هل تنجح قوارب شراعية ذاتية القيادة في عبور الأطلسي؟

القارب "أسباير" ذاتي القيادة

صدر الصورة، Aland Sailng Robots

    • Author, ناثان هيرست
    • Role, صحفي

يمثل الإبحار عبر المحيط الأطلسي على متن قارب شراعي أحد التحديات الصعبة التي يواجهها البحارة، فماذا عن التحكم فيها عبر أجهزة الكمبيوتر؟ موقع "بي بي سي فيوتشر" يحضر سباقا للقوارب الشراعية ذاتية القيادة، وغير المأهولة.

لم ينجح أي قارب ذاتي القيادة قط في عبور المحيط الأطلسي. فقد خاضت فرق قليلة سباق "مايكروترانسات" للقوارب ذاتية القيادة غير المأهولة عبر المحيط الأطلسي منذ تدشينه في عام 2010.

لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، وذلك لأسباب عديدة، فإما أن القارب "وقع في شباك الصيادين"، أو "التقطته قوارب الصيد"، أو كثيرا ما يضيع القارب وسط البحار الشاسعة والمضطربة في مكان غامض.

وفي صيف 2017، قطع قارب "سيلبيوي" ذاتي القيادة الذي صنعته شركة "أوفشور سينسينغ" أطول مسافة ممكنه عبر الأطلسي، وهي 1.500 كيلومتر، أي أكثر من نصف المسافة المحددة لإنهاء السباق، وبعدها أخذ يدور في حلقات.

ومن المفترض نظريا أن يكون الفريق الفائز في سباق "مايكروترانسات" هو الأسرع في اجتياز المحيط، ولكن عمليا، الفائز هو من يستطيع اجتيازه.

وقد وضع منظمو السباق قواعد منها ألا يتعدى طول القارب 2.4 متر، بالإضافة إلى معايير لقياس قدرة القارب على تفادي الاصطدام والعوائق.

وتطلق الفرق قواربها في أي وقت بين يوليو/ تموز، وديسمبر/ كانون الأول، في أي اتجاه كان، إما من جزيرة نيوفاوندلاند الكندية إلى أيرلندا أو العكس.

ويتنافس في هذا السباق فرق من طلبة الجامعات، وشركات لتصنيع القوارب ذاتية القيادة، مثل "أوفشور سنسنغ"، التي تصنع سفنا ذاتية القيادة تدار بالأشرعة، للأغراض البحثية، وحتى الأكاديمية البحرية الأمريكية. والهدف الرئيسي هو فقط الوصول لنقطة النهاية.

يقول ديفيد بيدي، الرئيس التنفيذي لشركة "أوفشور سنسنغ": "إن بيئة المحيط محفوفة بالمصاعب، فعليك أن تتعامل مع كل ما تلقيه أمواجه في طريقك".

إلا أن حظوظ قارب "سيلبيوي" ذاتية التحكم أعلى من غيرها، لأن شركة "سنسنغ" التي تصنعه تبيع قوارب مشابهة للأغراض البحثية في مجال علم المحيطات والأرصاد الجوية.

القارب "أسباير" ذاتي القيادة

صدر الصورة، Aland Sailng Robots

التعليق على الصورة، تخوض القوارب ذاتية القيادة نفس المسابقات التي تقام لاختبار قدرات البحارة على توجيه القوارب

وقد صمد القارب ذاتي القيادة الذي شاركت به الشركة سابقا في سباق "مايكروترانسات" في بحر الشمال الأكثر تقلبا لشهور عدة دون أن يواجه أية مشكلات.

ويبدو القارب من أعلى كلوح ركوب الأمواج، مزودا بألواح الطاقة الشمسية في المنتصف، ويعلوه شراع قصير يأخذ شكل شبه منحرف في الجزء الأمامي.

وتكاد المياه تغطي بدن القارب، باستثناء الشراع، ويشق القارب أمواج البحر بمقدمته المخروطية. وربما تتقاذفه أمواج البحر الهائج، وتغمره المياه أحيانا، من دون أن تلحق به أضرارا، والعجيب أنه لا يخرج عن مساره.

ويستقطب هذا التحدي آخرين، يسهمون بأفكار جديدة لخوض التنافس. وفي جامعة ألاند للعلوم التطبيقية، يعكف فريق صغير من المهندسين على بناء قوارب شراعية ذاتية التحكم ويشاركون في منافسات من هذا النوع منذ عام 2013.

وفي العام الحالي، اشترى الفريق من شركة سويدية لصناعة الطائرات شراعا صلبا يشبه جناح الطائرة طوله 2.8 متر، مصمم للتفاعل بانسيابية مع تيارات الهواء، ويستخدم هذا النوع عادة في القوارب الشراعية المشاركة في كأس العالم للإبحار الشراعي، ووضع الفريق هذا الشراع على قاربهم البالغ طوله 2.4 متر.

وأطلق الفريق على القارب اسم "أسباير"، ويتميز هذا القارب عن قارب "سيلبيوي" بأنه أعمق، وأقل عرضا، ومزود بشراع صلب طويل ومستطيل الشكل، ومحاط بلوحين أصغر حجما مصممين للاستفادة من تيارات الهواء.

وقد صُمم القاربان خصيصا لاستخدامهما في الأبحاث، وليس المشاركة في السباقات، إذ يحمل كل منهما أجهزة استشعار لقياس الرقم الهيدروجيني للمياه، ودرجة الحرارة والقدرة على توصيل الحرارة والكهرباء ودرجة الملوحة.

وقد شارك مشروع القوارب ذاتية التحكم الذي دشنته جامعة آلاند للعلوم التطبيقية في البطولة العالمية للقوارب ذاتية القيادة التي أقيمت في سبتمبر/ أيلول بمدينة هورتن، بالنرويج، مستعينا بشراع صلب جديد لم تثبت كفاءته ونظام لم يخضع للتجربة بعد، ورغم ذلك فاز بالمركز الأول.

ويشارك في بطولة العالم للقوارب الشراعية ذاتية القيادة، التي تقام ضمن فعاليات "مايكروترانسات"، فرق من الجامعات والشركات في المجالات ذات الصلة، وتستمر على مدار أربعة أيام.

أحد القوارب ذاتية القيادة

صدر الصورة، Aland Sailng Robots

التعليق على الصورة، بعض القوارب ذاتية القيادة ستحاول مستقبلا اجتياز المحيط الأطلسي دون توجيه من البشر

ويخوض فيها المتنافسون مسابقات مختلفة، منها سباق للقوارب الشراعية ذاتية القيادة، ومسابقة لتقييم القدرة على مسح المنطقة، وتفادي العقبات، والثبات في المركز، حيث يثبت القارب في مركزه لخمس دقائق.

وقد تمكن قارب "أسباير" من تصدر بطولة العالم للقوارب الشراعية ذاتية القيادة من اليوم الأول.

تقول أنّا فريب، مديرة مشروع قوارب ألاند ذاتية القيادة: "كان هذا رائعا، كنت أظن أننا لن نتمكن من خوض المنافسة، ولكننا نجحنا في النهاية وفي الوقت المناسب".

ووضع فريق جامعة ألاند في قعر قارب "أسباير" أثقالا من الرصاص للحفاظ على توازنه، وقد استخدمت هذه الأثقال في مسابقات القوارب الشراعية للمعاقين.

كما ركّب الفريق على قعر القارب والشراع الصلب أجهزة استشعار للأغراض البحثية، وجهزوا القارب بمعدات خاصة لرفع وإنزال أجهزة الاستشعار إلى المياه.

وشاركت في بطولة العالم للقوارب الشراعية ذاتية القيادة قوارب مختلفة الأشكال والأحجام، من قارب "أسباير" فائق التطور، إلى القوارب التقليدية الصغيرة ذات صار واحد، وشراعين، والتي تبدو كالقوارب التي يتحكم بها الأطفال عن بعد.

ويشترط في هذه البطولة، شأن غيرها من المسابقات، أن يكون الكمبيوتر الموجود على متن القارب مبرمجا قبل المسابقة للتعرف على أوضاع الرياح، والاستدلال على موقع القارب، وتحريك الشراع والدفة للتغلب على الرياح.

وقد فاز فريق جامعة ألاند أيضا في هذا الجانب، بينما حل فريق جامعة ساوث إيست نورواي في المركز الثاني، وجاء فريق الأكاديمية البحرية الأمريكية في المركز الثالث.

وفي المنافسة التي أقيمت بين القوارب لمسح أكبر مساحة ممكنة في غضون 30 دقيقة، استخدم أغلب القوارب طرق التوجيه التقليدية بحسب اتجاه الريح، من خلال إنزال الأشرعة أو طيها لتغيير زاوية ميل القارب.

لكن شراع قارب "أسباير" في المقابل، كان يدور حول الصاري في المنتصف، وتقول فريب إن الدوران ساهم في تسهيل التحكم في القارب. وعند مراقبة المسارات من أعلى، كان مسار "أسباير" مستقيما ومنسقا، بينما بدت مسارات القوارب الأخرى متعرجة ومتداخلة، ولهذا تمكن قارب فريق ألاند من مسح المنطقة بأكملها.

المياه الساكنة في أحد الخلجان النرويجية

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، مياه الخلجان النرويجية الساكنة تختلف كل الاختلاف عن البحار المفتوحة الهائجة

وقد صممت قوارب ألاند ذاتية القيادة لخوض منافسة "مايكروترانسات"، لكن الموارد المالية وقفت حائلا دون اجتيازها الأطلسي، وكان مصدر التمويل الرئيسي للمشروع هو صندوق التنمية الإقليمية الأوروبي، الذي يوجه الأموال لمنصة الأبحاث البحرية.

ويرى كولين سوز، منظم سباق "مايكروترانسات"، أن الهدف الرئيسي من هذه المنافسات هو المساهمة في تطوير منصات مراقبة المحيطات، وتوفير فرصة للتعلم من خلال خوض المنافسة.

وتتصدر الأبحاث البحرية اهتمامات جامعة ألاند وشركة "أوفشور سنسنغ"، ويقول بيدي إن القوارب ذاتية التحكم تمتاز عن غيرها من الوسائل المستخدمة في جمع البيانات عن المحيطات. فإن عوامات المحيطات والسفن التي يقودها البشر، على سبيل المثال، تكون إما أكثر بطئا أو أعلى تكلفة من القوارب ذاتية القيادة.

وقد تصل تكلفة سفن الأبحاث التقليدية إلى 20 ألف دولار أمريكي يوميا، في حين أنك تستطيع بهذا المبلغ، على حد قول بيدي، أن تشتري قاربا شراعيا ذاتي القيادة وتشغله لشهور عديدة.

وفوق ذلك، بإمكان القوارب الصغيرة، مثل قارب "سيلبيوي"، الذي لا يتجاوز طوله المترين ووزنه 60 كيلوغراما، أن يصل إلى أماكن لا تصل إليها القوارب التي يقودها البشر، مثل مسار الإعصار أو في محيط الجبال الجليدية أو المناطق البركانية.

ويستخدم فريق الأكاديمية البحرية الأمريكية هذه السباقات كوسيلة تعليمية لأفراده، وقد وقع قاربه "ترولر بيت" أكثر من مرة في شباك الصيادين.

وقد تستغل النتائج التي توصلت إليها الفرق المشاركة في هذه المسابقات، في مجالات كثيرة تتعدى السفن الشراعية.

ويشهد مجال الإبحار بالقوارب ذاتية القيادة تطورا كبيرا، إذ تطبق مسابقة مايكروترانسات الأن على المنافسين في مسابقة تفادي العوائق نفس المعايير المعمول بها في المنظمة البحرية الدولية، كما يستخدم فريق ألاند نفس نظام التعريف الآلي الذي تستخدمة السفن التجارية لإرسال معلومات عن المسار والسرعة واستقبالها من السفن الأخرى.

يقول بيدي: "كنت أتابع مسابقات مايكروترانسات لسنوات عديدة، وأرى أن هدفها مثير للاهتمام، كما أن له أهمية تاريخية أيضا، فقد حظي الطيار الأمريكي تشارلز ليدنبيرغ بشهرة عريضة حين قطع نفس المسافة من أمريكا إلى أوروبا في أول رحلة جوية عابرة للأطلسي".

لكن بيدي يعتزم المشاركة في المسابقة العام القادم بعد إصلاح قاربه "سيلبيوي" الذي التقطته سفينة صيد واستولت عليه.

ويقول: "نريد فقط أن يصبح قاربنا أول قارب ذاتي التحكم يجتاز هذا الجزء من الأطلسي. وأتوقع في العام المقبل أن يقطع القارب مسافة 3.000 ميل كاملة ليصل إلى نقطة النهاية".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .