ما مدى تأثير مظاهرات دمشق على العلاقات بين مصر وسوريا؟

صدر الصورة، رئاسة الجمهورية المصرية
في محاولة لتهدئة الأجواء مع القاهرة، أصدرت وزارة الخارجية السورية بياناً أعربت خلاله عن استنكارها للهتافات المعادية لمصر ورئيسها، التي رُددت خلال إحدى التظاهرات في دمشق.
وكانت مظاهرة تضامنية مع أهالي قطاع غزة خرجت في سوق الحميدية في قلب دمشق الأسبوع الماضي، وردد المشاركون فيها عبارات وشعارات مسيئة لمصر وحملت إهانات للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وطالب المتظاهرون بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات للقطاع.
بيان الخارجية السورية قال إن تلك التصرفات لا تعكس على الإطلاق مشاعر الشعب السوري تجاه مصر قيادةً وشعباً، ولا تمثل إلا من قام بها. وشددت الوزارة على حرص سوريا على تعزيز أواصر العلاقات السورية المصرية والتمسك بها.
كما أكد البيان أن البعض استغل هذا الحادث لتعكير ما وصفه بصفو العلاقات بين مصر وسوريا.
كما جددت وزارة الخارجية السورية خلال بيانها تقديرها الكبير واحترامها لـ"مصر الشقيقة وشعبها الكريم" الذى احتضن مئات الآلاف من السوريين خلال السنوات الماضية، معربة عن اعتذارها عما بدر من إساءة لمصر خلال مظاهرات شهدتها العاصمة دمشق مؤخراً، حسب البيان.
ضجر في الأوساط المصرية
الحادث أثار غضباً كبيراً في الأوساط المصرية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدّر عناوين الصحف الكبرى في مصر، إذ عبّر الكثير من الإعلاميين والسياسيين عن استيائهم من الإساءة لمصر.
لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل عبّر الكثير من البرلمانيين والسياسيين عن غضبهم من الحادث، واعتبروه تحركاً مشبوهاً تقف وراءه "أطرافٌ مأجورةٌ" تسعى لتشويه صورة مصر وتقليص دورها، بحسبهم.
واعتبر برلمانيون، عبر موجة من التصريحات الإعلامية، أن هذه التظاهرة لا تعبّر عن الشعب السوري، وإنما جاءت "من قِلة مأجورة تخدم أجندات خارجية وتستهدف العلاقة بين البلدين".
وأكدوا أن هذه التصرفات تأتي في توقيت شديد الحساسية، يشهد إعادة ترتيب للأولويات في المنطقة، خاصة مع احتدام الأوضاع في فلسطين وتزايد التحديات الإقليمية.
اتهامات للنظام السوري بدعم المظاهرة
بعض الإعلاميين والسياسيين المؤيدين للنظام المصري لم يكتفوا باستنكار الحادث، وإنما اتهموا النظام السوري بالوقوف وراءه.
من هؤلاء السياسيين، الإعلامي الشهير وعضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري الذي قال في تدوينة له على موقع إكس "إن هذه المظاهرة تمت بتحريض من أصحاب القرار وحكام سوريا". وأردف أن المتظاهرين كان عليهم أن يتظاهروا ضد ما وصفه "بالتفريط في الحقوق الوطنية السورية واحتلال إسرائيل لمساحات شاسعة من الأراضي السورية أو ضد تدمير القدرات العسكرية"، على حد تعبيره.
وجاء معه على نفس الخط الإعلامي المصري أحمد موسى الذي قال في برنامجه على إحدى الفضائيات المصرية، إن مظاهرات دمشق هي مشهد عبثي، وأن هناك مقاطع فيديو تُظهر أشخاصاً يقرأون تعليمات من هواتفهم أثناء المظاهرة، ما يكشف أن التحركات لم تكن عفوية، بل جزء من خطة منظمة تستهدف الإساءة لمصر، بحسب وصفه.
استنكار سوري
بادر عدد من المفكرين السوريين البارزين باستنكار الإساءة لمصر على لسان بعض المتظاهرين في دمشق، وأكدوا على ما وصفوه بدور مصر المهم والمحوري في المنطقة.
من هؤلاء المفكرين، الكاتب والمفكر السوري الشهير محمد أرسلان الذي رفض الإساءة لمصر، وشدد على مكانتها التاريخية، وأنها احتضنت السوريين منذ بداية الحرب الأهلية حتى الآن، وأنها – بحسب تعبيره – كانت الملاذ الآمن للفارّين من الفوضى والصراعات سواءٌ في ذلك السوريون، أو الفلسطينيون، أو السودانيون، أو غيرهم، ولم تُقِم لهم مخيمات كباقي الدول، بل استقبلتهم بين شعبها، على حد تعبيره.
كما انتقد حسين الشرع والد الرئيس السوري أحمد الشرع، ما وصفها ببعض الأصوات السورية التي تحاول الإساءة إلى مصر، مؤكداً أن أي إساءة لمصر هي إساءة لبلاد الشام باعتبار أن الدولة المصرية الأخ الأكبر لكل البلاد العربية تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً.
وأكد والد الرئيس السوري في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على فيسبوك، أن "الشام ومصر صنوان لا تفريق بينهما، وأن من يسيء لمصر كأنما يسيء لأمة العرب والمسلمين"، مشيراً إلى أن "مصر لها دور وتاريخ وهذا لا يجوز المساس به، وبقدر ما تكون مصر قوية وقادرة بقدر ما يكون للعرب قوة وقدرة"، مضيفا: "سوريا ومصر، بل بلاد الشام كانت على الدوام وحدة واحدة في الآلام والكوارث وفي الرخاء والنعيم".
ومن جانبه أكد أيضاً رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رفضه الكامل للهتافات التي انطلقت في تظاهرة دمشق ونالت من الدولة المصرية، معتبراً أن هذه الأصوات لا تمثل الشعب السوري وموقفه من مصر.
وشدّد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان على أن من أطلقوا تلك الهتافات المسيئة لمصر كان عليهم أن يوجهوها إلى القواعد الإسرائيلية التي تبعد عن مكان تلك التظاهرات عدة كيلومترات قليلة، و"الذي يحتل هضبة الجولان، علاوة على التمركزات العسكرية التي أقامها الجيش الإسرائيلي قرب القنيطرة، بالإضافة إلى احتلاله أجزاءً موسعة من جبل الشيخ، ومناطق تقع بالقرب من العاصمة السورية دمشق"، بحسب تعبيره.
كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد زار مصر بعد نحو 4 أشهر من توليه الحكم في سوريا، حيث التقى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء ثنائي على هامش "القمة العربية الطارئة" بالقاهرة في مارس/آذار الماضي. وجاء اجتماع السيسي والشرع الأول بعد سلسلة من خطوات أبدتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة بعد تهنئته بالمنصب الرئاسي.
كما جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الجاري - التأكيد على الموقف المصري الثابت بشأن الحفاظ على "وحدة سوريا وسلامة أراضيها ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يضمن استعادة سيادتها الكاملة وصون مقدرات الشعب السوري"، مضيفاً أن المسار السياسي الشامل بمشاركة جميع مكونات الشعب السوري يُعد الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار المستدام.
ويمثل السوريون المقيمون في مصر ثاني أكبر جالية أجنبية بعد السودانيين، بحسب ما نشرته صحيفة الأهرام الحكومية المصرية في مطلع العام الجاري. وتقول الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن مصر استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين بعد اندلاع الحرب في 2012، وإن عدد اللاجئين السوريين في مصر ارتفع بشكل كبير من 12,800 في نهاية عام 2012 إلى أكثر من 147,000 شخص في نهاية عام 2024. ونتيجة للأزمتين السودانية والسورية، تستضيف مصر الآن أكبر عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء في تاريخها بما تجاوز مليون شخص مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر حتى يونيو حزيران 2025 - بحسب المفوضية.








