قرار مصري جديد يغضب المصريين في الخارج.. ما القصة؟

أثار قرار السلطات المصرية إنهاء العمل بـ"الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الواردة من الخارج" موجة غضب وجدلاً واسعًا بين المصريين، خاصة المقيمين في الخارج، بعد الإعلان عن بدء تطبيقه خلال أقل من يومين فقط من صدوره.

وبموجب القرار، تخضع أي أجهزة هاتف محمول يتم إدخالها من الخارج للرسوم الجمركية والضريبية المقررة، مع منح المصريين المقيمين بالخارج والسائحين مهلة 90 يومًا من تاريخ تفعيل الهاتف داخل مصر لسداد الرسوم، أو إيقاف الجهاز نهائيًا عن العمل على شبكات الاتصالات المحلية.

انتقادات

يرى الخبير الاقتصادي حسن الصادي أن القرار "خاطئ في توقيته"، معتبرًا أنه "عقابًا للمصريين العاملين في الخارج"، الذين يمثلون أحد أكبر مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري. ويحذر من أن العائد المتوقع من فرض الرسوم قد لا يوازي الخسائر المحتملة في تحويلات المصريين بالخارج كرد فعل على القرار.

ويتفق معه وليد رمضان، نائب رئيس شعبة المحمول بالغرفة التجارية، في أن المواطن هو المتضرر الأكبر، لكنه يوضح أن القرار جاء في إطار محاولة ضبط السوق، بعد مشكلات واجهت تطبيق المنظومة الإلكترونية الحكومية لتسجيل الهواتف، ما تسبب في أزمات بين التجار والمستهلكين خلال الأشهر الماضية.

خلفية القرار

كانت الحكومة المصرية قد أقرت في عام 2024 منظومة جديدة لتنظيم الهواتف الواردة من الخارج، تقضي بفرض رسوم جمركية وضريبية تصل إلى نحو 40% من قيمة الجهاز، تُسدد خلال 90 يومًا من تفعيله داخل البلاد.

ونصّت المنظومة على السماح بإدخال هاتف واحد معفى من الرسوم لكل شخص مرة كل ثلاث سنوات، دون الإشارة صراحة إلى أن هذا الاستثناء مؤقت.

ونفى نائب وزير المالية للسياسات الضريبية، شريف الكيلاني، في تصريحات سابقة، فرض أي ضريبة جديدة، مؤكدًا أن الهدف هو تحصيل الرسوم المستحقة ومكافحة تهريب الهواتف.

التهريب

بحسب تصريحات رسمية صدرت عام 2024، يتم تهريب نحو 95% من الهواتف المحمولة الواردة إلى مصر، بينما لا تُسدد الرسوم الجمركية إلا على 5% فقط.

وأشار رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، محمد شمروخ، إلى أن خسائر الدولة بسبب تهريب الهواتف تصل إلى نحو 100 مليون دولار شهريًا.

وكشفت تقارير إعلامية خلال الأسابيع الماضية عن استغلال بعض التجار للمصريين المقيمين في الخارج والحجاج والمعتمرين لإدخال هواتف معفاة مقابل مبالغ مالية، قبل تهريبها وبيعها في السوق المحلية، ما زاد من تعقيد تطبيق المنظومة السابقة.

ويرى الصادي أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على فرض الرسوم، بل تتطلب آليات رقابية أخرى، مثل إلزام التجار بإصدار فواتير، ومنع بيع أي هاتف مجهول المصدر، وتسجيل بيانات المالك الأصلي في حال بيع الهواتف المستعملة.

الإنتاج المحلي

تُبرر الحكومة توقيت القرار بأن السوق المحلي أصبح قادرًا على تعويض الهواتف المستوردة. ووفق بيانات رسمية، دخلت نحو 15 شركة عالمية مجال تصنيع الهواتف في مصر خلال الفترة الأخيرة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويًا، وهو رقم يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

ويؤكد وليد رمضان أن حجم المبيعات السنوية في مصر يتراوح بين 18 و20 مليون هاتف، بقيمة تقارب ملياري دولار، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في توفير المنتجات المحلية بأسعار تنافسية.

فجوة الأسعار

كان الفارق الكبير بين أسعار الهواتف داخل مصر وخارجها أحد أبرز العوامل المشجعة على التهريب. فعلى سبيل المثال، يبدأ سعر "آيفون 17 برو ماكس" في السوق المصرية من نحو 95 ألف جنيه (قرابة ألفي دولار)، بينما يبلغ سعره في السعودية نحو 1400 دولار، بفارق يقارب 600 دولار.

ويرجع خبراء هذا التفاوت إلى ضعف الرقابة على التسعير، ويطالبون بتشكيل لجنة تضم جهاز تنظيم الاتصالات، وجهازي حماية المستهلك والمنافسة، والغرف التجارية، لمراقبة الأسعار ومقارنتها بالأسواق الأخرى.

المصريون في الخارج

يُقدَّر عدد المصريين المقيمين في الخارج بما بين 11 و14 مليون شخص، وتشكل تحويلاتهم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر.

وقد أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلاتهم سجلت مستويات قياسية خلال عام 2025، لتبلغ نحو 37.5 مليار دولار خلال أول 11 شهرًا من العام، بزيادة تتجاوز 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ويرى مراقبون أن قرار إنهاء إعفاء الهواتف لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الإجراءات الحكومية الهادفة إلى تشديد الرقابة على الاستيراد الشخصي.

ففي أبريل 2025 (نيسان 2025)، أعلنت مصلحة الجمارك المصرية عن قيود جديدة على كميات الملابس المستعملة المسموح بدخولها تحت بند "الاستخدام الشخصي"، في محاولة للحد من التهريب المقنّع عبر أمتعة المسافرين.

غير أن قرار إنهاء فترة الإعفاء الاستثنائي لأجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج أثار ردود فعل واسعة بين المصريين بالخارج.

وفي هذا السياق، تقدم النائب عبد المنعم علي إمام، رئيس حزب العدل وعضو مجلس النواب، بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس النواب بشأن تداعيات القرار على الاقتصاد والمغتربين.

كما ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات رمزية للاعتراض، وعبر بعض المغتربين عن استيائهم من عبء الرسوم الجديد على الهواتف المحمولة، التي لم تعد سلعة كمالية بل أداة أساسية للعمل والتواصل، مشيرين إلى احتمال تقليل التحويلات الرسمية أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية.