المخاوف المشروعة لجيل الشباب في أماكن العمل

صدر الصورة، Getty Images
- Author, كاري كوبر
- Role, أستاذ علم النفس بجامعة مانشستر
من السهل وصف الأجيال الشابة بأنها لا أمل لديها في النجاح، وبالتالي تهمل في أماكن العمل. الصحفي كاري كوبر يحلل الأسباب التي تجعل مخاوف الأجيال الشابة في أماكن العمل مبررة.
من السهل السخرية من جيل الشباب الذي يُعرف بجيل الألفية الجديدة، وبالرغم من أن وصف الشباب بأنهم لا أمل لديهم في النجاح لا يزال منتشرا، قد يثبت في نهاية الأمر أن من الغباء فعل ذلك في مجال الأعمال.
إن كنت تصدق نصف ما تقرأه على الإنترنت، فالأشخاص الذين ولدوا بين عامي 1980 و1999 أيدوا حق الحصول على ثمرات الأفوكادو الناضجة، بينما يرفضون بشكل قاطع تعلم الهجاء.
لكن بحلول عام 2020، ستصبح نصف القوة العاملة مكونة من هذا الجيل الجديد، ولذا يبدو أن أي صاحب عمل أو جهة توظيف ترغب في عزل أو تجاهل هذا العدد الكبير من العاملين لن تصمد طويلاً إلى ما بعد عام 2030، إذ لن يكون لديهم موظفون.
ويُظهر اختبار، يعرف باسم "اختبار جيل الشباب"، والذي وضعه المدير التنفيذي لهيئة تسويق أمريكية لتوجيهها إلى المرشحين لوظائف جديدة بالشركة، ويتكون من 30 سؤالا، أن بعض جهات التوظيف التقليدية لا تزال غير مستعدة للتنازل عن معاييرها القديمة لصالح معايير تناسب الموظفين الشبان، أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق.
وانتشر الاختبار على نطاق واسع حيث، يُعرف بعدم تساهله مع الموظفين "المتذمرين". ويخضع المتقدمون للوظائف للاختبار للوقوف على سلوكهم تجاه ما يمكن أن يتعرضوا له من مضايقة أو تنمر في مكان العمل، وكذلك رأيهم في عدد أيام الإجازات المرضية، وحتى اختيار القهوة.
لكن ذلك الاختبار يبدو كأنه يحتوي على قائمة من الشكاوى الشخصية أكثر من كونه اختبارا لكفاءة أو مدى مناسبة الموظفين.

صدر الصورة، Getty Images
وينطوي الاختبار ضمنياً على الافتراض بأن المنظمات والمؤسسات تُرغم على التعاطي مع كافة متطلبات واحتياجات الموظفين الجدد. ولا توجد أدلة كافية في الواقع تؤيد ذلك.
في الحقيقة، لاحظ ياس دبليو سي، المستشار في مجال الأعمال، في دراسة عن الأجيال الشابة في بيئة العمل أن هذا الجيل يحترم بصدق النصائح والتعليقات الصادقة، والفرص التي تقود إلى التقدم، والمرونة في العمل، واستعمال التكنولوجيا الجيدة لتعزيز الإنتاجية. وهي صفات من الصعب وجودها في شخص تقليدي يعتاد التهرب من العمل.
لهذا، ومن وجهة نظري، ينبغي على المؤسسات والشركات أن تعدل من سياساتها وقوانينها لتناسب الأجيال الشابة، وليس لتعذيبهم بها.
وبحسب الدراسة، فإن شركة أبل المعروفة بأنها أفضل الشركات التي تجذب الشبان الموهوبين لا تراعي ذلك. فالثقافة لديها ناضجة، لكنها لا تناسب كل التوقعات.
وتوصلت دراسة بي دبليو سي إلى أن أبل تجتذب وتحتفظ بالأجيال الشابة بصورة أفضل من غالبية الشركات، لأنها تمتلك نظرة إلى المستقبل و"مبتكرة في طبيعتها".
نعم، الشركات التي لا تتأقلم مع احتياجات وميول الأجيال الشابة ستفقد الخبرات والكفاءات بمرور الوقت. فالموظفون الشبان لا يشعرون بالالتزام والولاء تجاه شركة لا توفر لهم احتياجاتهم.
وقد أظهرت دراسة بي دبليو سي أن أكثر من نصف المشاركين فيها من الموظفين يتوقعون أن يعملوا مع أكثر من ست شركات ومؤسسات خلال كل حياتهم العملية.
لكن لأن الشبان الأكبر سناً يدخلون الآن في المستوى الأعلى من مواقعهم الوظيفية، أشعر أنهم يستطيعون بل ينبغي عليهم أن يلعبوا دوراً في ضمان ألا تعمل شركاتهم والمؤسسات التي يعملون بها على تحييد واستبعاد المواهب الشابة. فإذا لم يفعلوا ذلك، سينتهي بهم الأمر إلى الشكوى من غياب التجديد والابتكار، كما يفعل كل جيل من الأجيال.

صدر الصورة، Getty Images
إذا كان الهدف من "اختبار جيل الشباب" هو إبراز مشكلة عمل جيل الشباب، فقد ضل هذا الاختبار الطريق. فلو أرادت شركة أو مؤسسة ما أن تثبط من عزم ذلك الجيل للتقدم للوظائف، فربما عليها أن تسأل سؤالاً واحدا: "هل تشكو من أي توتر له علاقة بمكان العمل؟".
التوتر والهموم
ليس من المفيد إطلاقاً النظر إلى قطاع كامل من الناس بناء على المظاهر المتطرفة فيه. فعندما نهاجم الأجيال الشابة، فإننا في الواقع نهاجم مصادر جديدة للتوتر في مكان العمل لم نتعلم بعد كيف نتعامل معها بتفهم وتعاطف.
إذا قيمنا بأمانة الأسباب الكامنة وراء بعض أكثر اهتمامات الأجيال الشابة تعرضا للانتقاد، فلعلنا نكتشف مزيجاً من القلق المهني المعتاد مضافاً إليه بعض المراوغات الاجتماعية غير المعتادة (والتي ينتج معظمها عن التغيرات السريعة في المجالين الالكتروني والاجتماعي).
فقط عندما تربط بين هذه الأمور المقلقة مهنياً وبين العاملين الشبان، فإنهم يصبحون مادة للسخرية والاستخفاف. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الرد على الهاتف إلى حدوث توتر عند أي إنسان، لكن هذا الروتين المعتاد في مجال العمل يبدو أنه يثير توتراً لعدد كبير من العاملين الشبان.
وذلك لأن العاملين الشبان أجادوا استخدام وسائل تواصل تكنولوجية أخرى، غالباً لمصلحة المؤسسة التي يعملون بها. وببساطة لم يعتد هؤلاء على تلقي مكالمات هاتفية غير مخطط لها مسبقاً. فالكثير منهم يربط بين الاتصالات الهاتفية غير المتوقعة وبين تلقي الأخبار السيئة.
لكن بعض المكالمات الهاتفية غير المتوقعة ليست هي السبب الوحيد في توتر العاملين الشبان. فتطبيقات إدارة المهام، مثل تطبيق تريلو، وتطبيق سلاك، جعلت التواصل الداخلي والخارجي أكثر سهولة وأماناً، وهو ما يقلل الحاجة إلى المكالمات المعتادة. فما الحاجة إلى الاتصال بشخص ما بخصوص مشروع في الوقت الذي يمكن الحديث عن تفاصيله بطريقة سهلة وآمنة؟
لكن بالنسبة للمديرين والمسؤولين الذين يصرون على المكالمات الهاتفية، فالحل مازال بسيطاً. أرسل رسالة بالبريد الالكتروني للترتيب للمكالمة، وامنح الشخص الآخر بعض الوقت ليتمكن من التخطيط. أو الأفضل من ذلك كله، الحديث وجهاً لوجه.
ازدحام أماكن العمل
ليس الأمر مجرد عادات وثقافة تتسبب في الهموم. فالطبيعة المادية لمكان العمل لها أثر عميق على توتر الموظفين الشبان أيضاً.

صدر الصورة، Getty Images
فالفئة العمرية بين 18 و24 عاما من المرجح أن تشكو من نوبات خوف وقلق منتظمة، طبقاً لدراسة أجريت على 3000 من البالغين في بريطانيا. إذ قال 35 في المئة منهم إنهم شعروا بالتوتر من المكاتب المزدحمة.
أحد الحلول الأخرى البسيطة يتمثل في أن ترتب مكتبك بطريقة يبدو معها أكثر اتساعا. أو، إذا لم يكن ذلك ممكناً، فكر في تبديل أوقات دوامك مع موظفين آخرين. فقد ذكر 80 في المئة من الموظفين الشبان أنهم يشعرون بتوتر أقل عندما يكون المكتب أو الطاولة المجاورة لهم شاغرة.
التعليمات غير المشددة المتعلقة بمواصفات الملابس في مكان العمل هي أمر طال انتظاره، مع أنها خطوة بسيطة. لقد فكر 17 في المئة من الموظفين الشبان في ترك العمل بسبب التوتر الناتج عن إرغامهم على مراعاة سياسة مشددة في ما يتعلق بمواصفات الملابس في مكان العمل. لماذا الإقدام على هذه المجازفة في سبيل الحفاظ على تقاليد عفا عليها الزمن؟
حتى الوصول للعمل يمكن أن يشكل عبئاً على الموظفين الشبان. فالمواصلات العامة سبب رئيسي للتوتر. ويقول 60 في المئة من العاملين أنهم يفضلون السفر في مسار واحد طويل أكثر من مسار آخر يتطلب منهم التنقل بين عدة محطات، وذلك لتقليل التوتر الناشئ عن عناء الوصول لمكان العمل.
والازدحام هو السبب الكبير لقلق المسافرين. لكن 41 في المئة من الموظفين الشبان في المملكة المتحدة يشعرون بالتوتر حتى من مجرد تصويرهم في الأماكن العامة.
ومن بين كافة أسباب التوتر التي عرضت هنا، ينبغي أن يكون هذا السبب أكثر صفة خاصة بهذا الجيل. لكنه يبقى سببا وجيها.
في المستقبل القريب، سيكون هؤلاء هم الذين يشكلون ثقافة مكان العمل. وإذا كان ذلك يعني أن الناس سيواجهون مصادر محتملة لتوتر أقل في العمل، وسيكونون قادرين على أن تحقيق إنتاجيةً أكبر، فهو أمر جيد لنا جميعاً.
إن فكرة رفض مثل هذه الحقائق أمر لا يُبنى عليه عمل. فليس ذلك من الحصافة، وهو لا يؤدي إلى أي نتيجة. وينبغي على المؤسسات والشركات أن تسعى للتعامل مع أكبر عدد ممكن من هذه القضايا. وبشكل رئيسي، لأنه غالباً هناك أشياء بسيطة يمكن القيام بها من قبيل إعادة ترتيب الطاولات، والمكاتب في مكان العمل.
حتى في غياب الحلول البسيطة، هذه الأمور المتسببة في التوتر تستدعي الاهتمام. ففي معظم الحالات، هي استجابات طبيعية لبيئة كانت الأجيال السابقة محظوظة لأنها تجنبتها.
يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital









