درنة: جثث مكدسة ومقابر جماعية "مخافة التحلل".. و"تجار الموت" يستفيدون

المتطوعون في فريق البحث والإنقاذ في درنة

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، المتطوعون في فريق البحث والإنقاذ يمشطون مدينة درنة بحثا عن مزيد من الناجين
    • Author, أميرة مهذبي
    • Role, بي بي سي

أنهى الفريق المسؤول عن البحث عن الناجين في مدينة درنة الليبية مهام عمله بعد عشرة أيام من إعصار دانيال الذي ضرب المدينة.

وذكرت هيئة السلامة الوطنية الليبية أن فريق البحث البحري لا يزال يعمل للعثور على جثث للضحايا.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن فريقا تابعا للمنظمة الدولية مُنِعَ من الوصول إلى درنة، بعد أن كان من المقرر أن يصلها أمس الثلاثاء.

وتتكدس آلاف الجثث في مدينة درنة. بعضها لفظه البحر والبعض أخرج من تحت الأنقاض، وعدد غير معلوم ما زال تحت المباني المهدمة بفعل السيول وأخذ في التحلل بفعل الزمن.

وباتت الجثث تشكل الآن أزمة كبيرة تضاف إلى أزمات إيواء المشردين وإسعاف المصابين وإنقاذ الناجين.

لماذا لم تدفن الجثث حتى الآن؟

نقص في الإمكانيات

يصف الدكتور محمد عوض القويني، عضو غرفة عمليات وزارة الصحة الليبية، وعضو فريق الإنقاذ والاستجابة السريعة لكشافة ومرشدات ليبيا، الوضع بالكارثي مع وجود أكثر من ثلاثة آلاف جثة في وقت واحد.

تحدثنا إلى الدكتور القويني وقال إن أحد أكبر المشاكل التي تواجههم هي التعرف على هويات أصحاب الجثث.

فهناك نقص كبير في فرق التحليل الجيني التي تأخذ عينات دي-إن-أيه من الجثث حتى يتم التعرف على أصحابها لاحقا.

أعداد الجثث الناتجة عن السيول تتجاوز أي قدرة للبلد على التعامل السريع معها

صدر الصورة، Getty Images

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

ويقول الدكتور القويني إن قسم الأدلة الجنائية التابع لوحدات البحث الجنائي حاول في البداية تصوير الجثث بغرض التعرف عليها لاحقا، لكن مع توافد أعداد هائلة منها اضطروا إلى غض الطرف عن هذا الأمر.

وتعاني المستشفيات أيضا من نقص في عدد ثلاجات حفظ الموتى التي تحتاجها لهذا العدد الهائل من الجثث بالإضافة إلى نقص في أكياس نقل الجثامين.

وتزيد حرارة الطقس في ليبيا الآن، التي تجاوزت الثلاثين درجة مئوية، من سرعة تحلل هذه الجثث المكدسة في الشوارع وفي ساحة المستشفى، وهو الأمر الذي دفع قوات الأمن والبحث الجنائي التابعة لوزارة الداخلية إلى اللجوء إلى الدفن الجماعي حتى يتمكنوا من دفن أكبر عدد ممكن في أسرع وقت، كما يقول الدكتور القويني.

تضرر البنية التحتية

ورغم توافد فرق إنقاذ دولية وتكثيف الجهود، ما زال الوصول إلى من هم تحت الأنقاض، أحياء كانوا أم أمواتا، بطيئا متعثرا بسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للمدينة.

وتقول الدكتورة أحلام العاملة في مستشفى درنة إن الطريق إلى المقبرة، وهي تقريبا الطريق الوحيدة الصالحة للاستخدام، مزدحمة بالنازحين وقوافل المساعدات، ما يعيق عمليات نقل الجثث.

ونظرا لعدم توافر سيارات مخصصة تكفي أعداد الجثث، تنقل غالبا في عربات عادية لأشخاص متطوعين.

وتشهد المدينة ازدحاما كبيرا، قد يسبب أزمة سير حتى في الظروف العادية، فما بالنا بهذا الظرف الذي تعيشه درنة بجسور مهدمة وطرق مغمورة بالطين والركام.

وقد بدأ هذه الازدحام يصعّب مهمة المنقذين والفرق المتخصصة العاملة على انتشال الجثث والناجين من تحت الأنقاض.

وقال العاملون في فرق الإنقاذ إن الهبّة التي هبتها مجموعات وأفراد متطوعون كانت تفتقر إلى التنسيق والتنظيم، ما جعل المساعدات تأتي بأثر عكسي في بعض الأحيان.

تُنقل أغلب الجثث على عربات المتطوعين

صدر الصورة، Getty Images

"الاطمئنان" زاد الوضع سوءا

"الاطمئنان أدى إلى إهمال في التجهيزات المعدة لهذه الأوضاع، ونتج عنه تقصير وعجز عن مواجهة الأزمة" كما تقول الصحفية الليبية نيفين الهوني.

فوقوع كارثة بهذا الحجم في ليبيا كان صادما. جغرافيا، تعتبر ليبيا آمنة نسبيا من الكوارث الطبيعية.

ولما عصفت "دانيال" بالبلاد وبدأ منسوب المياه في الارتفاع، بدأ السكان في المدينة يراقبون البحر خوفا من فيضان مياهه على بيوتهم لكن السدود كانت لهم بالمرصاد أيضا.

"كنا خائفين من البحر فجاءتنا الطعنة من الخلف" هكذا قال لي الدكتور فراس الزني، الطبيب في مستشفى درنة وهو أحد الناجين من الكارثة وشاهد على وقوعها من سطح بيته القريب من البحر.

يقول دكتور الزني إن ما حصل سابقة لم تكن أبدا في الحسبان.

وإن الطواقم الطبية والصحية غير مدربة لمواجهة مثل هذه الكارثة في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها مئة وعشرين ألفا كانوا يتعاملون مع عدد بسيط من الموتى يوميا ولم يتخيلوا أبدا أن يصلهم هذا العدد في يوم واحد.

وقال إن رائحة الموتى بدأت تزيد في شوارع درنة منذ الأيام الأولى، اشتمها وهو يجول بين الحطام بحثا عن أصدقاء وأقرباء ليعرف إن كانوا أمواتا أم أحياء.

وينقل عن مواطنيه وصفهم لما يحدث بالقول إن "درنة قامت قيامتها".

لكن درنة لم تكن مستعدة لما حدث. لا المستشفيات مجهزة بما يكفي لمثل هذه الكارثة، ولا فرق الإنقاذ لديها بروتوكولات وخطط تتبعها في مثل هذه الأزمات، وهذا ما أحدث فوضى أدت في بعض الأحيان إلى تعطيل جهود الإنقاذ.

ويقول دكتور الزني، وشهود عيان في درنة إن عسكريين بعرباتهم جرفتهم المياه عندما هبوا للتدخل في البداية. وإن عددا كبيرا مات لعدم وجود فرق إنقاذ متخصصة.

عطلت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمباني جهود الإنقاذ

صدر الصورة، Getty Images

شروط دينية للدفن وفتوى للتخفيف

ليبيا بلد ذو أغلبية مسلمة، تحكم عمليات دفن الموتى فيه قواعد تحددها الشريعة الإسلامية.

أول القواعد الإسراع في دفن الميت إكراما له. ويستوجب الدفن غسلا بطريقة محددة للجثة وتكفينا في قماش جرت العادة أن يكون أبيض.

لكن في ظل كارثة بهذا الحجم وأعداد جثث بلغت الآلاف، يتعذر اتباع هذه القواعد.

وقد انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا نداءات تطوع لغسل جثث الموتى، خاصة النساء.

وتوافدت أعداد من المتطوعين على درنة للمساعدة في غسل الموتى وتكفينهم ودفنهم على الطريقة الإسلامية.

لكن يبدو أن أعدادهم لا تستطيع مجاراة نسق توافد الجثث.

وتحتاج الجثامين أيضا إلى أكفان. وهو في العادة قماش أبيض تلف به الأجساد بعد الغسل ولا يوجد منه ما يكفي آلاف الجثامين الآن في درنة.

وبين واجب اتباع هذه الإجراءات في الدفن وبين سيل الجثث الذي يتزايد وبدأ أغلبها في التحلل مع نقص الإمكانيات، يبحث الليبيون في درنة عن فتوى تسهل عليهم الأمر.

وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وسم #لا_تنتظروا_الأكفان، يدعو من خلاله الناس إلى دفن موتاهم بدون أكفان.

ويسأل آخرون عن أحكام تسهل شروط غسل موتى الفيضانات.

وأصدرت دار الإفتاء الليبية، تجاوبا مع الأزمة، فتوى جاء فيها:

"...إذا نزل الأمر الفظيع وكثر الموتى جدا لا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم".

وعن الأكفان تقول الفتوى دار الإفتاء إنها قد تكون "من القماش أو غيره، جديدا أو قديما، أبيض أو غير ذلك"، وإنه "يجوز عند الضرورة أن يكفن عدد من الأموات في كفن واحد وأن يدفنوا في قبر واحد ولو كانوا رجالا ونساء".

وقد تساعد هذه الفتوى في تخفيف أزمة دفن الجثث التي أخرجت من البحر أو من تحت الأنقاض وعرفت هويات أصحابها، لكن أعدادا أكبر بكثير تحتاج إلى أكثر من غسل وكفن.

أهمل X مشاركة
هل تسمح بعرض المحتوى من X؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع X. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع X وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

نهاية X مشاركة

"تجار الأزمات"

أخبرتني الصحفية الليبية نيفين الهوني، التي فقدت هي أيضا أفرادا من عائلتها، أن سعر قماش الكفن في ليبيا وصل إلى مئتي دينار أو أكثر، أي نحو أربعة أضعاف سعره في الأيام العادية.

وانتشرت على مواقع التواصل في ليبيا فيديوهات من مواطنين يشتكون من استغلال بعض تجار القماش للأزمة في درنة لرفع أسعار قماش الكفن.

وتجاوبا مع هذه النداءات نفذت الشرطة الليبية حملات تفقد لبعض محلات القماش أغلقتها وصادرت محتوياتها.

وقماش الكفن ليس الوحيد الذي ارتفعت أسعاره في هذه الأزمة، حتى المواد الغذائية الأساسية، وجد بعض تجارها في أزمة درنة فرصة للتربح والاستفادة من المصاب الذي لم يطلهم كأفراد رغم أن صداه أثار الألم والحزن في قلوب الناس حول العالم كله.

بعد أسبوع من الكارثة عدد كبير من الجثث لم يدفن بعد

صدر الصورة، Getty Images