السمنة: ماذا يعني أن تكون نحيفاً من الخارج، بديناً من الداخل؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, سمية نصر
- Role, بي بي سي عربي
- مدة القراءة: 7 دقائق
النحافة تساوي صحة جيدة. معادلة مألوفة لدى الكثير من المجتمعات الحديثة ساعدت وسائل الإعلام ومن بعدها الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في ترسيخها. لكن ماذا لو كان الميزان والمرآة لا يعطيان الصورة الكاملة؟ هل يمكن أن يبدو الشخص رشيقاً لكنه يحمل دهوناً خفية تهدد صحته؟
فما هي بالضبط تلك الدهون، ولماذا تعد خطيرة، وكيف يمكن التخلص منها؟
"نحيف بدين"
مصطلح "skinny fat" باللغة الإنجليزية، الذي يعني حرفياً "النحيف البدين" ليس له تعريف موحد متفق عليه، ولا يعد مصطلحاً علمياً، لكنه يستخدم إعلامياً للإشارة إلى شخص لديه كمية صغيرة نسبياً من الدهون تحت الجلد في الجزء العلوي من الجسم وحول الأرداف. لكن هذا الشخص عادة ما تكون كتلة الدهون لديه مرتفعة مقارنة بالكتلة العضلية، وعادة ما يبدو "نحيفاً"، لكن أحياناً يكون له "كرش" أو بطن بارزة، وقد يكون لديه نسبة مرتفعة من الدهون الداخلية.
هذا النوع، الذي يسمى أيضا الدهون "الحشوية" أو "النشطة" أو "الخفية"، عبارة عن طبقة من الدهون توجد في عمق تجويف البطن وتحيط بعدد من الأعضاء الداخلية، من بينها القلب والكليتان والكبد والمرارة والأمعاء والبنكرياس.
مخاطر الدهون الداخلية
"تؤدي مخازن الدهون المتوزعة في الجسم وظائف مختلفة نوعاً ما"، وفق البروفيسور فريدريك كارب أستاذ طب الأيض بجامعة أوكسفورد والرئيس المشارك لمجموعة بحثية تركز على وظائف الأنسجة الدهنية والآثار الأيضية للسمنة. "فالدهون التي توجد تحت الجلد في الجزء العلوي من الجسم تلعب دوراً مهماً في الاستجابة لهرمونات التوتر (الأدرينالين)...وهو ما يعد مفيداً لأن بإمكانها تزويد العضلات بالطاقة التي تحتاجها (للفرار من الخطر مثلاً)، في حين أن الدهون المحيطة بالأرداف والموجودة في الساقين لا تستجيب بشكل كبير لهرمونات التوتر ومن الصعب إطلاقها. وهذا يجعل دهون الجزء السفلي من الجسم ملاذاً آمناً للتخزين طويل الأمد في الجسم، ويجنب الأعضاء الأخرى مثل الكبد والبنكرياس تخزين الدهون الضارة لها".
أما الدهون الداخلية فوظيفتها حماية الأعضاء الداخلية التي تحيط بها. لكن تراكم كميات كبيرة منها من الممكن أن يؤدي إلى مخاطر صحية.
هذه الدهون تستجيب هي الأخرى لهرمونات التوتر "لكن بسبب موقعها التشريحي والكيفية التي تنقل بها الأوعية الدموية الدم من الدهون الداخلية، فإن الدهون التي تُطلَق في هذا الموقع تصل إلى الكبد أولاً"، وفق البروفيسور كارب.
وتقول البروفيسورة نيتا غاندي فوروهي أستاذة الصحة السكانية والتغذية ومديرة برنامج الأوبئة الغذائية بجامعة كامبريدج البريطانية لـ بي بي سي عربي إن " الدهون الداخلية تتصرف بشكل يختلف عن الدهون الموجودة تحت الجلد: فهي نشيطة من الناحية الأيضية وتطلق أحماضاً دهنية وسايتوكينات التهابية (بروتينات تلعب دوراً في الاستجابة المناعية للعدوى) وهرمونات تضع حملاً زائداً على الكبد وتؤدي إلى مقاومة الإنسولين وتراكم البروتينات الدهنية المسببة لتصلب الشرايين. وهذا يسهم في الإصابة بمتلازمة الأيض ويزيد من خطر الإصابة بمرض النوع الثاني من السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية في المستقبل، التي ترتبط بالوفاة المبكرة".
وبسبب هذا النشاط الأيضي تعد الدهون الداخلية أكثر خطورة من الدهون الظاهرة التي توجد تحت الجلد مباشرة.
كما أن بعض الدراسات تشير إلى وجود علاقة بين صحة الدماغ والدهون الداخلية. على سبيل المثال، وجدت دراسة أجرتها على مدى 16 عاماً جامعة بن غوريون بالتعاون مع باحثين من جامعات هارفارد وتولين ولايبزيغ ونشرت نتائجها أواخر مارس/آذار الماضي، أن انخفاض الدهون الداخلية التراكمية يرتبط بالحفاظ على حجم الدماغ وارتفاع درجات الأداء المعرفي في المرحلة المتأخرة من منتصف العمر. كما توصلت دراسة أجرتها جامعة جوزو الطبية الصينية ونشرت نتائجها في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي إلى وجود علاقة بين تراكم الدهون الداخلية وتقلص حجم الدماغ وانخفاض سرعة التفكير.

صدر الصورة، Getty Images
كيف تعرف أن لديك دهوناً داخلية مفرطة؟
مؤشر كتلة الجسم (BMI)، الذي يحسب بقسمة الوزن بالكيلوغرام على مربع الطول بالمتر، ليس مقياساً جيداً للدهون الداخلية، فمن الممكن أن يقع الشخص ضمن المعدل الطبيعي وفقاً لهذا المؤشر، أي أنه لا يعاني من الوزن الزائد أو السمنة، ولكن قد تكون لديه تراكمات من الدهون الداخلية. فهل هناك أي علامات تشير إلى احتمال وجود تلك التراكمات؟
"البطن التقليدي (البطن البارزة المستديرة)، هي أكثر العلامات ظهورا"، هكذا أخبرني البروفيسور ستيفين هيمسفيلد أستاذ الأيض وتكوين الجسم (Body Composition) بجامعة ولاية لويزيانا الأمريكية، مضيفاً: "لكن قياس محيط الخصر أفضل". فمحيط الخصر الكبير قد يعني وجود كمية مفرطة من الدهون حول الأعضاء.
توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا بألا يزيد محيط الخصر عن 94 سم عند الرجال و80 سم عند النساء. وتوصي الهيئة كذلك بطريقة أخرى هي قسمة الطول على محيط الخصر بالسنتيمتر: إذا كانت النتيجة ما بين 0.4 إلى 0.49 فذلك يعني معدلاً صحياً، أما إذا كانت 0.5 فأكثر فهذا يعني زيادة احتمالات المخاطر الصحية.
هناك طرق أكثر دقة لقياس حجم الدهون الداخلية بالضبط. يقول البروفيسور هيمسفيلد إن "المعيار "الذهبي" في القياس هو التصوير بالأشعة المقطعية وأشعة الرنين المغناطيسي، ثم التصوير بالأشعة السينية مزدوجة الطاقة DAX (وهو أقل تكلفة مقارنة بالأشعة المقطعية)".
في غالبية الأحيان يزداد احتمال تراكم دهون داخلية لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو الوزن الزائد، لكن "حتى بين الأشخاص الذين يعانون من سمنة واضحة، يظل التفاوت الفردي في مستويات الدهون الداخلية كبيراً".
لكن ما مدى شيوع الدهون الداخلية لدى الأشخاص الذين تصنف أوزانهم على أنها "طبيعية"؟
يقول هيمسفيلد إنها "ليست شائعة، لكنها تزداد مع التقدم في السن".
ويشير البروفيسور كارب إلى أن "الرجال في أغلب الأحيان لديهم دهون داخلية أكثر من النساء، لكن النساء يلحقن بهم بعد مرحلة انقطاع الطمث".

صدر الصورة، Getty Images
خطر التركيز الزائد على المظهر
لربما كان تركيز المجتمع الزائد على النحافة واعتبارها معياراً للصحة الجيدة من الأسباب التي قد تؤدي إلى التقليل من المخاطر الصحية التي يواجهها أشخاص ذوو قوام ممشوق لكن لديهم نسبة مرتفعة من الدهون الداخلية.
تقول البروفيسورة فوروهي إن مفاهيم مثل "وزن طبيعي لكن صحة أيضية غير جيدة"، و"وزنه طبيعي لكنه بدين من الناحية الأيضية" أو "نحيف من الخارج، بدين من الداخل" تشير إلى أن "مؤشر كتلة الجسم الطبيعي قد لا يضمن بالضرورة صحة أيضية جيدة".
علاقة قوية بنمط الحياة
يشير البروفيسور كارب إلى أن تناول الكحول له تأثير واضح على تراكم الدهون الداخلية، " وهناك افتراض بأن الإسراف في استهلاك السكر قد يسهم [في تراكمها]، وقد تمت دراسة ذلك عند الأطفال بشكل خاص".
كما أن جودة النظام الغذائي لها تأثير كبير على الدهون الداخلية وصحة الأيض، تأثير يتخطى الوزن.
تقول البروفيسورة فوروهي: "على مدى عقود، كان يعتقد أن النظام الغذائي يؤثر على حالات تتعلق بصحة الأيض مثل النوع الثاني من مرض السكري بشكل أساسي عبر "مسارات السمنة"، أو بمعنى آخر، عندما يتناول الناس كميات مفرطة من السعرات الحرارية، تزداد أوزانهم وتتراكم الدهون الداخلية في أجسامهم، ثم تتسبب هذه الدهون الزائدة في أمراض الأيض. هذا النموذج مهم لكنه ليس مكتملاً. فنحن نعرف الآن أن السعرات الحرارية ليست كلها متساوية، وأن جودة النظام الغذائي – أي النمط العام للأطعمة التي نتناولها – تلعب دوراً قوياً في تكوين الدهون الداخلية وصحة الأيض، حتى لو كان وزن الجسم متساوياً".
تضيف فوروهي أن "جودة النظام الغذائي تعكس مدى كون النظام الصحي للفرد بشكل عام صحياً، دون الاقتصار على عدد السعرات الحرارية أو النظر إلى غذاء أو عنصر غذائي واحد على أنه "ضار". الدراسات طويلة الأمد أظهرت أن الأشخاص الذين يحصلون على أعلى درجات في تقييم جودة النظام الغذائي لديهم نسبة أقل من الدهون الداخلية ودهون الكبد مقارنة بنظرائهم الذين لديهم نفس إجمالي نسبة الدهون في الجسم أو مؤشر كتلة الجسم (BMI). النظام الغذائي المرتبط بصحة أيضية أفضل يعمل عبر عدة مسارات مترابطة".
من بين هذه المسارات، وفقاً لفوروهي:
-التحكم في مستويات الإنسولين وسكر الدم
-تقليل دهون الكبد ودهون الدم
-تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي
-تحسين الميكروبايوم المعوي والنواتج الأيضية
-تحسين توزيع الدهون و"اللياقة الأيضية": مع الوقت، هذه الآليات تفضل تخزين كمية أكبر من الدهون في مخازن تحت الجلد أكثر أماناً (في الأرداف والأفخاذ) بدلاً من تراكمها حول الأعضاء الداخلية.

صدر الصورة، Getty Images
تقول البروفيسورة فوروهي إن الأنماط الغذائية التي ترتبط بتقليل الدهون الداخلية وتعزيز الصحة العامة تشمل " النظام الغذائي المتوسطي و"النظام الغذائي الصحي للكوكب" أو أي أنظمة مشابهة تعتمد بالأساس على النباتات وتكون غنية بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والألياف والدهون غير المشبعة من الأسماك والمكسرات والبذور والزيوت النباتية، ومنخفضة الكربوهيدرات المكررة والمشروبات المحلاة بالسكر وبدائله واللحوم الحمراء والمصنعة والدهون الصناعية المشبعة والمتحولة والأطعمة فائقة المعالجة".
وتلفت فوروهي إلى أن جودة النظام الغذائي تؤثر على كافة مخازن الدهون في الجسم سواء كانت تحت الجلد أو محيطة بالأعضاء، لكن الدهون الداخلية أكثر نشاطاً و"استجابة" للنمط الغذائي الصحي أو غير الصحي.
وقد أشارت بعض الدراسات إلى وجود صلة بين قلة الحركة وزيادة الدهون الداخلية. على سبيل المثال، أشارت دراسة أجريت في اليابان عام 2023 بهدف رصد التغيرات التي طرأت على المشاركين خلال وباء كوفيد-19، إلى أن زيادة السلوك الخامل أو قلة الحركة ارتبطت بشكل ملحوظ بزيادة مساحة الدهون الداخلية لديهم.
يحثنا المثل الإنجليزي الشهير على عدم الحكم على الكتاب من غلافه، ويخبرنا العلم الحديث بألا نجعل المرآة أو أرقام الميزان المعيار الوحيد للصحة. فتلك الدهون الداخلية التي تختبئ حتى في أجسام أصحاب القوام الرشيق من الممكن أن تكون بمثابة تهديد صامت يزيد من احتمال الإصابة بأمراض خطيرة. الحل؟ زيادة الحركة والكتلة العضلية واتباع نظام غذائي صحي وإنقاص الوزن إذا كنت تعاني من زيادة الوزن أو السمنة.





























