العنف ووباء كورونا.. شرّان يتهددان الطفولة

    • Author, نورالدين زورقي
    • Role, لندن

بينما ينهمك الساسة الحاكمون والدبلوماسيون الدوليون في التعامل مع التطورات الكارثية المتلاحقة لوباء كورونا، وخطره على بني البشر، استبشر البعض بأن الأطفال ربما لن يكونوا فريسة سهلة لكوفيد 19 وإن تعالت الأصوات المحذرة من أن الفيروس اللعين ربما يستغل براءة الأطفال مطية لإصابة ذويهم وأفراد عائلاتهم خاصة من كبار السن، وبعد جدل ورد وأخذ وردّ أُغلقت المدارس!! وأصبح الأطفال حبيسي البيوت والشقق!!

ضيفة هذا الأسبوع في برنامج بلاقيود هي نجاة معلّا مجيد مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة وممثلته الخاصة لمكافحة العنف ضد الأطفال، وهي لا تفوت الفرصة للتنبيه إلى ما يتهدد الأطفال من أخطار قديمة وجديدة في زمن الكورونا: "لنترك كوفيد19 ولنترك العنف خلف الباب وإياكم أن تتركوا طفلا واحدا في الخارج"

لكن هل في الوقت أو الموارد من بقية للالتفات إلى الأخطار المحدقة بالأطفال في زمن الكورونا؟

تتمنى مساعدة أمين عام الأمم المتحدة لمحاربة العنف "ألا يتمكن فيروس كوفيد19 من الدخول دون استئذان عبرالأبواب الموصدة، فهذه الأوقات عصيبة و يصبح الأطفال فيها أكثر عرضة لخطر العنف، فما أشد الضغط على الأسر بالعزل وشبح البطالة يتهدد عائلي الأسر في كل مكان، واضمحلال الدخول وشح موراد الغذاء وسواها من الضروريات، بل إن خطر المرض أيضا قد يتربص الدوائر بالطفولة"

ليس ذلك وحسب، بل إن هناك حاجيات أهم أيضا للنشأة السليمة، "ففيروس كوفيد 19 دمّر الروتين اليومي للأطفال وحرمهم فجأة من حياتهم الاجتماعية ومن متع الرياضة والتسلية بعد أن كانوا يقضون سحابة يومهم في المدرسة، يتعلمون ويتفاعلون ويلعبون مع أصدقائهم وأقرانهم، لكن الطامة الكبرى في طوفان الأخبار المرعبة هي شبح العنف."

أي خطر على الأطفال في زمن الكورونا؟

"في الأحوال العادية يموت طفل كل خمس دقائق بسبب العنف، ويتعرض مليار من الأطفال، أي نصف أطفال العالم، لشكل من أشكال العنف سنويا،" هكذا تصرخ ضيفتي في كل منتدى ومناسبة تحضرها، لكن بعيدا عن المنتديات والندوات والحملات كيف هو الحال في زمن الوباء

تنبه مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الطفولة إلى أن الوباء حصر الأطفال في المنازل وفي المؤسسات ودور الرعاية التي تؤويهم، وهناك أيضا الأطفال المحرومون من حضن العائلة يلفهم الفقر المدقع وهناك من الأطفال من يُرغمون على العمل أو مواجهة قسوة العيش في الشوارع والاضطرار للتسول، وهناك فئة أخرى، تكاد تكون منسية، من الأطفال في المناطق المنكوبة بالنزاعات والذين أصبحوا ضحايا تمزيق التهجير ومعاناة المخيمات، من لهؤلاء؟

تقول مساعدة الأمين العام الأممي لشؤون مكافحة العنف ضد الأطفال: "في زمن الوباء لاعزاء للأطفال أينما كانوا فالحكومات تضطر لتقليص الميزانيات وتحويل الموارد للاستخدامات الملحة"

خطر جديد

ليس ذلك وحسب، هناك الأطفال المُعنفون في ظل أسرهم قبل وباء كورونا ممن سيصبحون عرضة لمزيد من العنف ولا تكتفي ضيفتي من الإلحاح على ضرورة "التأهب لخطر كبير يتهدد الأطفال الذين يستخدمون شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وهم محبوسون بين جدران المنازل، وقد يصبحون - في غفلة من الآباء والأمهات - فرائس سهلة لشبكات الإجرام والإرهاب وغيرها من الأخطار."

تخاطب نجاة معلا مجيد ضمير الإنسان أن يرأف بالأطفال ويوفر لهم الحماية والدعم والرعاية، كي يخرج الكل - كبارا وصغارا - من هذه التجربة أقوياء، فليس هذا وقت الهلع "لنأخذ كل يوم بتحدياته على حدة، ولنعمل بحرص لضمان السلامة، خاصة سلامة الأطفال من المخاطر التي تتربص بهم الدوائر."

الدكتورة نجاة معلا مجيد هي المديرة السابقة لمستشفى الأم والطفل بالحي الحسني بالدارالبيضاء في المغرب وهي التي أخرجت للوجود مؤسسة "بيتي" وهي من منظمات المجتمع المدني التي تتعامل ميدانيا مع ظاهرة الأطفال الذين يعيشون ويعملون في الشوارع في المغرب، ولذلك تقول: حذار من العنف المستتر والتنمر

" لأن آثار العنف على الأطفال في معظمها ليست سهلة الرصد، وهي لا تقتصر على الجوانب النفسية والذهنية بل تمتد إلى نمو شخصية الطفل وصحته العقلية، من الضروري اتخاذ كافة الاحتياطات لاتقاء شرور العنف الذي يتهدد الأطفال عبر الأنترنت بوجه خاص، كاستغلالهم من قبل شبكات الجريمة المنظمة أو الإرهابية ومن خطاب الكراهية وهلم جرا"

وتنبه الدكتور نجاة معلّا مجيد إلى ظاهرة التنمر وعصابات الشباب المستفحلة عبر الإنترنت وفي المناطق السكنية الشعبية وحتى في ساحات المدارس، وتعاني منها عدة مجتمعات بما فيها المجتمعات العربية، وتشدد على أهمية إشراك الأطفال في جهود محاربة الظاهرة وتوعيتهم بأضرارها عليهم.

للأطفال دور حيث أخفق الكبار

في إحدى المناسبات خاطبت نجاة معلا مجيد أشبال الحركة الكشفية قائلة " أنتم العنصر الأهم في لغز محاربة العنف " سألتها عما تعنيه هذه المناشدة التي تبدو في ظاهرها كلاما إنشائيا، وكان هذا جوابها:

"بكل صراحة نحن الكبار، سواء أكنّا مسؤولين أو صنّاع قرار أو نشطاء، أخفقنا في حماية الأطفال من العنف!!!"

ما العمل يا ترى؟

" إذا نحن مكنّا الأطفال من استخدام وسائل الإعلام فبانتظارهم دور مهم في تغيير المجتمعات"، و في رأيها أن الأطفال والشباب فقدوا ثقتهم في مؤسساتهم الوطنية ولذلك ثمة عبر العالم الآن "أطفال وشباب يافعون يتصدرون مبادرات خارقة للعادة، وينشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع بإرادة ومطالب وأفكار، ولابد من إشراكهم في إيجاد حلول للعنف ضد الأطفال."

تمكين الأطفال من المعلومة؟

لابد أن أعترف بأنني كمحاور في برنامج بلاقيود لم اقتنع في كثير من الأحيان بفعالية الأفكار الواردة في ردود هذه المسؤولة الدولية عن محاربة العنف ضد الأطفال! كيف السبيل إلى تمكين الأطفال على النحو الذي تحلم به ضيفتي خاصة في المجتمعات المحافظة والمجتمعات التي تواجه الطفولة فيها ضغوطا وتحديات اقتصادية واجتماعية؟

تجيب نجاة معلّا مجيد قائلة: "حديثي عن إشراك الأطفال في جهود إنهاء العنف ضدهم ليس موضة أو صرعة، بل يجب أن يعني تمكين الأطفال من المعلومة وإشراكهم بالتشاور معهم وأخذ آرائهم بعين الاعتبار. ويندرج في ذلك إشراك الأطفال في تغيير الكثير من المفاهيم والمعايير والممارسات الاجتماعية السلبيىة، لأنه ما لم يحصل ذلك فسيكون من الصعب جدا تحقيق الأهداف الأممية للتنمية المستدامة."

أهداف واسترتيجيات! هل من نتائج؟

عملت ضيفة بلا قيود هذا الأسبوع خبيرة ومستشارة لدى كثير من المشاريع الوطنية والدولية المعنية بوضع وتفعيل سياسات واستراتيجيات لتعزيز حقوق الأطفال وحمايتهم من العنف، وما أسهل الحديث عن وضع سياسات واستراتيجيات وتشكيل لجان! فما الذي تحقق من أهداف التنمية المستدامة؟

ترد الدكتورة نجاة معلّا مجيد بأنه بالرغم من التراجع في الحقوق والحريات، خاصة حقوق المرأة والأطفال، والحقوق المدنية والسياسية والثقافية وما جاورها، فهي لا تكتفي بالتفاؤل، بل تعمل على دعم وتعزيز ومناصرة أهداف التنمية المستدامة.

طيلة مقابلتي عبر خدمة سكايب في زمن الكورونا مع مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون محاربة العنف ضد الأطفال، لم تتوقف ملاحظاتي لها بأنها لا تملك في التعامل مع أجندة محاربة العنف ضد الأطفال سوى الكلام النظري، لكن يبدو أنه غاب عن ذهني أنها دبلوماسية محنكة، ففي كل مرة كانت تتجاوز الملاحظة بابتسامة كريمة، حتى كان السؤال الأخير عندما "عالجتني" بهذا الجواب:

"الإرادة السياسية لدى الدول هي حجر الزاوية في هذه المهمة النبيلة والصعبة" وتصر و "تلح" ضيفتي على توضيح موقفها ودورها، قائلة: " وعود وتعهدات إنهاء العنف ضد الأطفال في إطار أهداف الاستراتيجية الأممية لأهداف التنمية المستدامة 2030، ليست كلاما نظريا، بل هي أهداف وضعتها الدول في إطار المجتمع الدولي، ودوري أنا كمناضلة مدافعة عن حماية الأطفال من العنف يتمثل في مراقبة تفعيل هذه الأهداف."