هل الهدف من بيع الملابس ذات المقاسات الكبيرة هو إرضاء المتسوقين فقط؟

هل الهدف من بيع الملابس ذات المقاسات الكبيرة هو إرضاء المتسوقين فقط؟

صدر الصورة، Omar Fairclough

لا شيء يمكن أن يجعل آيشا فيركلاف تشعر بأنها زبونة موضع تقدير، أكثر من أن تجد ثيابا تناسب مقاساتها في محال الملابس التي تعمل بنظام البيع بالتجزئة. وتقول في هذا الشأن: "يشعر المستهلكون بأن (احتياجاتهم) واضحة وظاهرة للعيان، عندما يكون باستطاعتهم دخول متجر ما، والعثور على المقاسات التي تناسبهم".

المشكلة أن فيركلاف، وهي من بين مؤسسي مجموعة "بَدي كونفيدينس كندا" التي تدعو لتوفير بيئة لا يُميز فيها بين الناس بناء على اعتبارات ذات صلة بشكل أجسامهم أو أوزانهم، لم تنعم بهذه التجربة الإيجابية سوى نادرا على مدى سنوات طويلة. فلم تكن الملابس ذات المقاسات المختلفة والمتنوعة متوفرة، سوى لدى عدد محدود من أصحاب محال بيعها بالتجزئة.

لذا كان على زبائن مثل هذه السيدة، من المُصنفيّن على أنهم ممن يرتدون ملابس ذات مقاسات واسعة، شراء احتياجاتهم من متاجر تتخصص في مثل هذه المقاسات، حتى وإن كانت النساء الكنديات مثلها، يرتدين في المتوسط ملابس من مقاس 14 بحسب نظام المقاسات العالمي (وهو ما يوازي مقاس 18 وفقا لنظام المقاسات البريطاني). وتندرج غالبية النسوة في الولايات المتحدة وبريطانيا ضمن الفئة نفسها، ويعانين الأمريْن لإيجاد مبتغاهن من الملابس، في ظل النزوع المستمر من جانب القائمين على صناعة الأزياء لإقصائهن من المشهد، لصالح الترويج لنموذج جسماني نحيف وغير قابل للتحقيق على أرض الواقع في غالبية الأحيان. ويحدث ذلك رغم تزايد عدد الزبائن الذين يرتدون ملابس ذات مقاسات أكبر، على مدار العقود القليلة الماضية.

لكن السنوات الخمس الأخيرة، شهدت زيادة في شعبية الحركات، التي تدعو لتقبل البدانة والتعامل بإيجابية مع الجسم مهما كان شكله، وذلك بقدر يكفي للتأثير في الثقافة السائدة في عالم الملابس والأزياء. ويقول توم بيرجيس المحلل المتخصص في هذا الشأن: "النجوم والمجموعات المعنية بأحدث صيحات الأزياء يحتفون ظاهريا بالعارضات اللواتي يرتدين ملابس واسعة. كما شجعت شركات تعمل في مجال التسويق على التعامل مع الجسم بإيجابية، مما زاد نمو السوق الذي يعتمد على المبيعات قصيرة المدى في هذا الصدد، وذلك في ضوء أن الرجال والنساء ممن يرتدون ملابس كبيرة المقاس، ينفقون أموالا أكبر على مظهرهم".

آيشا فيركلاف

صدر الصورة، Jessica Laforet

التعليق على الصورة، عادة ما كان زبائن مثل آيشا فيركلاف، يشترون ملابسهم من محال متخصصة في المقاسات الكبيرة، لكي يتسنى لهم العثور على احتياجاتهم في هذا الشأن

ونتيجة لذلك، أقدمت الشركات العاملة في مجال تصميم الأزياء في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، سواء كانت محلية أو متعددة الجنسيات، على توسيع نطاق مقاسات الملابس الجاهزة، التي تصممها وتنتجها. وتقول أليس رودريغز، الخبيرة الاستشارية البارزة في شركة ألفانون الدولية المتخصصة في تقديم الاستشارات في مجال الأزياء، إن سوق بيع الملابس ذات المقاسات الكبيرة، ينمو أكثر من نظيره الخاص بالمقاسات المعتادة، بواقع الضعف. وتفيد التقديرات التي أعدتها شركة "آي بي آي إس وورلد" الدولية لأبحاث السوق، بأن متاجر بيع الملابس النسائية ذات المقاسات الكبيرة في المملكة المتحدة، حققت نموا بنسبة 1.9 في المئة في الفترة ما بين عاميْ 2015 و2020، وذلك بحصة سوقية يبلغ حجمها 734 مليون جنيه إسترليني (963 مليون دولار أمريكي). في المقابل، شهد قطاع الملابس في المملكة المتحدة بوجه عام خلال الفترة نفسها، "نموا سلبيا" بلغ متوسطه 0.8 في المئة.

وحتى في خضم تفشي وباء كورونا، ومعاناة عالم الأزياء من التراجع جراء ذلك، ظلت التوقعات تشير إلى استمرار نمو قطاع الملابس ذات المقاسات الكبيرة. وتشهد الولايات المتحدة توجهات مماثلة، إذ بلغت القيمة السوقية لصناعة الملابس كبيرة المقاس هناك، ما يُقدر بـ 24 مليار دولار.

ومن بين شركات البيع بالتجزئة، التي باتت تقدم ملابس بمختلف المقاسات في الوقت الحالي، "إتش آند إم" و"نايكي" و"آسوس" وغيرها. وقد انضمت إلى هذه القائمة مؤخرا، شركة "لولوليمون أتليتكا"، التي أعلنت في سبتمبر/أيلول الماضي، أن المقاسات المتاحة من الملابس التي تبيعها، باتت تشمل مقاس 20 بنظام المقاسات الأمريكي (ما يوازي مقاس 24 في بريطانيا). وجاءت هذه الخطوة بعد سبع سنوات من استقالة مدير الشركة تشيب ويلسون، بعد تصريحات قال فيها إن "أجساد بعض النسوة لا تتلاءم في الواقع" مع الألبسة الداخلية الضيقة التي تبيعها "لولوليمون أتليتكا". وفي عام 2005، قال ويلسون أيضا إن بيع ملابس تزيد مقاساتها على مقاس 12 (16 في المملكة المتحدة) سيشكل "تبديدا للأموال" من جانب شركته.

لكن الكثير من الزبائن ممتلئي الجسم، الذين طالما شعروا بأنهم يعانون من التجاهل من جانب محال الملابس التي تركز على المقاسات المعتادة، يتشككون الآن في الدوافع التي حدت ببعض الشركات لتوفير ملابس ذات مقاسات أكبر، بدعوى أنها أصبحت أكثر احتفاء واهتماما "بمختلف المقاسات". فهؤلاء يشعرون بأن ثمة "أمرا ما" يقف وراء هذا التوجه، وذلك في وقت يقول فيه خبراء في التسويق، إن إضافة تلك المقاسات الكبيرة، قد يساعد العلامات التجارية العاملة في مجال الأزياء، على أن تظهر بشكل أكثر تقدمية وأقل نخبوية. ويشيرون كذلك إلى أن تقديم منتجات بمختلف المقاسات، سيساعد على زيادة أرباح تلك الشركات، بفعل الازدياد المطرد في نسبة الزبائن، الذين يرتدون مقاسات كبيرة.

"صفعة على الوجه"

رغم ذلك، فلا يشكل تنويع شركة ما لمقاسات الملابس التي تقدمها "وصفة مضمونة" للنجاح. إذ ستظل هناك إمكانية لأن تقع مثل هذه الشركة، في أخطاء على صعيد محاولاتها، للتعامل مع سوقها المستهدفة. فقد لاقت شركة "نيو لوك" البريطانية مثلا في عام 2018، انتقادات واسعة على الساحة الدولية واتهامات بفرض "ضريبة على الوزن الزائد"، وذلك بعد بيعها مجموعة منتقاة من الملابس ذات المقاسات الكبيرة بسعر يزيد بنسبة 15 في المئة عن نظيرتها من المقاسات المعتادة. وتُعقّب آيشا فيركلاف على ذلك قائلة إن "تحديد سعر أعلى للملابس ذات المقاسات الكبيرة، أمر كريه ومهين، لأن ذلك يعني إعطاء أولوية للزبائن الذين يطلبون المقاسات الصغيرة. أين الإنصاف في ذلك؟"

بجانب ذلك، هناك مخاوف من أن تجار التجزئة التقليديين الذين يوسعون نطاق تشكيلة ما يبيعونه من ملابس لتشمل مقاسات أكبر، لا يؤمنون حقا بأهمية توفير المقاسات المختلفة لزبائنهم، في ضوء أنهم يعرضون كمية محدودة من الملابس ذات المقاس الكبير، لا مجموعة متنوعة منها. وتقول فيركلاف: "تقديم مختلف المقاسات، يعني توفير أزياء تلاءم الجميع باختلاف طبيعة أجسادهم وأحجامها. بدلا من ذلك، يبدو الأمر كما لو كان المصممون (والتجار) يختارون توفير كمية ما بعينها، ظنا منهم أنها تكفي زبائن المقاسات الكبيرة، ويكتفون بذلك".

وتقول توماي سرداري، أستاذ التسويق في كلية ليونارد إن ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، إن الزبائن يعتبرون أن طرح محال البيع بالتجزئة لتشكيلة ملابس ذات مقاسات كبيرة، دون أن يتوافر فيها سوى المقاسات الأصغر في هذه الفئة، ليس إلا "صفعة على الوجه". إذ أن ذلك يعطي انطباعا مفاده، بأن هذه الشركات تحاول فقط اقتطاع حصة لنفسها في السوق، دون أن يكون لديها التزام حقيقي بخدمة تلك الشريحة من شرائح المجتمع. وتقول سرداري: "يعبر ذلك في الواقع عن إبداء قدر أكبر من عدم الاحترام حيال زبائن" المقاسات الكبيرة.

ماري ساوثارد أوسبينا

صدر الصورة، Marie Southard Ospina

التعليق على الصورة، تقول الصحفية ماري ساوثارد أوسبينا إن الشركات العاملة في قطاع الملابس، تضيف منتجات ذات مقاسات كبيرة إلى تشكيلتها، لكي تظهر وكأنها تتبنى الموقف الصائب في هذا الشأن

وتكافح شركة "لولوليمون أتليتكا"، التي رفض مسؤولوها التعقيب على ما يرد بشأنها في هذه السطور، لتبديد تخوفات زبائن الملابس ذات المقاسات الكبيرة، ممن يرون أن اكتفاءها بإضافة منتجات من مقاس 20 إلى تشكيلتها، لا يمثل أمرا كافيا أو مرضيا. ففي الولايات المتحدة، التي يوجد فيها الكثير من زبائن هذه الشركة الكندية، ترتدي النساء في الغالب ملابس تتراوح مقاساتها بين 16 و18، أي ما بين مقاسيْ 20 و22 بحسب نظام المقاسات في المملكة المتحدة، وهو ما يعني أن الكثير منهن يحتجن لمقاسات أكبر من 20، الذي توفره "لولوليمون" بالفعل. من بين هؤلاء الزبائن فيركلاف، التي تقول إن مقاس ملابسها يتراوح ما بين 18 و22، بحسب الشركة المُصنعّة للثياب. ولمواجهة هذه الانتقادات، قالت " لولوليمون" على منصات التواصل الاجتماعي، إن طرحها لمقاسات إضافية من الملابس، يشكل "خطوة أولى"، ما يوحي بأنها ستضيف مزيدا من المقاسات في المستقبل.

ومن جهتها، تقول الصحفية ماري ساوثارد أوسبينا، التي تعمل في المملكة المتحدة وتهتم بالموضوعات المتعلقة بالصورة الذهنية للجسد، إنها تشك في أن الشعبية التي تحظى بها الدعوات لضرورة النظر بإيجابية إلى الجسم، قد تحدو ببعض الشركات للسعي للاستفادة من هذا التوجه. وتوضح رؤيتها في هذا الصدد بالقول: "عندما أرى أن علامات تجارية ذات تاريخ يحفل إما بتجاهل البدينين أو بالمجاهرة بالتقليل من شأنهم، تحاول الدخول على خط هذا التوجه، عبر إضافة عدد محدود من المقاسات، فإن ذلك لا يبدو اهتماما منها بمن هم ممتلئ الجسم. ربما يكون التوصيف الأفضل هنا، هو محاولة إظهار تبني المواقف الصائبة أو النوايا الحسنة".

فلتتسق الأقوال مع الأفعال!

على أي حال، يتوجب على الشركات التي تقترف أخطاء من قبيل رفع أسعار الملابس ذات المقاسات الأكبر، أو الحديث بشكل سلبي عن النساء ممتلئات الجسم، أن تعمل على إصلاح ما لحق بصورتها من أضرار جراء ذلك. لكن على هذه الشركات ألا تفترض، حتى وهي تقطع خطوات واسعة على ذلك الدرب، أن المستهلكين سيصفحون عنها، حسبما تقول لودوفيكا سيزاريو، الأستاذ المساعد للتسويق في كلية إدارة الأعمال بجامعة ليهاي في الولايات المتحدة. وتضيف سيزاريو بالقول: "لا يعني إطلاق شركة ما، خط إنتاج للمقاسات الكبيرة، أن الزبائن سيُقبلون فجأة على شراء منتجاتها. فالمستهلكون يهتمون بالقيم حقا، ولذا يريدون الشراء من الشركات، التي تجسد القيم التي يؤمنون بها".

وتشير سيزاريو في هذا الشأن إلى قيام شركات كبرى مثل "فابليتيكس" و"نايكي" منذ سنوات، بعرض تشكيلة من الملابس ذات المقاسات الكبيرة. لكنها تبرز بشكل خاص، ما أقْدَمَت عليه "نايكي" في عام 2019، من وضع تماثيل لعرض الملابس (مانيكانات)، تمثل سيدات ممتلئات الجسم في متجرها الرئيسي في لندن، ما وجه رسالة مفادها، بأن هذه الشركة تبدي تقديرها للزبائن باختلاف أشكال أجسامهم.

وفي ذلك الوقت، واجهت "نايكي" التي تُعرف بإنتاجها للملابس الرياضية، انتقادات من جانب أشخاص، شككوا في أن يكون من يرتدون ملابس ذات مقاس كبيرة، من بين المنخرطين في أي أنشطة بدنية من الأصل. رغم ذلك، أعقب وضع تماثيل هؤلاء العارضات، تسجيل قفزة في عمليات البحث على شبكة الإنترنت عن الملابس ذات المقاسات الكبيرة التي تنتجها الشركة، ما يلفت الانتباه إلى حقيقة مفادها بأن ممارسة الرياضة لا تقتصر على من تتخذ أجسامهم أشكالا بعينها، وأن امتلاء الجسم، لا يعني افتقار صاحبه للنشاط.

وتقول أوسبينا إنها تفضل شراء منتجات من شركات بيع بالتجزئة تبذل جهودا للإنصات لزبائن الملابس ذات المقاسات الكبيرة، وتوظف أشخاصا من مُمتلئي الجسم أيضا، على أن تنفق أموالها على ملابس تقدمها مؤسسات منافسة تتجاهل هذه الشريحة من المجتمع، أو حتى تهينها.

وبوصف هذه الصحفية من بين زبائن المقاسات الكبيرة من الملابس، فهي تفضل اختيار الشراء من العلامات التجارية التي يكشف تاريخها عن أنها تبدي اهتمامها لأصحاب الأوزان الأكبر، "خاصة تلك التي تعمل منها بشكل مستقل، ويتولى فيها أشخاص ممتلئو الجسم مناصب قيادية"، أو تبذل - على الأقل - قصارى جهدها للتواصل مع من يندرجون في هذه الفئة، والاهتمام بهم، بقدر استطاعتها.

كيف يمكنك تحقيق النجاح؟

وترى سيزاريو أن الاكتفاء بإنتاج تشكيلة متنوعة المقاسات من الملابس، لا يكفي لتمكين الشركات العاملة بالتجزئة في هذا المجال، من استقطاب الزبائن الذين تتنوع أوزانهم وأشكال أجسامهم بدورهم. وتشير إلى أنه ينبغي على المؤسسات الراغبة في تحقيق هذا الهدف، التواصل بشكل شخصي مع العملاء الذين يريدون شراء ملابس كبيرة المقاسات، بما يوجه رسالة لهم مفادها بأن تجار التجزئة، يرونهم ويتفهمون احتياجاتهم ويقدرون أهميتهم كذلك.

وإذا عدنا إلى آيشا فيركلاف، فسنجدها تعرب عن تقديرها للشركات والمصممين الكنديين، الذين سعوا إلى تلبية احتياجات الزبائن المهتمين بمختلف المقاسات، في مرحلة مبكرة قبل أن يصبح هذا الأمر واجبا لمسايرة التوجهات السائدة حاليا. وتذكر من بين هؤلاء مصممين مثل جوزيف ريبكوف وأنيكا رييد وجيني بيكر، وكذلك شركة "توني بلَس".

ومع ذلك، فلا تزال هذه السيدة تتوخى الحذر في نظرتها إلى الشركات، التي أبدت اهتمامها مؤخرا بفكرة الاحتفاء بتنوع البشر من حيث أشكال أجسامهم وأوزانهم كذلك. وتقول في هذا السياق: "إذا كان هناك اهتمام من جانب الشركات وتجار التجزئة ومصممي الأزياء بالزبائن من ذوي الوزن الزائد بحق، فلم يكن الأمر سيستغرق ذلك الوقت الطويل، حتى يتم أخيرا الاعتراف بأن المستهلكين ممتلئي الجسم موجودون بالفعل".

وتضيف قائلة: "لطالما كان البدينون بحاجة إلى ملابس، ومن المخيب للآمال أن الشركات (العاملة في هذا المجال) لم تبدأ سوى مؤخرا للغاية في اعتبار أن المستهلكين من هذه الفئة ذوو قيمة، وذلك بهدف الحصول على دولاراتهم".

وتختتم فيركلاف حديثها بالقول: "إننا (كأشخاص ممتلئي الجسم) نحتاج للمجموعة ذاتها من الخيارات والإطلالات المتوافرة لمن يرتدون ثيابا بمقاسات معتادة.. فلسنا شيئا ثانويا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Worklife