظهار التأثير الطويل الأمد، والذي غالبا ما يتم إغفاله، الذي يمكن أن تسببه مثل تلك الصدمة.

التعليق على الفيديو، هيكل روبوتي متطور يسمح لرجل مشلول بالسير على الثلج للمرة الأولى

وجلّ ما يطمح إليه غاردنر، هو علاج آلام الأعصاب في ساقيه والتي لم تتوقف منذ الهجوم، و تكون لديه أحيانا "أيام صعبة" حيث يشعر وكأن شخصا ما "يأخذ مطرقة ضخمة ويضرب جانب ركبتي، ويستمر الأمر من 5 إلى 10 ثوان، لكنه شعور مؤلم جدا لدرجة أنني بالكاد أستطيع التحدث".

وقد بُث الفيلم الوثائقي في وقت تحتفل فيه بريطانيا بمرور 25 عاما على قانون التمييز ضد ذوي الإعاقة، وهو قانون تاريخي يحظر التمييز ضدهم.

يقدم الفيلم صورة قاسية عن حياة غاردنر، حيث يظهر معاناته وهو يغيّر قسطرته أسفل منطقة السرة، وهي أنبوب يصرف البول من المثانة عبر فتحة في البطن، وهو إجراء معقد يجب أن يتحمله كل 8 أسابيع. وفي الآونة الأخيرة أصبح عالقا، فاضطر للذهاب إلى قسم الطوارئ في مستشفى.

ويقول: "كان عليهم إعطائي المورفين بينما يقف الطبيب أمام الطاولة لسحب ذلك الشيء، أريد أن يرى الناس أنه على الرغم من كل ذلك ما زلت قادرا على أن أعيش حياة طبيعية".

وقد عاد غاردنر إلى العمل بعد 10 أشهر من الهجوم، وكانت أول رحلة خارجية له بعد شهر من العودة. وفي حين أنه يتحدث عن حق بشأن التمييز الذي يواجهه في قضايا: مثل الكراسي المتحركة التي يضيعها الموظفون في المطارات، إلا أنه غير معروف بأنه عاطفي تجاه هذه الأمور، فهل تعامل مع تلك الصدمة نفسيا؟

يقول غاردنر:"لست راضيا عن ذلك على الإطلاق، لأنني أعلم أن اضطراب ما بعد الصدمة يمكن أن يتأخر ويتأخر لسنوات، ولم أستعد بأي شيء".

لقد عمل مع الطبيب النفسي الشهير البروفيسور نيل غرينبيرغ لاستكشاف الأثر العاطفي للصدمة.

يقول غاردنر: "ذرفت فيضانات من الدموع عندما تركت كل شيء ورائي، ونصيحتي لأي شخص تعرض لحادث مؤلم هي.. قم بتدوينه في الكمبيوتر المحمول الخاص بك وحمايته بكلمة مرور، قد لا تستخدمه أبدا، ولكن اجعله متاحا كله هناك، فذلك يسهل الأمور".

كان الحديث أيضا مفتاحا أساسيا لغاردنر لفهم إعاقته وتقبلها والتعايش معها.

فقد أخبره البروفيسور غرينبيرغ: "لا تهدر أي طاقة عاطفية على الأشياء التي اعتدت أن تكون قادرا على القيام بها، فكر في كل الأشياء التي يمكنك القيام بها".

فتح ذلك ذهن غاردنر الذي تعلم مجددا كيفية التزلج والغوص، ولا يزال يتعين عليه التعامل مع العديد من الإحباطات لكنه يحاول التصالح معها.

فرانك غاردنر

صدر الصورة، Frank Gardener

التعليق على الصورة، تعلم غاردنر مجددا كيفية التزلج والغوص

ويقول: "لقد أثرت إعاقتي بشكل كبير على قدرتي على العمل في التغطية الحية في أماكن مثيرة للاهتمام"، وذلك في الغالب، لأن تلك الأماكن قد تكون لا يمكن التكهن بها.

لكنه يستمر في منح معظم الأشياء فرصة، حتى لو بدت جَسِيمة للآخرين.

ففي لحظة مثيرة في الفيلم الوثائقي يحاول غاردنر الهبوط في واد شديد الانحدار في كولومبيا على ظهر الخيل.

ويخلص في النهاية إلى أنه غير مستقر تماما، ويكشف أن السقوط قد يكسر ساقيه حيث العظام ضعيفة، لكنه يرى أن هذه التجربة والخطأ مجرد جزء آخر من كونك ذا إعاقة.

وقال غاردنر: "لا تدع هذه الأشياء تشكل عائقا، ولا تدعها تصيبك بالإحراج، فلا ينبغي أن تمنعك تلك الأشياء من فعل ما تريد القيام به".

ولم تؤد العودة إلى لحظة الصدمة بعد 16 عاما إلى تغيير عقلية غاردنر بشأن الإعاقة، لكنها أعطته فرصة لنقل معرفته وخبرته إلى الآخرين.

يحاول غاردنر الهبوط في واد شديد الانحدار في كولومبيا على ظهر الخيل

صدر الصورة، Frank Gardener

التعليق على الصورة، يحاول غاردنر الهبوط في واد شديد الانحدار في كولومبيا على ظهر الخيل

وقال:"هناك الكثير لأعيش من أجله، أحب التصوير الفوتوغرافي للطبيعة، وبناتي فتيات رائعات، وأنا محظوظ جدا لأن لدي صديقة جميلة".

وأضاف قائلا:"كان الأمر يتعلق بتشجيع الآخرين، لتمكينهم من فعل ما يريدون القيام به".