ترامب يُخاطر بدفع العالم إلى عصر "صراع الإمبراطوريات والحكام المستبدين"

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرتدي بدلة بدون رابطة عنق وحوله عدد من المسؤولين أثناء متابعة العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، دونالد ترامب وحوله عدد من المسؤولين أثناء متابعة العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا
    • Author, جيريمي بوين
    • Role, محرر الشؤون الدولية - بي بي سي

بعد ساعات قليلة من إطاحة القوات الخاصة الأمريكية بنيكولاس مادورو، من قصره ومنصبه كرئيس لفنزويلا، كان دونالد ترامب مازال يعيش حالة الإعجاب التي سيطرت عليه (بأداء القوات الأمريكية) بينما كان يتابع البث المباشر للعملية من قصره في مار-أيه-لاغو.

وقد عبر عن مشاعره لقناة فوكس نيوز، وقال: "لو رأيتم السرعة والعنف، كما يسمونه... لقد كان عملاً مذهلاً، مذهلاً حقاً من هؤلاء. لا أحد غيرهم قادر على فعل شيء كهذا".

يرغب ترامب بل ويحتاج إلى انتصارات سريعة. خاصة بعد تصريحاته قبل توليه منصبه لولاية ثانية، حين تفاخر بأن إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية سيتم في يوم عمل واحد.

فنزويلا، كما جاءت في تصريحات ترامب، كانت هي النصر السريع والحاسم الذي كان يبحث عنه.

مادورو يقبع في زنزانة ببروكلين، والولايات المتحدة ستدير فنزويلا، وأعلن ترامب أن نظام الرئيس الراحل هوغو تشافيز، بقيادة رئيس جديد، سوف يُسلم ملايين البراميل من النفط، وأنه - أي ترامب- سيُسيطر على كيفية إنفاق الأرباح.

حدث كل هذا، حتى الآن على الأقل، دون خسائر في أرواح الأمريكيين، ودون الاحتلال الطويل لفنزويلا مثل هذا الذي تسبب في تداعيات جسيمة على الولايات المتحدة بعد غزو العراق عام 2003.

في الوقت الراهن، على الأقل، يتجاهل ترامب ومستشاروه، علناً على الأقل، تعقيدات الوضع في فنزويلا. إنها دولة أكبر من ألمانيا، لا تزال تُدار من جانب نظام الفصائل الذي رسخ الفساد والقمع في السياسة الفنزويلية.

بدلاً من ذلك، يستمتع ترامب بنشوة انتصار جيوسياسي. وبحسب تصريحاتهما أثناء وجودهما بجانبه في مار-أيه-لاغو، يبدو أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، يشعران بنفس النشوة.

بل ويكرر المسؤولان الأمريكيان أن ترامب رئيس "يفي بوعوده".

وتحدث ترامب مباشرة لكولومبيا والمكسيك وكوبا وغرينلاند والدنمارك، وطالب هذه الدول بأن تكون قلقة مما سيفعله لاحقاً وأين ستقوده شهيته بعد ذلك.

ترامب مولع بالألقاب. ما زال يلقب الرئيس الديمقراطي السابق باسم "جو بايدن النائم".

والآن يُجرب اسماً جديداً لمبدأ مونرو، الذي شكّل ركيزة أساسية للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية على مدى قرنين من الزمان. أعاد ترامب تسميته، باسمه "مبدأ دونرو" بدلاً من "مبدأ مونرو".

قوات أمريكية مسلحة تصطحب مادورو في ملابس مدنية وزوجته بعد وصوله إلى الأراضي الأمريكية

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، قوات أمريكية مسلحة تصطحب مادورو في ملابس مدنية وزوجته بعد وصوله إلى الأراضي الأمريكية
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

كشف جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، عن المبدأ الأصلي في ديسمبر/كانون الأول 1823. وأعلن أن نصف الكرة الغربي هو مجال نفوذ أمريكا، وحذر القوى الأوروبية من التدخل أو إنشاء مستعمرات جديدة.

لكن "مبدأ دونرو" الجديد، الذي أعلنه ترامب، يضيف قوة مضاعفة على رسالة مونرو التي مضى عليها 200 عام.

قال ترامب في مار-أيه-لاغو بينما كان مادورو، معصوب العينين ومقيد اليدين، في طريقه إلى السجن: "مبدأ مونرو مهم، لكننا تجاوزناه بكثير".

وأضاف: "في ظل استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن يتم التشكيك في الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى".

أي منافس أو تهديد محتمل، وخاصة الصين، عليه أن يبتعد عن أمريكا اللاتينية. ولا يزال مصير الاستثمارات الصينية الضخمة التي ضختها الصين في المنطقة غير واضح.

كما يوسع "مبدأ دونرو" نطاق المنطقة الشاسعة التي تسميها الولايات المتحدة "فناءها الخلفي" شمالاً لتشمل غرينلاند.

ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة لترامب عابس الوجه، فيما يُشبه خطاب مونرو لكن في 2026، وكانت الصورة مصحوبة بعبارة: "هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا، ولن يسمح الرئيس ترامب بتهديد أمننا".

وهذا يعني استخدام القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية لإجبار الدول والقادة الذين يتجاوزون حدودهم، والاستيلاء على مواردهم عند الضرورة. وكما حذر ترامب رئيس كولومبيا، من أنه هدف محتمل آخر، فعليهم أن يحذروا.

وتقع غرينلاند في بؤرة اهتمام أمريكا، ليس فقط لأهميتها الاستراتيجية في القطب الشمالي، بل أيضاً لاحتوائها على موارد معدنية غنية تزداد إمكانية الوصول إليها مع ذوبان الصفائح الجليدية نتيجة لتغير المناخ. وتعتبر المعادن الأرضية النادرة من غرينلاند والنفط الخام الثقيل من فنزويلا أصولاً استراتيجية للولايات المتحدة.

ويختلف ترامب عن كل رؤساء الولايات المتحدة الآخرين أصحاب النزعة التدخلية في شؤون الدول الأخرى، لأن ترامب لا يبحث عن أن تكون أفعاله شرعية، مهما كانت هذه الأفعال غير شرعية، وفقاً للقانون الدولي أو حتى السعي نحو الديمقراطية. فالشرعية الوحيدة التي يحتاجها تنبع من إيمانه بقوة إرادته، مدعومة بالقوة الأمريكية الغاشمة.

من مونرو إلى دونرو، تُعد مبادئ السياسة الخارجية ذات أهمية بالغة لرؤساء الولايات المتحدة، فهي تُشكل أفعالهم وإرثهم الذي سيتركونه.

صورة زيتية للرئيس الأمريكي جورج واشنطن بملابسه العسكرية بين قواته وخلفه حصانه

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، جورج واشنطن وضع سياسة الإنعزالية وقال إن التحالفات المؤقتة في زمن الحرب ضرورية، لكن مع تجنب التحالفات الدائمة مع الدول الأجنبية

في يوليو/تموز المقبل، ستحتفل الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها. في عام 1796، أعلن أول رئيس أمريكي، جورج واشنطن، عدم ترشحه لولاية ثالثة بخطاب وداع لا يزال صداه يتردد حتى اليوم.

أصدر واشنطن سلسلة من التحذيرات بشأن علاقة الولايات المتحدة بالعالم.

وقال إن التحالفات المؤقتة في زمن الحرب قد تكون ضرورية، لكن ينبغي على الولايات المتحدة تجنب التحالفات الدائمة مع الدول الأجنبية. وهكذا بدأت سياسة الانعزالية.

وفي الداخل، حذر واشنطن المواطنين من التعصب الحزبي المفرط، مؤكداً أن الانقسام يشكل خطراً على الجمهورية الأمريكية الفتية، في ذلك الوقت.

يُعيد مجلس الشيوخ قراءة خطاب وداع واشنطن علناً كل عام، وهو تقليد لا يُخفف من حدة الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة.

وطوال 150 عاماً حرصت الولايات المتحدة على تنفيذ تحذير جورج واشنطن بشأن مخاطر التحالفات المعقدة. بعد الحرب العالمية الأولى، انسحبت الولايات المتحدة من أوروبا وعادت إلى سياسة الانعزالية.

لكن الحرب العالمية الثانية جعلت من الولايات المتحدة قوة عالمية. وهنا تبرز عقيدة أخرى، أكثر أهمية بكثير لحياة الأوروبيين، استمرت حتى عهد ترامب.

بحلول عام 1947، اتسمت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي بالجمود. فقد أبلغت بريطانيا، التي أفلست جراء الحرب، الولايات المتحدة أنها لم تعد قادرة على تمويل الحكومة اليونانية في حربها ضد الشيوعيين.

وكان رد الرئيس الأمريكي وقتها، هاري ترومان، هو التزام الولايات المتحدة بتقديم الدعم، وقال إنه سيدعم "الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات إخضاعها من قبل أقليات مسلحة أو ضغوط خارجية". وكان يقصد بذلك التهديدات من الاتحاد السوفيتي أو الشيوعيين المحليين.

كانت تلك هي عقيدة ترومان. وقد أدت إلى خطة مارشال، التي أعادت بناء أوروبا، وتلاها في عام 1949 إنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وكان دعاة التحالف الأطلسي في الولايات المتحدة، مثل هاري ترومان وجورج كينان، الدبلوماسي الذي طرح فكرة احتواء الاتحاد السوفيتي، يعتقدون أن هذه الالتزامات تصب في مصلحة أمريكا.

بذلك فقد تكون هناك صلة مباشرة بين مبدأ ترومان وقرار جو بايدن تمويل الحرب الأوكرانية.

كان مبدأ ترومان صورة كبيرة الأساس في العلاقة مع أوروبا، ولكن ترامب يعمل حالياً على تقويضها. لقد كان قطيعة حادة مع الماضي. تجاهل ترومان تحذيرات واشنطن بشأن التحالفات الدائمة المعقدة.

والآن، ينحرف ترامب عن إرث ترومان. وفي حال نفذ تهديده بالاستيلاء على غرينلاند، وهي أرض دنماركية ذات سيادة، فقد يدمر ما تبقى من التحالف عبر الأطلسي.

ترامب يقف ممسكاً لوحة عليها أسماء الدول والتعريفات الجمركية الجديدة التي سيفرضها عليها

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، ترامب يعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على استخدام قوتها (الاقتصادية والعسكرية) دون رادع

لخص ستيفن ميلر، مستشار ترامب المقرب والمُنظر المؤيد له، الموقف الحالي هذا الأسبوع على شبكة CNN، قائلاً إن الولايات المتحدة تعمل في عالم "يحكمه القوة، ويحكمه الإكراه، وتحكمه السلطة... هذه هي القوانين الثابتة للعالم منذ الأزل".

لا يمكن لأي رئيس أمريكي أن ينكر الحاجة إلى القوة. لكن منذ عهد فرانكلين روزفلت، مروراً بترومان وجميع من خلفوهم وصولاً إلى ترامب، كان رجال البيت الأبيض يعتقدون أن أفضل سبيل للقوة هو قيادة تحالف، ما يعني أن يكون هناك تعاون تقدم أشياء وتأخذ في المقابل أشياء أخرى.

لقد دعموا الأمم المتحدة الجديدة والجهود المبذولة لوضع قواعد تنظم سلوك الدول. وبالطبع، تجاهلت الولايات المتحدة القانون الدولي وانتهكته مراراً وتكراراً، ما ساهم بشكل كبير في تقويض فكرة النظام الدولي القائم على وجود قواعد.

لكن كل من سبق ترامب لم يريدوا محو فكرة أن النظام الدولي بحاجة إلى تنظيم، مهما كان معيباً وغير مكتمل.

والسبب في هذا التوجه هو العواقب الكارثية التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين لحكم الأقوى، فقد اندلعت حروب عالمية خلفت ملايين القتلى.

لكن مزيج أيديولوجية ترامب "أمريكا أولاً" ونزعته التجارية الاستغلالية دفعته إلى الاعتقاد بأن حلفاء أمريكا يجب أن يدفعوا ثمن الحصول على امتياز دعمه لهم.

ويبدو أن كلمة "صداقة" مبالغ فيها. إن مصالح أمريكا، وفقاً للتعريف الضيق الذي وضعه الرئيس، تدفعها للحفاظ على هيمنتها العالمية بالعمل منفردة.

يُغير ترامب رأيه باستمرار، لكن يبدو أن الشيء الثابت هو اعتقاده بأن الولايات المتحدة قادرة على استخدام قوتها دون رادع. يقول إن هذه هي الطريقة لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.

يكمن الخطر في أنه إذا استمر ترامب على نهجه، فسيعيد العالم إلى ما كان عليه في عصر الإمبراطوريات قبل قرن أو أكثر، عالم سعت فيه القوى العظمى، صاحبة النفوذ والسيطرة، إلى فرض إرادتها، كما قاد الحكام القوميون المستبدون شعوبهم إلى الهلاك.