استيقظ بعض النزلاء على أصوات اطلاق نار، وآخرون على دوي ثلاث طائرات مروحية من طراز بلاكهوك كانت تحلق على ارتفاع منخفض.
كان ذلك في الساعات الأولى من فجر السادس عشر من تموز / يوليو 2016. هبط نحو 24 من رجال القوات الخاصة التركية من المروحيات في أرض فندق كلوب توربان الفخم في منتجع مارماريس الساحلي (جنوبي تركيا) وهم مسلحون ببنادق آلية وقنابل يدوية.
كان هؤلاء الرجال يبحثون عن شخص بعينه - الرئيس رجب طيب أردوغان - الذي كان يقضي عطلة في فيللا خاصة ملحقة بالفندق المذكور.

دبابات الإنقلابيين تزحف في شوارع أنقرة
وبينما كان العسكريون المتمردون يغلقون الطرق والشوارع في أنقرة واسطنبول، كلفت القوات الخاصة باعتقال الرئيس. كان من المفروض أن يكون اعتقال أردوغان تتويجا لانقلابهم. هاجم رجال القوات الخاصة، وهم يطلقون النيران ويلقون بالقنابل اليدوية، الفندق، وقتلوا إثنين من حرس الرئيس التركي.
ولكنهم كانوا متأخرين.
فبعد وصول بلاغ من مصدر ما، تم نقل الرئيس التركي من المنتجع بطائرة مروحية. وما أن وصل إلى مطار دالامان، حتى استقل طائرة خاصة أقلته الى اسطنبول. وقام قائد الطائرة بتمويه هويتها بحيث ظهرت لنظام الرادار وكأنها طائرة مدنية عادية.
وبعد الساعة الثالثة فجرا، ظهر الرئيس أردوغان خارج مطار أتاتورك في اسطنبول وسط هتافات مؤيديه وأنصاره.
فشل الإنقلاب، وخرج الرئيس رجب طيب أردوغان من المحنة أكثر قوة مما كان.

الرئيس أردوغان يلقي كلمة للشعب التركي ليلة المحاولة الإنقلابية
مثلت تلك الليلة بالنسبة لكثير من الأتراك ولادة جديدة للأمة التركية المعاصرة. وبث الرئيس أردوغان أثناء سفره من مارماريس الى إسطنبول رسالة مصورة نقلها التلفزيون التركي حث فيها المواطنين على الخروج الى الشوارع ومواجهة المحاولة الإنقلابية.
واستجاب الأتراك لدعوة أردوغان بقوة، وقتل 265 شخصا في المواجهات التي جرت بين المواطنين والإنقلابيين.
فقد ألقى البعض بأجسادهم أمام دبابات الإنقلابيين لمنعها من التحرك، بينما تعرض آخرون لنيران الإنقلابيين على جسر البوسفور في اسطنبول في محاولتهم دحر المتآمرين.
وبحلول الفجر، تبين أن المحاولة الإنقلابية قد فشلت.
للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، نجح الشعب في الوقوف بوجه دبابات العسكر. فقد شهدت تركيا في العقود الماضية أربعة انقلابات عسكرية ناجحة، ولكن أردوغان نجح في منع نجاح انقلاب خامس.
عقب فشل المحاولة الإنقلابية، تجمع الملايين في تظاهرات ليلية، هاتفين بإسم أردوغان ومنشدين نشيد حملته الانتخابية.
وفي غضون ساعات، تحول أردوغان من رئيس كاد يفقد السيطرة على بلاده الى زعيم لا يمكن مواجهته.
ولكن ذلك لم يكن كافيا لأقوى زعيم شهدته تركيا منذ مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك. فبعد 11 سنة قضاها في رئاسة الحكومة، انتخب أردوغان رئيسا للدولة في عام 2014.
ورغم أن منصب رئيس الدولة يعد تقليديا منصبا فخريا في تركيا، كانت لأردوغان نوايا أخرى.
فأردوغان، الشخصية المهيمنة على المشهد السياسي التركي، كان يحلم منذ أمد بعيد بتوطيد سلطته عن طريق تعديل الدستور بحيث تتحول تركيا من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي، نظام يلغي منصب رئيس الحكومة ويسمح له بترسيخ قبضته على البلاد.
وبالفعل، وافق الناخبون الأتراك في استفتاء أجري في 16 نيسان / أبريل، على طرح أردوغان واصلاحاته المقترحة.
في بلدة ريزه الواقعة على ساحل البحر الأسود - وهي البلدة التي ينحدر منها الرئيس التركي - تشرف صورة كبيرة لرجب طيب أردوغان على حرم الجامعة التي تحمل اسمه. لا يوجد شيء يصف مفهوم "عبادة الفرد" مثل إطلاق اسم زعيم على مؤسسة وهو ما زال على قيد الحياة.
كانت الطالبة خديجة يلدز البالغة من العمر 22 عاما جالسة في الباحة المركزية للجامعة على مصطبة منحوت عليها اسم أردوغان.

تبعد بلدة ريزة - مسقط رأس الرئيس أردوغان - بمسافة 1100 كم عن اسطنبول
تقول خديجة، طالبة الأدب الإنجليزي في الجامعة، "أنا فخورة برئيسي وأنا فخورة بإسم الجامعة التي أنتمي إليها. فهو رئيس جيد بامتياز وهو قائد دولي."
أطلق اسم أردوغان على الجامعة - التي أسست عام 2006 - قبل سنوات خمس، ويبلغ عدد طلابها الآن 20 ألفا. وتنتشر مرافقها في كل أرجاء ريزة البلدة الصغيرة المحاطة بجبال شاهقة جميلة تحجبها مبان سكنية كئيبة المنظر.

حرم جامعة رجب طيب أردوغان في ريزة
تعد منطقة ريزة القلب النابض للقومية التركية، الجانب المحافظ والمتدين من تركيا الذي كان يعاني من التهميش لعقود حتى وجد ضالته في رجب طيب أردوغان.
فقد عانى الكثيرون من سكان هذه المنطقة من الإهمال من جانب النخبة العلمانية القديمة التي بنت الجمهورية التركية منذ نشأتها في عام 1923 حسب المفاهيم التي جاء بها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وهي مفاهيم علمانية تتطلع الى الغرب وتتنكر للشرق الإسلامي.
كان مسلمو الأناضول يشعرون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، إذ كان يطلق عليهم لقب "الأتراك السود" مقارنة "بالأتراك البيض" من الطبقة البرجوازية.
منعت نساء "الأتراك السود" من ارتداء الحجاب في المؤسسات والدوائر الرسمية، حتى جاء أردوغان - وهو مسلم محافظ. كانت زوجة أردوغان أول قرينة رئيس حكومة ترتدي الحجاب. وألغت حكومة أردوغان الحظر على ارتداء الحجاب في عام 2013.

خديجة يلدز
تقول خديجة المحجبة، "تقول والدتي إن الوضع كان سيئا جدا في زمنها. فقد كان بامكان الرجال الالتحاق بالجامعات بينما لم يكن للبنات أن يفعلن ذلك لأنهن كن محجبات. ينبغي للمرء أن يذهب أينما يريد مهما كان دينه أو مظهره."
"كان ذلك هو الوضع قبل رجب طيب أردوغان، وكان هو الذي ألغى ذلك القانون."
يعود جزء كبير من التأييد الشعبي الذي يتمتع به الرئيس أردوغان إلى انتصاره للقضايا الإسلامية.
ففي ريزة، يحب الناس ورع أردوغان، وبالطبع يحبون جذور أسرته في المنطقة.
فأردوغان، الذي ولد في اسطنبول، يتمتع بأواصر أسرية متينة بريزة، إذ كان جداه قد هاجروا إلى هناك من جورجيا، وولد والده في تلك البلدة الساحلية.
يقول سعدالله موتلو، وهو من أقارب أردوغان، وهو يقف قرب المسجد الكبير في قرية غونايصو المجاورة لريزة والتي يحتفظ الرئيس التركي فيها بمسكن، إنه يتذكر رجب الصغير بأنه كان "صبيا ناضجا وطموحا وله اهتمام بالقضايا السياسية."
كان أردوغان يطمح في شبابه إلى أن يصبح لاعبا محترفا لكرة القدم، ولكنه انجذب إلى الفرع الشبابي لإحدى الحركات السياسية الإسلامية. إقترن أردوغان بعد فترة قصيرة من ذلك بأمينة غولباران، ورزق الزوجان بأربعة أطفال. كان ارتقاؤه سريعا في المجال السياسي، فقد أصبح رئيس بلدية اسطنبول، ولكنه أودع السجن لأنه تلا في اجتماع جماهيري قصيدة ذات صبغة دينية.
كانت لأصول أردوغان المتواضعة في تخوم البحر الأسود وطفولته التي قضاها في منطقة قاسم باشا الفقيرة في اسطنبول أثر كبير في منحه قدرة على التواصل مع الناخبين العاديين.
إذ يشعر مؤيدوه بأنه صوتهم.

صورة أردوغان على بناية في ريزة
من هؤلاء المؤيدين محمد ميرال. كانت أسرة ميرال تمتلك منذ خمسينيات القرن الماضي مزرعة للشاي تبلغ مساحتها 140 فدانا في الجبال المحيطة بريزة.
تعد هذه المنطقة مركز انتاج الشاي في تركيا، التي تأتي في المركز الخامس لانتاج هذا المحصول في العالم. وفي مزرعة ميرال، تجاور صفوف الشاي جداول سريعة الجريان وجسور من العهد العثماني.
يقول محمد ميرال، "رجب طيب أردوغان منا، فهو من الشعب. في الماضي، كان القادة كلهم من علية القوم. أردوغان ليس كذلك."

محمد ميرال
يتكلم بلغتنا، ويغضب كما نغضب، وهو يروي للعالم ما نريد أن نقوله”
كانت هذه العواطف واضحة في تجمع حضره الرئيس أردوغان في ريزة لشحذ التأييد للاستفتاء الدستوري.
تحدث أردوغان لنحو ساعة، مبهرا ألوف الحاضرين بحديثه حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام بحق منظمي المحاولة الإنقلابية وحول المشاريع الجبارة التي يجري تنفيذها في تركيا.
فالتنمية الإقتصادية هي السبب الثاني للدعم الذي يتمتع به أردوغان.

هاجم أردوغان أوروبا، مواصلا الشجار الذي نشب بعد أن منع زعماء أوروبيون وزراءه من الترويج له وسط الجاليات التركية في بلدانهم.
قال أردوغان، "لن تنجح حفنة من الفاشيين في تدنيس شرف تركيا"، داعيا الأتراك إلى "التصدي لأحفاد النازيين" والتصويت لصالح تعديل الدستور.
التعليقات التهكمية من هذا النوع تغضب الحكومات الغربية، ولكنها تفرح مؤيدي وأتباع أردوغان الذين يرتدون عصّابات كتب عليها اسمه ويرددون شعاراته الانتخابية.
الصورة الوحيدة الأخرى التي ظهرت على البيارق الكبيرة كانت لأتاتورك، وأردوغان يوشك الآن على أن يبز أكبر رمز في الجمهورية التركية. ففي هذه الزاوية من تركيا، أصبحت مبادئ أتاتورك العلمانية ذكرى بعيدة ليس إلا.
وما أن انتهى أردوغان من القاء كلمته حتى بدأ ووزراؤه بالقاء الهدايا للحشود كانت عبارة عن لعب أطفال ورقع شطرنج.
تمتد الأيادي سعيا وراء الاستحواذ على الهدايا، وكانت تبدو الأستماتة على وجوه أصحابها الذين كانوا يشعرون بأن الحصول عليها ليس الا بديلا للمس "الرجل العظيم" نفسه.

مؤيدات لأردوغان في ريزة
قص أردوغان بعد ذلك شريطا، مؤذنا ببدء العمل في تشييد مطار في ريزة - فقد ضاعف الرئيس التركي عدد المطارات في البلاد في العقد الأخير في سياق حملته لتعزيز البنية التحتية، مما يساعده على كسب أصوات الناخبين.
يتمتع أردوغان باحترام وتبجيل في تركيا لا يضاهى في العالم الديمقراطي، إذ من العبارات التي يطلقها أتباعه، "إذا أمرني بالموت من أجله، سأفعل ذلك."
بموازاة هذه المشاعر الجياشة، هناك مشاعر مناقضة في هذه البلاد المستقطبة سياسيا.، إذ يكن له كثيرون بغضا شديدا.
متنزه غيزي في اسطنبول يعد رئة ومتنفسا أخضر وسط مدينة تخنقها المباني الشاهقة. ويعد المتنزه الواقع قرب ميدان تقسيم، قلب اسطنبول النابض، وملاذا للأشجار والحشائش وسط صخب المدينة وأصوات أبواق سياراتها.
لم يكن متنزه غيزي يوما متنزها مثاليا، ولكن أهميته ارتفعت بشكل كبير ومفاجئ في عام 2013 بعد أن كشفت الحكومة عن خطط لتحويله الى مركز تسوق. أصبح المتنزه بين ليلة وضحاها رمزا لنقطة تحول أخرى في زعامة رجب طيب أردوغان.
إعتصم بضع عشرات من أنصار البيئة في المتنزه تعبيرا عن رفضهم لخطط الحكومة. وفي فجر 28 أيار / مايو 2013، اقتحمت الشرطة المتنزه وأحرقت خيام المعتصمين وأطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.
كانت تلك الشرارة التي أشعلت أكبر موجة احتجاجات شعبية شهدتها تركيا في تاريخها الحديث.

انتشرت صورة المرأة ذات الثوب الأحمر انتشارا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي
تقول الناشرة والناشطة فوتي بينليسوي، "كانت فترة أعادت الينا ثقتنا بأنفسنا، فقد كنا نشعر بأننا نشارك في صنع التاريخ."
فقد نزل ملايين الأتراك إلى الشوارع للرد على العنف الذي مارسته الشرطة في متنزه غيزي، ولكنهم كانوا يطالبون بأكثر من ذلك بكثير.
فقد كان أردوغان، الذي صور نفسه على أنه مصلح مؤيد لأوروبا في السنوات الأولى لحكمه، يظهر جانبا تسلطيا متزايدا.
تحول المتنزه إلى مركز لحركة احتجاجية كبيرة تماثل غيرها من الحركات في مدن عالمية أخرى. وإنضمت الى مناصري البيئة مجموعات أخرى من بينها يساريون وأكراد ونواد لأنصار فرق كرة القدم وغيرها. ولبضعة أيام على الأقل، استضاف المتنزه الآلاف من المحتجين من شتى المشارب.
ولكن في ميدان تقسيم، وفي مناطق أخرى من البلاد، تصاعدت الاشتباكات مع الشرطة بشكل سريع.

مراسلنا مارك لوين يراقب الأحداث في متنزه غيزي وميدان تقسيم
تقول فوتي بينليسوي، "كان تحالفا فعليا للذين لديهم تظلمات."
"فقد كان هناك تململ من السياسات التي يتبعها حزب العدالة والتنمية الحاكم فيما يخص التخطيط المدني، إذ كان الحزب يدفع باتجاه التمادي في انشاء المباني وبيع الفضاءات العامة للمستثمرين ومنح العطاءات لرجال الأعمال المؤيدين للحزب رغم معارضة الحركات النسوية والمثلية والطلابية وتلك المناصرة للحقوق الاجتماعية."
بدأ التيار المحافظ بالهيمنة على مفاصل الحياة في تركيا، إذ أعلنت الحكومة أنها ستدخل قيودا على بيع المشروبات الكحولية وعمليات الإجهاض، وحث أردوغان النسوة التركيات على إنجاب المزيد من الأطفال.
كما بدأ العمل في تشييد أكبر مسجد في تركيا، رغم الاعتراضات القائلة إن المشروع سيقام في غابة محمية وإنه سيهيمن على أفق مدينة اسطنبول.

فبينما حض بعض من الوزراء على اتخاذ موقف أكثر تساهلا مع المحتجين، اتخذ أردوغان موقفا متشددا حيالهم، إذ وصفهم "باللصوص"، واتهمهم "بشرب الخمر في مسجد" وهو اتهام نفاه إمام المسجد لاحقا.
تقول بينليسوي إن حزب العدالة والتنمية مد يده في أول أيامه في الحكم للديمقراطيين والليبراليين واليساريين والأكراد، "ولكن بعد أحداث متنزه غيزي تحول خطابه (أردوغان) إلى خطاب حول هيمنة جزء من المجتمع التركي على الجزء الآخر، وبدأ يعرف القاعدة التي تؤيده بمواجهتها للطرف الآخر."

تعمق هذا الاستقطاب وزاد حدة بعد أن ظهرت في وسائل الإعلام في وقت لاحق من عام 2013 تسريبات لمحادثات هاتفية بدت أنها تتهم أردوغان وحلقته المقربة بمزاعم فساد، وهي تهم نفاها أردوغان بقوة.
لجأ أردوغان إلى تثوير العقلية العثمانية القديمة القائلة إن الأعداء يحيطون بتركيا من كل جانب، وهو رأي يعبر عنه المثل التركي القديم القائل "صديق التركي الوحيد هو التركي."

بدأت "المؤامرات" بالظهور بشكل متواصل بل اسبوعيا بينما التفت رئيس الحكومة (أردوغان) إلى مؤيديه الموثوق بهم وطرد أو همش أعضاء حزبه الذين تجرأوا على معارضة سياساته.
جرى التضييق بشدة على حرية التعبير، مما أدى إلى تراجع صورة التقدم الذي حققه أردوغان في سنيه الأولى. وفي تلك الأثناء، أتهم الصحفيين والكتاب والفنانيين "بالخيانة." واستعادت تركيا سمعتها بأنها أول بلد في العالم في مجال سجن الصحفيين.
إيرول أونديرأوغلو واحد من 150 صحفيا ما زالوا يقبعون في السجون أو يواجهون المحاكمة.
كان أونديرأوغلو ممثلا لمنظمة صحفيون بلا حدود، وكان يحضر اجتماعا دعت اليه صحيفة أوزغور غونديم الكردية للاحتفال بيوم حرية الصحافة العالمي.
اتهمت الحكومة الصحيفة بنشر "دعاية ارهابية كردية" وقررت اغلاقها. ويطالب الادعاء العام التركي الآن بسجن أونديرأوغلو لمدة 14 عاما.
لأكثر من عقد من الزمن، تمنينا أن تنتمي تركيا إلى الأسرة الأوروبية... ولكنني وجدت نفسي مقيد اليدين وكأني قاتل.”
قضى إيرول 10 أيام في السجن، وعندما يروي معاناته في تلك الفترة يكاد يجهش بالبكاء.
"عندما زارني ابني وزوجتي، كان علي أن أتحدث إليهم من خلال لوح زجاجي. عندها تيقنت بحجم الظلم الذي ألحق بي."
أغلقت السلطات التركية العشرات من المؤسسات الإعلامية منذ الإنقلاب الفاشل، واتهم العديد من الصحفيين "بنشر دعاية ارهابية" أو "إهانة الرئيس."

احتجاج جرى خارج مكتب صحيفة جمهوريت بعد أن أعتقل صحفيوها في تشرين الأول / أكتوبر 2016
داهمت قوات الأمن التركية مكاتب صحيفة جمهوريت العلمانية، واعتقلت محرريها، كما غادر العديد من الصحفيين المعارضين للحكومة أو أودعوا السجن.
يدعي أردوغان بأن لتركيا "أكثر الصحافة حرية في العالم"، مضيفا بأن القابعين في السجون ليسوا صحفيين بل ""ارهابيين ولصوصا ومتحرشين بالأطفال."
يقول أونديرأوغلو مشيرا الى الظروف التي يواجهها الصحفيون الأتراك، "يسيطر أردوغان - بشكل مباشر أو غير مباشر- على 80 في المئة من الإعلام التركي."
"فأي انتقاد يوجه له يعد انتقادا للدولة. إن تعريف الوظيفة التي نقوم بها (كصحفيين) قد جرى محوها بشكل ممنهج من القاموس التركي."
الظروف الخطرة بالنسبة لأردوغان تستدعي ردودا مشددة.
فقد قال، عقب أسوأ هجوم ارهابي تشهده تركيا، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 103 اشخاص خارج محطة قطارات أنقره في تشرين الأول / أكتوبر 2015، "لا فرق بين ارهابي يحمل سلاحا أو قنبلة واولئك الذين يستغلون أقلامهم ومواقعهم لخدمة أهدافهم."
كان ذلك التصريح نذيرا بحملته القمعية، وبعشرات من الهجمات التي تلته.
تعرف أينور يامان، وهي كردية، ثمن الحملة أكثر من غيرها. ففي مسكنها البائس ذي الغرفة الواحدة والكائن في قرية قريبة من مدينة دياربكر - أكبر المدن في المنطقة الجنوبية الشرقية من تركيا - تقوم برعاية أطفالها السبعة بمفردها.

أينور يامان
فقد قتل زوجها، محمد صالح يامان، في العام الماضي في انفجار شاحنة قرب منزلهم. ويعتقد أن الشاحنة كانت تحمل متفجرات تعود لحزب العمال الكردستاني المحظور لاستخدامها في هجمات في المستقبل.
تقول أينور، "عثروا على أحد أصابعه وتعرفوا عليه من خلال فحص الحامض النووي. هذا كل ما أتذكره، فقد فقدت عقلي."
تنظر الى صورة زوجها المعلقة على الحائط، وفي زاوية من الغرفة يبدأ طفلها البالغ من العمر سنة واحدة بالبكاء. لم يكد هذا الطفل يولد عندما قتل والده.
تقول أينور ذات الـ 33 عاما، "سرق حزب العمال الكردستاني أحلامنا وحرمنا من والد لسبعة أطفال كان في ريعان شبابه. لا أريد أن أرى وجوههم بعد اليوم، بل سأصوت من الآن فصاعدا لأولئك الذين يدعموننا ماديا ومعنويا، سأصوت لأردوغان."
أسفر نحو 30 هجوما ارهابيا في السنتين الماضيتين عن مقتل نحو 500 شخص في تركيا.
كان بعض من هذه الهجمات من تنفيذ المسلحين الأكراد الذين يستهدفون بالدرجة الأولى رجال الشرطة والجيش، بينما كانت هجمات أخرى من تنفيذ ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية واستهدفت الأماكن العامة بما فيها مطار أتاتورك في اسطنبول ونادي رينا الليلي في المدينة ذاتها ليلة رأس السنة.
يشعر الأتراك بقلق دائم بانتظار الهجوم المقبل، ولذا كان الهاجس الأمني الموضوع الرئيسي للعديد من الناخبين في الانتخابات الأخيرة.
كان اتفاق لوقف اطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني قد انهار في تموز / يوليو 2015، مما أدى الى تجدد الحرب التي أودت بحياة 40 ألف شخص منذ اندلاعها في أواسط ثمانينيات القرن الماضي.
حمّل البعض المسلحين الأكراد مسؤولية تجدد الهجمات، بينما يعتقد آخرون بأن أردوغان دبر انهيار الهدنة لأجل الفوز بأصوات القوميين واستعادة الأغلبية البرلمانية التي كان فقدها في الشهر السابق.
اذا كان هذا هو الأمر، فقد نجحت خطة أردوغان، إذ استعاد حزب العدالة والتنمية الأغلبية التي فقدها في الانتخابات التي أجريت في تشرين الثاني / نوفمبر 2015، وكان أردوغان يأمل أن تتكلل سياسته المتشددة ازاء الإرهاب بفوزه في الاستفتاء الأخير.

محتجون أكراد يصطدمون برجال الشرطة في دياربكر في كانون الأول / ديسمبر 2015
شهدت مساحات شاسعة من جنوب شرقي تركيا في السنتين الماضيتين تطبيق نظام حظر التجول وعمليات عسكرية وحرب مدن.
وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو ألفي شخص قتلوا - بين مدني وعسكري - في تلك الفترة، بينما قال الجيش التركي إنه صفى الآلاف من المسلحين.
دمر في القتال الحي المركزي في دياربكر تدميرا كاملا، إذ سويت المساكن بالأرض وما زالت آثار العيارات النارية بادية على المباني المجاورة.
اعتقلت السلطات التركية 13 من نواب حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد الذي أصبح في عام 2015 ثالث أكبر الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي. واعتقل هؤلاء بتهمة الارتباط بحزب العمال الكردستاني، كما استبدلت الحكومة 86 رئيس بلدية.
ويشعر الأكراد الآن بأنهم فقدوا الصوت الذي كان يعبر عنهم، وذلك بعد أن وجدوه قبل سنتين.
يقول ضياء بير، النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي والذي يواجه حكما بالسجن لمدة 23 عاما بتهمتي "الدعاية للارهابيين وعضوية منظمة ارهابية"، الأغلبية الساحقة هنا تعتقد أن أردوغان ومؤيديه هم المسؤولون عن الدمار الذي وقع."

مبنى في دياربكر وعليه آثار اطلاق النار
ينقسم الناخبون الأكراد في تركيا بين مؤيدين محافظين يمنحون أصواتهم لأردوغان ومؤيدين لحزب الشعوب الديمقراطي. ولكن ضياء بير متمسك بنظرته حول المتسبب في الأزمة، إذ يقول "العقلية القومية التركية القديمة لا تسمح للأكراد بأن يكونوا شركاء في ادارة البلاد، ولذا كان عليهم قتل هذا التوجه."
ويخشى ضياء من أن مئات الآلاف من الناخبين في جنوب شرقي البلاد سيفقدون حقهم في التصويت في الاستفتاء نتيجة نزوحهم الى مناطق أخرى وفقدانهم لحقهم في التسجيل. ويقول إن الطريقة الوحيدة للعودة للسلام هي من خلال التصويت "بلا".
ويضيف، "إذا صوت الناخبون بنعم، سيمكن ذلك أردوغان بتأسيس نظام سلطوي قد يؤدي بتركيا الى الديكتاتورية. أما اذا صوتوا بلا، سيرى أردوغان بأنه لن يتمكن من النجاح دون تأييد وأصوات الأكراد. التصويت بلا سيكون من شأنه توفير فرصة للعودة الى المفاوضات لحل المسألة الكردية."

أحد مكاتب حزب العدالة والتنمية في دياربكر
يصر أردوغان على أن منحه سلطات مركزية قوية سيمكنه من مجابهة التهديدات الإرهابية التي تواجهها تركيا. ولكن معارضيه يقولون إن تقاعس حكومته في ضبط الحدود مع سوريا والدعم الذي تقدمه للفصائل الإسلامية قد عرّض تركيا للتهديد الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية وسمح للخلايا الجهادية بالنمو داخل البلاد.
علاوة على ذلك، فإن السياسة التي اتبعتها تركيا في سوريا بحربها ضد الميليشيات الكردية هناك جعلت تركيا أكثر عرضة لانتقام مسلحي حزب العمال الكردستاني.
أصيب أورهان توكار بجروح بليغة في الهجوم الإرهابي الذي استهدف محتجين أكراد في دياربكر في حزيران / يونيو 2015 وهو الهجوم الذي حملت الحكومة التركية تنظيم الدولة الإسلامية المسؤولية عنه. وفقد اورهان جزءا من ساقه اليسرى في الهجوم.
ولكن أورهان، وهو من مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطي، يوجه جام غضبه إلى الحكومة التركية.
وقال، "بإمكان أردوغان أن ينعتني بالإرهابي أو بالخائن لبلدي، ولكن صوتي سيكون دائما بلا. إذا فاز معسكر اللا، سيعود الربيع وسيرفل الناس بالسعادة، ولكن إذا فاز معسكر النعم، سيعود النظام القهقرى إلى الحقبة العثمانية، إلى أيام السلطنة وهذا من شأنه تقسيم تركيا."
بعد سنة من الهجمات الإرهابية، بدأ الأتراك يشعرون بأنهم وصلوا إلى الدرك الأسفل. ولكن بعد ذلك وقعت المحاولة الإنقلابية.
يقول سعيد ألبسوي، الباحث المحافظ الذي قضى 17 عاما وهو من أتباع رجل الدين فتح الله غولين الذي تتهمه الحكومة بالتخطيط للمحاولة الإنقلابية التي جرت في تموز / يوليو 2016 إن "حركة غولين هي تجسيد كامل للفرقة الدينية المبنية على عبادة الفرد."
ومضى للقول، "عندما كان غولين يأكل برتقالة يوما، رمى بقشرها إلى الأرض. رأيت أحد أتباعه - وهو طبيب - يلتقط القشر ويأكله. عرفت من تصرفات الحاضرين أن هذا السلوك سلوك طبيعي. يقوم أتباعه بسلق أحذيته القديمة ويأكلونها."

محتجون مؤيدون لأردوغان يعلقون دمية تمثل غولين في تموز / يوليو 2016
بدا الخجل واضحا عليه، واعتذر للأمثلة الأكثر فجاجة التي كان سيدلي بها.
قال، "في مرة من المرات، بعد أن فرغ غولين من إلقاء خطبة حماسية، بكى، وكان المنديل الذي نظف به أنفه مبتلا. أخذ طالب شاب ذلك المنديل ومسح به وجهه أمامنا جميعا. أيضا، لم يرم نوى الزيتون الذي يتناوله غولين، بل كان النوى يوزع كهدايا ثمينة للأتباع الأقل مكانة في حركته."

طالبات في جامعة تابعة لغولين في اسطنبول في عام 2013
أسس فتح الله غولين شبكة من الأتباع منذ ستينيات القرن الماضي، وذلك من خلال المدارس والجامعات التي يرعاها في تركيا والخارج.
وتصف جماعته نفسها بأنها "حركة ثقافية وتعليمية غير سياسية ومدفوعة إيمانيا" تتمسك بمبادئ "التكافل والإيثار والشفقة" من خلال مشاريع شتى من المدارس الخاصة الى برامج لمساعدة الفقراء.
ولكن أتباعه تمكنوا من تبوؤ مراكز مهمة في القطاعين العام والخاص في تركيا، يقودهم في ذلك غولين من منفاه الإختياري في الولايات المتحدة.
يقول سعيد ألبسوي، "لم تقل الحركة صراحة أبدا لنسيطر على الدولة."
"ولكنهم كانوا يقولون إن الدولة مسيطر عليها من قبل أعداء الدين. لنتخلص من هؤلاء المحتلين ولنعد الدولة لأصحابها الأصليين، مسلمي الأناضول الأتقياء."
كان غولين لسنوات عدة حليفا لأردوغان، وساعدف في تطهير الجيش التركي من العلمانيين.
ولكن عندما تفجرت فضيحة الفساد على أردوغان في عام 2013، اتهم الأخير أتباع غولين بالتنصت على مكالماته الهاتفية وتزوير الأدلة ضده. أصبح غولين العدو الأول، وأتهم بقيادة "دولة موازية."
اعتبرت الحكومة المحاولة الإنقلابية تأكيدا لشكوكها، فاتهمت غولين صراحة بتدبير المحاولة وطالبت الولايات المتحدة بتسليمه اليها.
ولكن العديد من الحكومات الأجنبية شككت فيما ذهبت اليه السلطات التركية، فأجهزة الاستخبارات الأوروبية والحكومة الألمانية قالت إنها لم تقتنع بأن غولين هو الذي أمر بتنفيذ المحاولة الإنقلابية.
أما لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس العموم البريطاني، فقالت إنه بالرغم من تورط بعض من أتباع غولين في المحاولة، لا توجد أدلة دامغة تثبت ضلوع الحركة بأسرها فيها.
ولم تنجح تركيا إلى الآن في إقناع واشنطن بتسليم رجل الدين إليها.

فتح الله غولين في مكتبه في الولايات المتحدة
خيم شبح المحاولة الإنقلابية على معركة الإستفتاء، إذ وصف أردوغان المصوتين "بلا" على أنهم "متواطئون مع الإنقلابيين"، بينما تردد العديد في انتقاد الحكومة نتيجة حالة الطوارئ التي فرضت عقب المحاولة.
كما أحدثت المحاولة الإنقلابية هزة في المجتمع التركي نتيجة حملة الاعتقالات والإقالات التي شملت اولئك الذين يشك في تأييدها.

فقد طالت هذه الحملة أكثر من 160 ألف شخص بين معتقل ومطرود ومقال، من رجال شرطة إلى طيارين إلى مدرسين إلى رجال أعمال.
صوّر أردوغان وحلفاؤه الإنقلاب الفاشل بأنه من عمل أعداء يتآمرون على تركيا، ولكن حملة الاعتقالات والإقالات التي أمر بها خلقت معينا من الضحايا الذين يرغبون في التصويت ضده.
يتهم الرئيس بأنه اضطهد معارضين له لم تكن لهم أي علاقة بالمحاولة الإنقلابية. فقد طرد المئات من الأكاديميين من وظائفهم منهم اولئك الذين وقعوا على بيان طالبوا فيه الحكومة بوقف عملياتها العسكرية في المناطق الكردية من البلاد.
من جانبه، هاجم أردوغان هؤلاء، واصفا إياهم بأنهم "مثقفون مزعومون" و"طابور خامس" ينفذ رغبات القوى الأجنبية والإرهابيين.
كانت أوغيت أوكتيم تانور واحدة من هؤلاء. كانت تانور البالغة من العمر 82 عاما أول أخصائية في علم النفس العصبي في تركيا وكانت تحمل درجة استاذ شرف في جامعة اسطنبول.
أما الآن، فقد خسرت الكثير من المزايا التي كانت تتمتع بها كموظفة في الدولة، ومنعت من السفر الى الخارج - كل ذلك بتهمة "الترويج للدعاية الإرهابية."

أوغيت أوكتيم تانور
تقول الأكاديمية بصوت هادئ، "إنه أمر عبثي."
"بالطبع أنا لا أساعد الإرهابيين. ما فعلته كان تأطير آرائي في كلمات من خلال التوقيع على البيان. ليس لي أي شأن بالدعاية، إذ أن حياتي هي التعليم وطلابي، ولذا فمن العسير عليّ الا أكون معهم. لأول مرة شعرت بالكآبة."
تنظر أوغيت أوكتيم تانور نحو البوسفور من شباك شقتها التي عاشت فيها لعقود باعتبارها واحدة من كبار الأكاديميين الأتراك. كانت قد أجبرت بعد انقلاب عام 1971 على الفرار من البلاد مع زوجها خشية السجن والتعذيب لأنهما كانا محسوبين على اليسار.
لكنها تقول، "ذلك الزمن كان أفضل من هذا، لأنه كان هناك قضاء يمكن الوثوق به ومحاكم مدنية يمكن الإعتماد عليها. أما الآن فالقضاء مضغوط عليه ولم يعد هناك أي فصل للسلطات كما ينبغي أن يكون في نظام ديمقراطي. أنا أخشى حقيقة على مستقبل بلادي."
يمكن للمرء أن يشعر بالخوف المخيم على شارع إستقلال جادسي، شارع التسوق الرئيسي في اسطنبول الذي كان حتى فترة قريبة رمزا لحيوية هذه المدينة.
فقد كان يؤمه مئات الآلاف من الناس يوميا للتبضع أو الجلوس في مقاهيه، وكان السائحون يتمتعون بركوب "الترام" الأحمر التأريخي المتهالك.
أما اليوم، فالشارع مليء بالمتاجر والمطاعم الخالية، وتنتشر على جانبيه لافتات "للإيجار" لمحلات كانت قبل سنتين فقط تستأجر في غضون أيام. ويمتنع البعض عن السير في الشارع بشكل تام منذ انفجار قنبلة فيه أودت بحياة أربعة من السائحين الأجانب.
إنه سياق يتكرر في أماكن أخرى من تركيا، فالعديد من المحلات التجارية الأجنبية الكبيرة - ومنها سي أند أي وتوبشوب - تركت تركيا، بينما تخلو المجمعات التسوقية التي انتشرت انتشارا كبيرا في العقد الأخير من المتسوقين.
أما قطاع السياحة، الذي يشكل نحو 10 في المئة من الإقتصاد التركي، فيشهد تقلصا سريعا. ففي عام 2014 كانت تركيا سادس بلد في العالم من ناحية عدد السائحين إذ زارها في ذلك العام 42 مليون سائح.
لكن هذا العدد انخفض إلى 25 مليون في عام 2016، لأن السائحين الغربيين بدأوا بالامتناع عن المجيء إلى تركيا نتيجة المخاوف الأمنية. وقامت الفنادق بخفض أسعارها بشكل كبير محاولة منها لاجتذاب السائحين.

عدد الأجانب القادمين إلى تركيا شهريا
من كانون الثاني / يناير 2015 إلى شباط / فبراير 2017
في سوق اسطنبول المسقوف - أو السوق الكبير - وهو أحد أشهر المعالم السياحية في العالم وأكثرها جذبا للسائحين، يجلس التاجر إيرول أفشي خارج محل السجاد الذي يعمل فيه منذ 39 عاما، وهو يبحث عن زبائن.
يقول، "بدأت العمل هنا عندما كنت أبلغ من العمر 18 عاما، وهذه أسوأ فترة أمر بها. فقد انخفضت مبيعاتنا بنسبة 80 في المئة ولا نحقق أي ربح. لذا لا أتقاضى أي أجر."
يملك رب العمل اثنين من المحلات التي يديرها، أما الثالث فمستأجر، وهو يفكر الآن بتركه، كما فعل العديد من التجار. فالمحلات الخالية تملأ هذا السوق المتفرع الكبير.
هناك شعور بأن ثمة أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد، وبأن أيام الرخاء قد ولت.
بعد الإنهيار الإقتصادي الذي مرت به تركيا في عام 2001، والذي شهدت فيه البلاد تضخما مزمنا وانخفاض سعر العملة الى 1,5 مليون ليرة مقابل الدولار الأمريكي، تمكن أردوغان من اكتساب سمعة طيبة لكفائته الإقتصادية.
ففي عام 2011، اجتاز النمو الإقتصادي 10 في المئة، وأصبحت تركيا تعرف بالنمر الجديد وأسرع الإقتصادات نموا في مجموعة الدول العشرين.
لكن الهجمات الإرهابية والاضطرابات السياسية أدت إلى إنكماش الإقتصاد للمرة الأولى منذ عام 2009.
يزيد معدل البطالة الآن على 12 في المئة، أما الليرة التركية فقد فقدت ربع قيمتها مقابل الدولار منذ أواسط عام 2016.

يقول تيكين أجار، صاحب سلسلة من محلات بيع مستحضرات التجميل تعاني من الكساد، "نمر في أزمة إقتصادية. فبالرغم من أن أحدا لا يصف الوضع هكذا، نرى بأن المبيعات تنخفض وسيتعين علينا فتح محلات أقل مساحة يعمل فيها عدد أصغر من الموظفين."
قد يكون لهذا الوضع تأثير على نتيجة الإستفتاء. يرتشف علي أفجي الشاي خارج متجر الخزف الذي يملكه في السوق الكبير. درج علي وأسرته على التصويت لحزب العدالة والتنمية، ولكن الآن وللمرة الأولى تنوي الأسرة تحدي أردوغان والتصويت "بلا" في الإستفتاء.
يقول، "هذا تصويت احتجاجي على الوضع الإقتصادي ولكنه ايضا احتجاج على أكاذيب أردوغان التي نراها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي."
"تمر الآن أيام دون أن أرى زبونا واحدا. قد يكون بإمكاني التعايش مع هذا الوضع لسنة أخرى، ولكن بعد ذلك سأضطر لاغلاق المحل. الناس يخافون أن يقولوا إنهم سيصوتون بلا، ولكن كثيرين منهم سيفعلون ذلك."
يبدو أن هذا التوجه يزداد قوة، فبعض المصوتين التقليديين لحزب العدالة والتنمية سيتخلون عن معسكر "النعم" للتعبير عن غضبهم من الاضطراب الذي اتسم به العامان الماضيان.

متظاهرون معارضون في اسطنبول
قبيل إجراء الانتخابات العامة الأخيرة، كانت الصحف الموالية للحكومة تنشر عناوين مثل "حزب العدالة أو الفوضى". ولكن الفوضى وقعت رغم فوز الحزب. وإذا بدأت قاعدة أردوغان الشعبية بالتفكك، قد يسبب ذلك مشاكل له في الإستفتاء.
في الأسبوع الأخير من الحملة، منع حاكما اسطنبول وأنقرة تظاهرتين كبيرتين معارضتين بحجة عدم قدرتهما على ضمان الأمن. ولكن المظاهرات المؤيدة سمح لها بالخروج - بل أن الحكومة وفرت الحافلات مجانا لنقل أولئك الذين كانوا يريدون المشاركة فيها.
في رحلتي من مكتب بي بي سي في اسطنبول إلى مسكني، شاهدت 18 لافتة مؤيدة لأردوغان ولافتة معارضة واحدة فقط.
وفي بعض الأماكن، هوجم ناشطو حملة "لا" وفصل البعض من وظائفهم للترويج لآرائهم.
ما زال مؤيدو الحكومة يصرون على أن التحيز ضد أردوغان في الغرب غير مبرر ويؤكدون أن تركيا هي أكبر مضيف للاجئين في العالم وغير ذلك من الأمور.
أصبحت تركيا المعبر الرئيسي للاجئين المتوجهين إلى أوروبا، إذ كان الآلاف منهم يحاولون ليليا العبور من البر التركي إلى الجزر اليونانية ويغرق العديد منهم في البحر.

أبرمت تركيا اتفاقا مع الإتحاد الأوروبي لإيقاف هذا السيل يتضمن اعادة اولئك الذين ترفض طلبات لجوئهم إلى تركيا. ويعتقد على نطاق واسع أن الزعماء الأوروبيين خففوا من انتقاداتهم لأردوغان لحاجتهم لتعاونه في قضية اللاجئين والمهاجرين.
ولكن الغضب من الزعيم التركي المتقلب آخذ بالتصاعد في بعض العواصم الغربية. ودعا البرلمان الأوروبي إلى تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ينظر إلى الإستفتاء في تركيا نفسها على أنه نقطة تحول. فالتصويت "بنعم" سيعزز سلطة أردوغان بشكل غير مسبوق وقد يسمح له بالبقاء في الحكم حتى عام 2019 كما سيعني حصانته وأسرته من أي محاولة لمقاضاتهم.
أما التصويت "بلا" فلن يعني بالضرورة نهايته، ولكنه قد يعزز من حظوظ المعارضة لتشكيل تحد له.
ولكن مهما كانت النتيجة، لا شك بأن الفجوة بين تركيا والغرب اتسعت بشكل كبير.
يحمل البعض أردوغان مسؤولية ذلك، ولكن آخرين يقولون إن الإتحاد الأوروبيي هو السبب لأنه ضيع فرصة ذهبية تبلورت بعد بدء مفاوضات الانضمام في عام 2005 لإقناع أردوغان بإجراء اصلاحات جدية بعيدة الأمد.
عوضا عن ذلك، حسبما يقال، رضخ الإتحاد الأوروبي لخطاب متشدد روج له أمثال الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي الذي وصف انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي بأنه أمر "لا يمكن حتى التفكير فيه."
شعرت تركيا بأنها ستظل جالسة في غرفة الإنتظار ولن يسمح لها بالإنضمام للإتحاد الأوروبي.
قال ابراهيم كالين، الناطق باسم الرئيس التركي، "للأسف، تنظر أوروبا إلى الرئيس أدروغان وتركيا عامة باعتبارهما "الآخر" الذي يمكنها من تحويل مشاكلها الداخلية الى عدو مفترض."
ويمضي للقول، "هذا الموقف يعمق مشاعر عدم الثقة التي تسمم العلاقات بين تركيا وأوروبا من جهة وبين العالمين الإسلامي والغربي من جهة ثانية."
مما لاشك فيه أن لتركيا أهمية كبرى. فما تزال حليفا مهما للغرب في منطقة الشرق الأوسط، وفي الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي ناهيك عن كونها شريكا تجاريا مهما. ولتركيا دور محوري في محاولات إحلال السلام في سوريا وفي الحرب ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.
وبينما تحاول تركيا، بقليل من النجاح، أن تتوجه صوب روسيا ودول الخليج، يمكن لهذا التوجه أن يكون له تأثير جيوسياسي كبير. فلا يسع للغرب أن يخسر تركيا.
قال أردوغان مرة في أحد تصريحاته الشهيرة، "إن الديمقراطية مثلها مثل القطار. فإنك تترك القطار عندما تصل الى مبتغاك."
يعتقد يعضهم أن لأردوغان العديد من المحطات القادمة، بينما يعتقد آخرون أن البلاد تمر فيما يشبه تحطم قطار بالسرعة البطيئة. قد تكون هذه هي اللحظة الحاسمة لانهيار تركيا أردوغان.















