كيف تحول نجم فرقة "البيتلز" جون لينون إلى أسطورة؟

جون لينون

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, ديفيد بارنيت
    • Role, بي بي سي

مر 40 عاما على مقتل جون لينون بطلق ناري على درج مبنى داكوتا في نيويورك. ومنذ أن غيبه الموت، حقق لينون، كحال المغنيين الذي ماتوا في سن صغيرة وفي أوج شهرتهم، مكانة أسطورية.

لكن بخلاف لقب "أسطورة"، الذي ربما فقد بعض هيبته من كثرة استخدامه، فإن لينون رُفع إلى مكانة تعادل مكانة الأبطال الخارقين في القصص الشعبية.

وأصبح جون لينون رمزا خالدا تحيط به هالة من القدسية، وقد يعزى ذلك إلى استخدام صورة لينون العامة في الكثير من القصص والمسرحيات، فقد صُور تارة كعاطل عن العمل، وتارة كزعيم لحزب العمال أو كصياد حكيم، وتارة كمدمن عقاقير الهلوسة.

ومنذ وفاة لينون، أضيفت إلى حياته صبغة المثالية وأعيد كتابتها مرات عديدة إلى حد أصبح معه التمييز بين الواقع والأسطورة مستحيلا.

ويقول روب شيفيلد، الكاتب بمجلة رولنغ ستون ومؤلف كتاب "حلم البيتلز" عام 2017: "لم تكد تمر سويعات على وفاته حتى أضفيت عليه صبغة النقاء والطهر، وكأنه خال من العيوب، لكن هذه الصورة أغفلت حسه الفكاهي وظلمت أصدقاءه من فرقة البيتلز، إلى حد أن بول مكارتني، رفيقه في الفرقة، قال في الثمانينيات: 'منذ وفاته أصبح مارتن لوثر لينون'".

وتحول مبنى داكوتا في الأيام اللاحقة لمقتله إلى وجهة لعشاقه، وانهالت عليه الزهور وعبارات الحزن والألم. وتوافد المئات على نصبه التذكاري على مشارف واشنطن العاصمة. ولم تذع المحطات الإذاعية سوى أغاني لينون والبيتلز لأيام، ونفدت اسطوانات ألبوم لينون "الخيال المضاعف" من المتاجر.

وبعد أيام من مقتله، ظهرت جدارية في شارع جانبي في براغ، أضيفت إليها تفاصيل على مدى سنوات لتصبح بمثابة ضريح. ورغم جهود إزالتها أو طمسها، أصبحت هذه الجدارية مقصدا سياحيا رئيسيا ومعلما بارزا في الرحلات السياحية للعاصمة التشيكية.

جدارية جون لينون في براغ

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، جدارية جون لينون في براغ أصبحت من أبرز الوجهات السياحية في العاصمة التشيكية

ويقول شيفيلد: "لم يكن غريبا أن يجعل الناس منه قديسا في غمرة الحزن على وفاته، لكن كان هذا آخر ما يريده لينون. فقد كان لينون ساخرا وناقدا لاذعا ويتمتع بسرعة بديهة لا تضاهى في عالم الموسيقى".

بل إن لينون لم يكن يمت للقداسة بصلة. فمنذ خمس سنوات، كُشف النقاب عن مستند قانوني حول شهادة مديرة منزله، دوروثي جارلت، لمحامي سينيثيا زوجته الأولى، ذكرت فيها أنه كان متعدد العلاقات وكان يعامل ابنه جوليان بقسوة وعنف.

وفي حوار مع مجلة "بلاي بوي" نشر قبل وفاته بيومين، قال لينون: "كنت قاسيا مع زوجتي، وكنت أعنف أي امرأة جسديا. كنت أضربهن. لأني كنت أعجز عن التعبير عما بداخلي فكنت ألجأ إلى الضرب".

ويقول شيفيلد: "لا أتخيل أن يقود جون قاربا بنفسه أو أن يستيقظ في الرابعة صباحا للصيد. لقد كان لا يتوقف عن الشكوى لأنه يضطر للاستيقاظ في الثامنة لحضور جلسات أغنية "عُد"، التي كان كل ما يفعله فيها هو حمل الغيتار". وأضاف أنه لم يكن يستطيع الطهي أو القيادة أو تصليح أي شي في المنزل.

لينون وزوجته الأولى سينثيا

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، اعترف لينون بأنه كان يضرب النساء، منهم زوجته الأولى سينثيا، في حوار نشر قبل وفاته بيومين

صورة لينون في الروايات

وفي عام 2013، رسم إيان ماكليود في روايته القصيرة "سنودغراس"، صورة للينون في الخمسين من عمره، بدا عاطلا عن العمل، ضائعا، رث الهيئة.

ومحور الرواية أن لينون ينفصل عن فرقة البيتلز في عام 1962 لأنه أراد أن يطلق أغنية "لاف مي دو" (اعشقيني) بمفرده كما حدث في الواقع، لكن بعد الانفصال سلك كل منهم مسلكا مختلفا عن الواقع. ولم تحقق في الرواية فرقة "البيتلز" الشهرة التي حققتها في الواقع بسبب دوره المحوري في الفرقة.

وتحولت رواية "سنودغراس" إلى فيلم تلفزيوني. ويقول ديفيد كوانتيك، الصحفي السابق وكاتب سيناريو الفيلم: "من وجهة نظر كاتب السيناريو، تعد هذه الرواية مثيرة لأنها تحررك من جميع الصور النمطية التي ارتبطت بجون لينون، فتستطيع أن تغير الشخصية بحرية".

ويقول كوانتيك: "بُذلت محاولات عديدة لتحسين صورة البيتلز، ولا سيما لينون، الذي اشتهر بأنه الشاب الفكاهي الشقي الذي يعشق السلام، مع أنه ليس كذلك على الإطلاق. لقد عانى لينون من طفولة قاسية وعاش حياة ملتبسة، وكان يتعاطى المخدرات والخمور بحرية، وكان أبا وزوجا بشعا في الزيجة الأولى".

لكن كوانتيك يرى أن هذه التناقضات هي التي تجعل حياة لينون مثيرة للاهتمام. فقد كان عنيفا لكنه يحب السلام. وكان ثريا، لكنه كان يذكرنا بأن نتخيل أننا لا نملك شيئا. وكنا نراه دائما بطل الطبقة العاملة مع أنه نشأ في منزل جميل ومنطقة راقية.

وقام بدور لينون في "سنودغراس" الممثل إيان هارت، بعد أن أدى دوره في فيلم "باكبيت" في عام 1994، الذي يتناول الأيام الأولى للفرقة مسلطا الضوء على علاقة لينون بستيوارت سوتكليف، الذي رحل عن الفرقة ليطارد شغفه بالرسم وتوفي عام 1962 عن عمر يناهز 21 عاما بنزيف في المخ.

يسلط فيلم "باكبيت" عام 1994 الضوء على علاقة جون لينون (الذي يقوم بدوره إيان هارت يسارا) وعضو فرقة البيتلز الخامس ستيوارت سوتكليف

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، يسلط فيلم "باكبيت" عام 1994 الضوء على علاقة جون لينون (الذي يقوم بدوره إيان هارت يسارا) وعضو فرقة البيتلز الخامس ستيوارت سوتكليف

وجسد هارت شخصية لينون في فيلم "الساعات والأيام" عام 1991، الذي تخيل تفاصيل الرحلة التي قضاها لينون بصحبة مدير البيتلز بريان إيبستاين في برشلونة في إحدى عطلات نهاية الأسبوع عام 1963، وعرض الفيلم هذه العلاقة في صورة قصة حب متبادل وإن كان محظورا بين الاثنين.

فهل كان لهذه القصة أساس من الصحة؟ في عام 2015، ذكرت الفنانة اليابانية يوكو أونو، التي تزوجت لينون، في أحد الحوارات أن لينون كان يرى أن ازدواجية الميول الجنسية أمر معتاد. وصرح لينون أن علاقته بإيبستاين "تكاد تكون علاقة غرامية لكنها لم تكتمل".

أما رواية "بيتل بون" لكيفين باري، عام 2015 فتتناول رحلة لينون إلى الساحل الغربي لأيرلندا في عام 1978، ويتخيل باري أن لينون كان يحضر جلسات علاج بالصراخ لاستعادة السلام النفسي. وتدور أحداث الرواية قبل عامين من وفاته. ويقول شيفيلد إن الرواية مقنعة عاطفيا لأن لينون كان لديه الكثير من الصعوبات والمشاكل في هذا الوقت التي كان يحتاج لتجاوزها.

ويقول شيفيلد: "إن حواراته الأخيرة تدل على أنه عانى بشدة في مرحلة الشباب للتخلص من كراهيته للنساء، ولكي يصبح رجلا بمعنى الكلمة لا يستمد رجولته من بغض النساء. ولم يكن يحاول تبرير سلوكياته السابقة، لكنه كان يحاول فهمها حتى يتخلص منها، وكان يتحدث عنها صراحة على الملأ حتى يفهمها الصبيان ولا يرتكبوا نفس الأخطاء".

لكن أبرز القصص التي تناولت حياة لينون كان فيلم "صبي لا ينتمي إلى مكان"، الذي يتناول حياته في مرحلة الشباب وعلاقته بأمه وخالته. لكن الفيلم أضفى عليه شيئا من النقاء لأنه يستعرض حياته قبل أن يتحول بعد الشهرة إلى هذه الشخصية المعقدة متعددة الأوجه.

لينون في الروايات الخيالية والقصص المصورة

إلتون جون

صدر الصورة، Alamy

التعليق على الصورة، كان إلتون جون واحدا من المغنيين الذين احتفوا بذكرى لينون عبر أغنية "حديقة خاوية" عام 1982

وفي روايات "أنو دراكولا"، التي تتناول عالما يتزوج فيه مصاص الدماء الملكة فيكتوريا وتتجول فيه الكائنات الخارقة في الشوارع مع البشر العاديين، صور الكاتب والناقد كيم نيومان جون لينون زعيما لحزب العمال.

ويظهر لينون في عالم مارفل للقصص المصورة عبر شخصية "جون السكرول" - من جنس السكرول الفضائي الذي لديه القدرة على التحول.

وبينما جسد لينون في رواية نيومان أغنيته "بطل الطبقة العاملة" التي غناها عام 1970، فإن بول كورنل، مبتكر شخصية جون سكرول، يقول إنه أراد شخصا لا يمكنه أن يشارك مع الأبطال الخارقين، لكنه دائما يبدي ملاحظات ساخرة لا طائل منها. ولهذا اختار جون لينون.

وصور الكاتب الأسكتلندي غرانت موريسون، لينون في سلسلة قصصه المصورة في التسعينيات، التي تحمل اسم "الأبطال الخفيون"، بطلا أسطوريا يكاد يضعه في مصاف الآلهة.

ويقول كوانتيك: "لقد طرح موريسون في قصصه المصورة فكرة مفادها أن لينون حقق سموا روحانيا، فقد بلغ هذه الدرجة التي تجعل الناس يستعينون به في طقوسهم السحرية".

وعن تأثير أسطورة لينون على سائر أعضاء الفريق، يقول شيفيلد إن الناس بعد وفاته كانوا يصبون غضبهم على بول مكارتني. ولم يثن أحد عليه لسنوات، لأنهم كانوا يريدون أن يجعلوا من لينون قديسا".

واحتفى الكثير من المطربين بذكرى وفاة لينون بأغان يعبرون فيها عن ألم فقدان صديق وموهبة فذة، كما في أغنية جورج هاريسون "منذ أعوام عديدة مضت"، وأغنية ماركتني "هنا اليوم والسنة اللاحقة"، وأغنية "رول أون جون" لبوب ديلان وأغنية "حديقة خاوية" لإلتون جون.

وسواء أكان قديسا أو رجلا عاديا متواضعا، فإن شخصية لينون في الثقافة العامة اتخذت صورا أبعد ما تكون عن حياته في الواقع.

ويقول ديفيد كوانتيك إن كل هذه الصور تتضاءل بجانب الصورة التي رسمها جون لينون لنفسه.

ويضيف: "لقد كتب لينون بنفسه في أغنية البيتلز "قصيدة جون ويوكو"، أسطورته الخاصة أو شهادته على حياته. لقد كان يعشق ذاته إلى حد الهوس، وكان يتفنن في صنع أسطورته الخاصة، ولهذا ليس من المستغرب أن يحذو الآخرون حذوه".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Culture