هل يخشى الخليج انهيار إيران أكثر من بقائها؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, نسرين حاطوم
- Role, مراسلة بي بي سي نيوز عربي لشؤون الخليج
بعدما بلغت حدّة التوتر ذروتها بين واشنطن وطهران، قادت السعودية وقطر وسلطنة عُمان جهوداً مكثّفة لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعدول عن شنّ هجوم على إيران على خلفية حملة قمع الاحتجاجات هناك، خشية أن يؤدي إلى "ردود فعل خطيرة في المنطقة"، بحسب ما أفاد مسؤول سعودي رفيع المستوى إلى وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال المسؤول السعودي إن الدول الخليجية الثلاث قادت جهوداً دبلوماسية مكثفة في اللحظات الأخيرة لإقناع الرئيس ترامب بمنح إيران فرصة لإظهار حسن النية، مضيفا أن قنوات التواصل لا تزال جارية لتعزيز الثقة المتبادلة والروح الإيجابية القائمة حاليا.
فكيف تنظر الدول الخليجية إلى "جارتها غير المستقرة"؟ وما هي مخاوفها؟
الدبلوماسية الخليجية في سباق مع الزمن
يتصدّر احتمال توجيه الولايات المتّحدة الأمريكية لضربة عسكرية ضدّ إيران المشهد الاستراتيجي الحالي، ويشكّل هاجساً دائماً في أروقة الدبلوماسية الإقليمية، لاسيما لدول مجلس التعاون الخليجي.
هذا القلق ينبع من قرب إيران الجغرافي، حيث تشكّل جارة مباشرة للدول الخليجية، وقد تذبذبت علاقاتها مع هذه الدول تاريخياً بين تفاهم وتوتّر، ووصلت أحياناً إلى حدّ القطيعة.
ومع ذلك، شكّل استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية برعاية صينية عام 2023، نقطة مفصلية أعادت ضبط إيقاع هذه العلاقة على أسس جديدة، أبرزها احترام مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، ما أتاح بيئة دبلوماسية أكثر استقراراً نسبياً.
وفي هذا السياق، تُجري بعض العواصم الخليجية اتصالات مكّوكية مع الأطراف المعنية، لتفادي أي تصعيد كبير محتمل على إيران "قد" يشمل تغيير النظام فيها.
فدول الخليج تمتلك ثقلاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات ضخمة في الولايات المتّحدة، كما تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى العالمية الأخرى مثل الصين.
هذه الأدوات قد تمنحها قدرة غير مسبوقة على إدارة التناقضات، والضغط على الأطراف المختلفة لمنع التصعيد العسكري ضد إيران، والأهم من ذلك كلّه، ضمان أن تبقى منطقة الخليج بعيدة عن أي صراع مفتوح.

صدر الصورة، Getty Images
الكاتب والمحلل السياسي العُماني أحمد الشيزاوي رأى أن دول الخليج تمتلك أدوات دبلوماسية فاعلة، تستطيع من خلالها الضغط على الأطراف كافة، سواء عبر التواصل المباشر في أوقات التوتّر، أو من خلال الوساطة كما تفعل سلطنة عُمان مع إيران.
إلى جانب ذلك، اعتبر الشيزاوي في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي أن الثقل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي يشكّل ورقة ضغط على العالم، وقال: "إذا تم توظيف هذه الأدوات بشكل صحيح، فقد يكون لها أثر كبير في تخفيف الاحتقان بين واشنطن وطهران".
بدورها، اعتبرت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتورة ليلى نقولا أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك أدوات تأثير مهمّة، تتيح لها ثني الولايات المتّحدة الامريكية عن تدمير إيران أو إسقاط النظام، بدءاً من ثقلها الاقتصادي واستثماراتها الضخمة في الولايات المتّحدة الأمريكية، وعلاقاتها الجيّدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصولاً إلى القنوات الصينية التي تستطيع ممارسة دور الوساطة.
ولفتت نقولا في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي إلى دور الوسيط الذي تلعبه كلّ من قطر وعُمان، للحصول على ضمانات وضبط ما وصفتها بـ"الحماسة العسكرية" لواشنطن، معتبرة أن ذلك يُثبت أن العواصم الخليجية قادرة على إدارة التناقضات والصراعات باستخدام أدوات القوّة والدبلوماسية لتحقيق موقع مؤثّر كلاعب وساطة.
لماذا تسعى الدول الخليجية إلى منع التصعيد؟
على مدار العقدين الماضيين، عملت العواصم الخليجية على بناء رؤاها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد على النفط، مركّزة على مجالات متنوّعة مثل الخدمات العقارية والسياحية والتكنولوجية والطبية والاستثمارية، إضافة إلى دورها كوسيط في ملفّات دولية معقّدة، لتعزيز مكانتها في المحافل الدولية وعواصم القرار.
ومع ذلك، تبقى هذه الجهود مرهونة بالاستقرار الإقليمي، الذي قد يتأثّر بشكل كبير بأي ضربة عسكرية أمريكية محتملة على إيران.
من هنا، رأى الكاتب والمحلل السياسي العُماني أحمد الشيزاوي أن دول الخليج تواجه مأزقاً كبيراً أمام التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران، معتبراً أن تحركاتها الدبلوماسية تندرج في إطار محاولاتها للحفاظ على أمنها في منطقة قد تشهد انفجاراً يهدّد استقرارها الأمني والاقتصادي.
وأضاف الشيزاوي: "لذلك، وحمايةً لاستقرارها الأمني والاقتصادي، ومنعاً لأن تصبح أرضها ساحة لتصفية الحسابات بين قوى خارجية، تلجأ دول الخليج دائماً إلى الدبلوماسية، محاوِلةً إشراك الإدارة الأمريكية في المسار الدبلوماسي بدلاً من التدخّل العسكري، مع الحفاظ على التحالف معها، وفي الوقت نفسه التعامل مع جارة كبرى مثل إيران، ما يجعل صنع توازن بين التحالف مع واشنطن والتعامل مع طهران تحدياً دائماً".

صدر الصورة، Getty Images
أما فيما يخص القدرة العسكرية، فرأى الشيزاوي أن دول الخليج تمتلك أسلحة متطوّرة، لكنها لا ترتقي إلى مستوى التطوّر الأمريكي، وفي المقابل، لا تستطيع هذه الدول ردع إيران إذا استهدفت القواعد الأمريكية في بلدانها، ما يضعها، برأيه، بين نارين: فهي غير قادرة على الرد على إيران لأنها لا تريد تصعيد الموقف، كما أنها لا تستطيع منع الولايات المتّحدة الامريكية من استخدام قواعدها على أراضيها، ما يمثّل تحدياً مستمراً لدول مجلس التعاون الخليجي.
وفي السياق عينه، رأت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتورة ليلى نقولا أن أي اضطرابات أو صراعات داخل إيران، أو شعور النظام الإيراني بالتهديد، قد يدفعه إلى اتخاذ خيارات وصفتها بـ"الانتحارية"، مثل إغلاق مضيق هرمز، ما سيؤدي برأيها إلى قطع صادرات النفط وارتفاع الأسعار.
وتضيف نقولا: "لذلك، من مصلحة دول الخليج استمرار النظام الإيراني المعروف بضبطه لنفسه وعقليته البراغماتية، وتجنبه للخيارات الانتحارية اقتصادياً وعسكرياً، مع الحرص على عدم وصول المتطرّفين إلى السلطة، لما قد يترتّب على ذلك من توتّرات وحروب طويلة الأمد في المنطقة"، كما قالت.
هل يناسب تغيير النظام في إيران الأجندة الخليجية؟
يُقابَل احتمال سقوط النظام الإيراني الحالي بقدر كبير من الريبة والقلق، في ظلّ مخاوف من نشوء ميليشيات متصارعة أو بروز دعوات انفصالية داخل إيران، وهو ما قد يؤدي، بحسب من تحدّثت إليهم بي بي سي نيوز عربي، إلى مخاوف من انفلات أمني قد يمتد إلى دول الخليج، فضلاً عن قلق من أن يفضي وصول نظام مدعوم أمريكياً وإسرائيلياً إلى منح إسرائيل نفوذاً واسعاً داخل إيران.
في هذا السياق، يرى الدكتور هشام الغنّام، الباحث السعودي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن النظام الإيراني الحالي، رغم "مشكلاته وعدوانيته"، كان نظاماً يمكن فهم حساباته وتوقّع ردود أفعاله.
ويُفضّل الخليجيون، برأيه، الإصلاح التدريجي للنظام بدلاً من انهياره المفاجئ، لأن "الشيطان الذي نعرفه" غالباً ما يكون أقلّ خطورة من نظام جديد قد يخلق فوضى محتملة.
وأعرب الغنّام في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي عن مخاوفه من أن أي تغيير للنظام الإيراني الحالي قد يمهّد لصعود متشدّدين جدد من تيارات بلا تاريخ، محذّراً من أن "انهيار إيران سيكون أخطر من انهيار نظام الرئيس السابق صدام حسين في العراق، نظراً للتعقيدات الإثنية والمذهبية في إيران وامتداد ميليشياتها في عواصم عربية عدة، ما قد يؤدي برأيه إلى كانتونات عرقية متحاربة، ونزوح ملايين اللاجئين، وضغوط دولية، وأزمات إنسانية فضلاً عن مخاطر أمنية متعدّدة".
وأشار الغنّام إلى أن الميليشيات الموالية لإيران في العراق ولبنان واليمن وغيرها، قد تتحوّل في حال سقوط السلطة المركزية إلى ما وصفها بـ"الجماعات الإرهابية" غير المركزية، ما قد يزيد التوتّر في المنطقة، بحسب اعتقاده.
واعتبر أن وجود نظام مركزي في طهران، أفضل من الانفلات التام؛ لأنه قادر على ضبط "الوكلاء" ولو جزئياً، بحسب تعبيره.
وأشار إلى أن احتمال ظهور نظام إيراني موالٍ للولايات المتّحدة الأمريكية، رغم ضآلة فرصه، قد يؤدّي إلى تشكيل محور جديد يتحالف مع إسرائيل ويقلّص دور الخليج في الحسابات الإقليمية، ويتيح بالتالي لإيران الجديدة المتحالفة مع إسرائيل استخدام نفوذها للضغط في مجالات الطاقة والأسلحة.
وخلص الغنّام إلى أن السيناريو الأسوأ برأيه، هو أن يكون التغيير في إيران غير سلمي، وأن يتطوّر إلى حرب أهلية طويلة تشارك فيها قوى متعدّدة، ما سيؤثّر مباشرة على دول الخليج القريبة جغرافياً، وفق تصوّره.
بدوره، رأى الكاتب والمحلل السياسي العُماني أحمد الشيزاوي أن سقوط النظام الإيراني ليس في مصلحة الخليج في هذه المرحلة، ذلك أن دول الخليج تخشى ولادة أنظمة أكثر تشدّداً في حال سقط النظام الحالي، إذ يمكن برأيه لأي فراغ سياسي أن يؤدّي إلى انفلات أمني وظهور أيدولوجيات قومية مناهضة للعرب.
وأعرب الشيزاوي عن مخاوفه من أن سقوط النظام الإيراني قد يؤدي إلى هجرات عشوائية إلى أراضي الخليج وتسرّب السلاح إليها، ما قد يثير القلق الإقليمي والاستقرار في المنطقة.
من جانبها، اعتبرت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتورة ليلى نقولا، أن تفكّك النظام الإيراني سيكون مقلقاً من منظور الأمن والاستقرار، إذ قد يؤدّي بحسب رؤيتها، إلى فوضى شبيهة بسيناريو العراق أو ليبيا، مع ميليشيات متناحرة أو دعوات انفصالية، وقد يمتد الصراع إلى دول الخليج الأخرى، وهو ما تسعى هذه الدول إلى تجنّبه.
الخليج بين الحليف والجار
في المحصّلة، سعي الدول الخليجية إلى منع التصعيد العسكري من جهة، والحفاظ على النظام الإيراني القائم "رغم تحفّظاتها الكثيرة عليه" من جهة ثانية، يندرج بشكل كبير في سياق "لعبة إدارة المخاطر" التي ميّزت دبلوماسية بعض العواصم الخليجية في السنوات الأخيرة بعيداً عن خطابات التحدّي والتشنّج والمغامرات غير المحسوبة.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
وبالتالي، فإن العواصم الخليجية ماضيةٌ في الإبقاء على تحالفها "الاستراتيجي والتاريخي" مع واشنطن، في الوقت الذي تدرك فيه بشكل كبير أهمية العلاقة مع الجار الإيراني "بشكله الحالي" لتفادي أي صدام مباشر يمكن أن يُغرق المنطقة في أزمة عميقة لا تُحصى تداعياتها.











