جثث مشوهة و"آثار تعذيب"، كيف يتعرف فلسطينيون على ذويهم في قطاع غزة؟

إعداد رفات فلسطينيين مجهولي الهوية عند مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب قطاع غزة

صدر الصورة، EPA

التعليق على الصورة، إعداد رفات فلسطينيين مجهولي الهوية عند مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب قطاع غزة
    • Author, حسام العسال
    • Role, بي بي سي عربي
  • تحذير: بعض التفاصيل الواردة في التقرير مزعجة

في قاعة في مستشفى ناصر في خان يونس، عيون تحدق في صور جثث بدأت بالتحلل، علّها تتعرف على جثامين أقارب فُقدوا خلال الحرب في قطاع غزة.

يدعو كثيرون منهم الله أن يدلهم على معرفة جثمان أقاربهم، ليطمئنوا إلى قبره، لكن العشرات من الجثامين دُفنت لاحقاً كأرقام ومجهولي الهوية في مقبرة جماعية، فلم يعرفهم أحد.

لم ينته الأمر عند هذا الحد، فأطباء ومن عاينوا الجثامين قدموا روايات عن "آثار تعذيب" وُجدت على بعض الجثث.

فلسطينيون يحاولون التعرف على المفقودين خلال الحرب في قطاع غزة بين صور الجثامين التي تُعرض في مستشفى ناصر في خان يونس

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images

التعليق على الصورة، فلسطينيون يحاولون التعرف على المفقودين خلال الحرب في قطاع غزة بين صور الجثامين التي تُعرض في مستشفى ناصر في خان يونس

95 مجهول الهوية في مقبرة جماعية

مقبرة لمجهولي الهوية في دير البلح في قطاع غزة

صدر الصورة، المكتب الإعلامي الحكومي بغزة

التعليق على الصورة، مقبرة لمجهولي الهوية في دير البلح في قطاع غزة

في دير البلح وسط قطاع غزة، دُفنت جثامين 95 فلسطينياً لم يجرِ التعرف والاستدلال عليهم، في مقبرة جماعية، بعد تسلمهم من إسرائيل في إطار عملية تبادل الجثامين بعد وقف الحرب في قطاع غزة.

وتقول صحيفة يديعوت أحرونوت إن إسرائيل تُسلم 15 جثة فلسطينية مقابل تسلمها لجثة رهينة إسرائيلية واحدة.

وبدأ تسليم جثث الفلسطينيين في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ووصل عدد الجثامين المسلمة إلى 195 جثة.

وأقيمت مراسم الدفن بطقوس إسلامية، وأدى مفتي خان يونس الشيخ إحسان عاشور صلاة الجنازة على الجثامين.

فلسطينيون يؤدون صلاة الجنازة على جثامين مجهولة الهوية قبل دفنها في مقبرة جماعية في دير البلح

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، فلسطينيون يؤدون صلاة الجنازة على جثامين مجهولة الهوية قبل دفنها في مقبرة جماعية في دير البلح

وتحدث عاشور لبي بي سي، عن وجود جثث متحللة ولها رائحة، ولا يمكن الانتظار طويلاً بدون دفنها في ظل عدم وجود ثلاجات كافية لحفظها لمدة طويلة.

وأضاف عاشور أن الجثامين دُفنت من خلال حفظ علامات وأرقام معينة، وإذا حدث تعرف على جثث معينة، سيجري تغيير الرقم باسم صاحب الجثمان.

ما هي إجراءات التعامل مع الجثامين؟

قال مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة منير البرش لبي بي سي، إن لجنة مختصة تتسلم الجثامين وهي مشكلة من وزارتي الصحة العدل، والنيابة العامة والطب الشرعي.

وتُجرى فحوصات للجثامين لتوثيق العلامات والمقتنيات في حال توافرها، ثم تُنشر صور للجثامين ومقتنيات وعلامات مرفقة برمز خاص.

وإذا تعرف أشخاص على صاحب الجثمان من خلال الصور والمقتنيات يتوجه الأهالي للجنة المختصة في المستشفى الميداني بمجمع ناصر الطبي في خان يونس للإدلاء بشهاداتهم، قبل تحديد موعد استلام الجثة وفق الإجراءات.

أما الجثث التي لم يتعرف عليها أحد فيُحتفظ بها لفترة قبل دفنها.

وأشار البرش إلى أن تسليم الجثامين كان يُفترض أن يكون عبر كشوفات يُسلمها الجانب الإسرائيلي، لكن لم تُسلم سوى ستة كشوفات، مضيفاً: "عندما كشفنا على أرقام هويات الكشف … وجدنا أنها لأسماء لكبار سن أحياء في غزة".

"قلبي محروق"

موظف يفحص بطاقة رفات فلسطيني أفرجت عنه إسرائيل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن في غزة

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، موظف يفحص بطاقة رفات فلسطيني أفرجت عنه إسرائيل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن في غزة
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

يدعو مروان أبو حرب الله من أجل أن يجد جثمان نجله حتى يتمكن من دفنه.

فقد مروان نجله منذ أول أيام الحرب، ولم يتعرف على ابنه من بين الصور المنشورة، مضيفاً لبي بي سي: "نسأل الله أن نجده وندفنه، ونعرف أن له قبر ونقرأ له سورة الفاتحة".

وقال مروان إن المدفونين في دير البلح ليست لهم ملامح ونقول للعالم إن أبناءنا ليسوا أرقاماً.

وأعلنت وزارة الصحة في القطاع التعرف على هوية جثامين 75 فلسطينياً من قبل ذويهم، عبر رابط إلكتروني نُشرت فيه صور الجثامين ومتعلقاتهم.

وتصر أم إبراهيم على البحث عن نجلها بين الصور، فيما تتحدث امرأة أخرى لم تُفصح عن اسمها لبي بي سي، عن غياب الملامح عن الجثامين، وعبرت عن الأسى والحسرة على دفنهم بدون التعرف عليهم، مضيفة: "قلبي محروق".

أما أكرم مناصرة فتمكن من التعرف على نجله، وقال لبي بي سي "تعرفت عليه من شامة في وجهه، وأسنانه".

ولا تزال إسرائيل تحتجز مئات الجثث لفلسطينيين قُتلوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقا لوكالة رويترز للأنباء.

وتتولى اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية نقل الجثامين للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتحث الطرفين على "ضمان التعامل مع الجثامين بكرامة".

مركبات للصليب الأحمر تنقل جثث فلسطينيين سلمتهم إسرائيل، تتوقف عند مستشفى ناصر في خان يونس في قطاع غزة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025

صدر الصورة، NurPhoto via Getty Images

التعليق على الصورة، مركبات للصليب الأحمر تنقل جثث فلسطينيين سلمتهم إسرائيل، تتوقف عند مستشفى ناصر في خان يونس في قطاع غزة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025

فحص الحمض النووي

لم تتمكن السلطات الصحية في القطاع من التعرف على هوية الجثامين عن طريق فحص الحمض النووي (DNA).

وأوضح البرش لبي بي سي، أن الجيش الإسرائيلي دمر كل المختبرات القادرة على إجراء هذا الفحص خلال الحرب.

وأُخذت عينات من الجثامين قبل دفنها، لفحصها لاحقاً حين تتوافر المختبرات القادرة على إجراء فحص الحمض النووي.

اتهامات بالتعذيب والانتهاكات

التعليق على الفيديو، اتهامات بوجود "أثار تعذيب" على جثامين فلسطينيين سلمتها إسرائيل إلى غزة

وبعد معاينة الجثث وفحصها، اتهمت جهات عدة الجانب الإسرائيلي بارتكاب انتهاكات بحق أصحاب هذه الجثامين، وهو ما نفته إسرائيل.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل لوكالة فرانس برس إن معظم الجثث وصلت إلى مستشفى ناصر في خان يونس "في حالة سيئة للغاية".

وتحدث البرش لبي بي سي، عن وجود "تنكيل وتهشيم، وتعذيب وإطلاق نار عن قرب في الرأس والصدر، وإعدام ميداني وحرق لجثث بعد قتلها، وتمثيل ببعض الجثث وتشريح …".

وأضاف البرش: "استلمنا ثلاثين جثة الأربعاء، وكانت مسحوقة … كما يقال في الطب الشرعي بين قوتين متعاكستين، يعني الأرض وآلية عسكرية ضخمة …".

وتابع: "لا تزال تعلق في ذهني جثة عليها آثار جنزير".

أما رئيس إدارة الجثامين في وزارة الصحة في غزة أحمد ضهير فقال لبي بي سي، إن "الطب الشرعي أظهر وجود إصابات وكدمات على الجثامين".

وأشار ضهير إلى "استخراج عيارين ناريين من الجثامين"، ووجود "جثث مقيدة المعصمين والكاحلين وأخرى عليها آثار التقييد، كما وصلت جثتان معصوبتا العينين".

جثث مجهولة الهوية قبل دفنها في مقبرة جماعية في دير البلح وسط قطاع غزة

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، جثث مجهولة الهوية قبل دفنها في مقبرة جماعية في دير البلح وسط قطاع غزة

ووصفت المتحدثة باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي شوش بيدروسيان التقارير الواردة من غزة بأنها "مجرد جهود أخرى لتشويه صورة إسرائيل".

أما الجيش الإسرائيلي فعلق بقوله إنه "يعمل وفقاً للقانون الدولي بشكل صارم".

وعاينت بي بي سي بعض صور الجثامين التي نشرتها وزارة الصحة لإتاحة الفرصة لذويهم للتعرف عليهم، ولاحظت وجود إصبع إبهام مقطوع في القدم اليسرى لإحدى الجثث، ورباط قماشي مربوط على رقبة جثة، وآثار قيود على مفصلي قدم إحدى الجثث.

كما تبين لها من معاينة الصور وجود إصبع يد مقطوع، وقيد بلاستيكي حول يدي جثمان مقيد من الخلف، وأثار قيود عند مفصل الكف وعلى الساعدين وقرب المرفق، وجثة معصوبة العينين.

ورد الجيش الإسرائيلي على اتهامات بانتزاع أصبع أو أكثر من الجثث، بقوله إن "جميع الجثث التي أُعيدت حتى الآن تعود لمقاتلين داخل قطاع غزة". ونفى الجيش ربط أي جثث قبل الإفراج عنها.