الذخائر غير المنفجرة، قنابل موقوتة بعد الحرب في غزة

القنابل التي تسقط على غز ولا تنفجر تظل خطرا يهدد حياة المدنيين
    • Author, نيرفانا السعيد
    • Role, بي بي سي ترندينغ

لم نر شيئا كهذا منذ آخر حرب كبرى في أوروبا " هكذا تحدث منوغو بيرش ، رئيس دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMASS في فلسطين عن حجم أزمة القنابل غير المنفجرة في غزة جراء الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس.

فبينما تسعى أطراف عربية ودولية للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في غزة أملا في أن يمنح المدنيين هناك بعضا من الأمان، تشكل الذخائر غير المنفجرة العالقة في أرض القطاع وحطام مبانيه أزمة شديدة الخطورة.

وتعرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذخائر غير المنفجرة بمخلفات الحرب من أسلحة لم تنفجر عند تفعيلها وتُركت في أعقاب نزاع مسلح مثل القنابل والصواريخ والقذائف المدفعية والقنابل اليدوية. وتقتل وتصيب هذه الذخائر الآلاف من الأشخاص حول العالم سنويا جراء انفجارها.

ويقول بيرش الذي كان يباشر عمله في غزة حتى السابع من أكتوبر، إن القطاع ليست به حقول ألغام لكن به كميات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة التي قد تحتاج سنوات لإزالتها بطريقة آمنة بالإضافة لمليارات الدولارات.

فالفريق الذي يعمل ضمنه بيرش كان يحتاج إلى شهر كامل لإزالة قنبلة جوية عميقة واحدة بشكل آمن خلال الصراعات السابقة بين إسرائيل وحماس. وأضاف بيرش إن 10% من الذخائر لا تعمل كما صُممت وهي ما تشكل لاحقا مخلفات الحرب القابلة للانفجار، إلا أن هذه النسبة تتفاوت باختلاف نوع السلاح.

ومن غير المعلوم على وجه الدقة عدد القنابل والذخائر التي استخدمها الجيش الإسرائيلي منذ بداية القتال، إلا أن الجيش أكد في تصريح لبي بي سي على القيام بأكثر من 30 ألف غارة جوية منذ أكتوبر الماضي. وفي وقت سابق صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يواف غالانت، بأن الجيش أسقط 10 آلاف قنبلة خلال الستة والعشرين يوما الأولى من الحرب بواقع نحو 384 قنبلة يوميا.

بينما يشير تقرير لمنظمة HUMAN AND INCLUSION (المعروفة في بعض الدول باسم هانديكاب انترناشونال) المعنية بحماية المدنيين من الأسلحة المتفجرة نقلا عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أنه تم إسقاط 45 ألف قنبلة خلال التسعة والثمانين يوما الأولى من الحرب أي نحو 505 قنبلة يوميا.

وفي تصريح لإذاعة فرنسا الدولية قال جان بيار ديلومييه من منظمة هانديكاب إنترناشونال إن 3 آلاف قنبلة من أصل 45 ألفا ألقاها الجيش الإسرائيلي على غزة لم تنفجر مما يشكل خطرا كبيرا على المدنيين ويعكس حجم الأزمة.

الوقت والكلفة أكبر التحديات

آثار مواقع القنابل غير المنفجرة في الحرب العالمية الثانية في كوسلي، جنوب بولندا. (المجلة الدولية لعلم الآثار التاريخية 2022)
التعليق على الصورة، آثار مواقع القنابل غير المنفجرة في الحرب العالمية الثانية في كوسلي، جنوب بولندا. (المجلة الدولية لعلم الآثار التاريخية 2022)
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

وإلى جانب عنصر الوقت والتكلفة فإن هناك تحديات أخرى تكمن في كيفية استخراج هذه الذخائر بطريقة آمنة. فبحسب UNMAS فإن القنابل التي لم تنفجر تقبع في باطن الأرض وفي حالة غزة تختفي تحت أطنان الركام التي تقدرها منظمة الأونوروا بأكثر من 23 مليون طن وبالطبع هناك خطورة أن تنفجر لاحقا وهو ما سيشكل عائقا أمام عمليات إعادة الإعمار في القطاع المدمر.

كما أن هناك أوراقا بحثية تذكر أن هذه القنابل قد تتحرك من مكان سقوطها لأماكن أخرى صعودا للسطح في عملية تسمى انجراف القنبلة أو drifting ومسارها حينها تحدده الكثير من العوامل مثل الطريقة التي زُرعت فيها في التربة اعتمادا على الزاوية التي سقطت بها وأيضا وجود عوائق صلبة أو مرنة قد تغير مسارها.

وفي ديسمبر الماضي، نقلت محطة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية عن تقرير استخباراتي أمريكي أن ما بين 40% إلى 45% من القنابل التي أسقطتها إسرائيل على غزة كانت قنابل حرة الإسقاط غير موجهة أو ما تُعرف بالقنابل الغبية والتي تكون أقل دقة مما قد يشكل تهديدا أكبر للمدنيين.

وبسؤاله عما إذا كانت هذه القنابل قد استخدمت خلال العملية العسكرية على غزة، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن الذخائر غير الموجهة تستخدمها الجيوش في جميع أنحاء العالم، وإنها لاتزال تستخدم بدقة ويتم إطلاقها عند نقاط محددة عبر نظم الطائرات لشن غارات دقيقة، على حد تعبيره.

إسرائيل لم تفصح عن طرازات بعينها من الذخائر التي استخدمتها لكن خبراء كبراين كاستنر خبير الأسلحة بمنظمة العفو الدولية، يرجحون من حجم الدمار في غزة أنها استخدمت قنابل Mark 84 غير الموجهة مع إلحاقها بأجهزة ملاحة لتوجيهها. هذا النوع يشكل تحديا كبيرا لاستخراجه خاصة في منطقة ذات كثافة سكانية عالية كقطاع غزة كما قال كاستنر.

" التحدي بشأن قنابل مارك 84 يكمن في ضخامتها، حيث تزن نحو 900 كلغ نصفها مواد متفجرة والنصف الآخر من الفولاذ ويمكن أن تصيب المدنيين على بعد مئات الأمتار...ولذلك يجب أن تُنقل إلى مكان ويتم التخلص منها بشكل آمن - وغزة صغيرة جداً - جغرافياً سيكون أمراً صعباً حقاً" ، بحسب كاستر الذي أشار أيضا إلى خطورة بقاء القنابل غير المنفجرة لفترات طويلة دون إزالتها بشكل آمن حيث تتراجع قدرات صمامات الأمان بها كلما مر الوقت.

تحدثت تقارير عن إسقاط 45 ألف قنبلة خلال التسعة وثمانين يوما الأولى من الحرب أي نحو 505 قنبلة يوميا
التعليق على الصورة، تحدثت تقارير عن إسقاط 45 ألف قنبلة خلال التسعة والثمانين يوما الأولى من الحرب أي نحو 505 قنبلة يوميا

صواريخ حماس غير المنفجرة

وأضاف كاستنر أن الصواريخ التي تطلقها حماس قد تكون معدلات عدم انفجارها أكبر لفرق تكنولوجيا التصنيع وأنها قد تشكل أزمة مشابهة حال سقطت ودُفنت في الأرض. كما أكد قدرة حماس على إعادة تدوير القنابل غير المنفجرة التي تُسقطها إسرائيل.

" لأن القنابل الجوية في معظمها مصنوعة من الفولاذ والمتفجرات موجودة بداخلها، فمن الممكن تقطيعها واستخدام المتفجرات وإعادة تعبئتها في أسلحة أخرى. هناك تقارير متزايدة تفيد بأنهم يستخدمون المتفجرات شديدة الانفجار المصنعة رسميا عبر إعادة تدوير ما يخرج من الأسلحة الإسرائيلية" بحسب كاستنر.

من سيزيل القنابل غير المنفجرة في غزة؟

من جانبه قال الجيش الإسرائيلي لبي بي سي إن قواته في غزة تمشط المناطق بشكل جذري بعد النشاطات الهندسية من أجل إزالة الذخائر المتفجرة التي لم يتم تفعيلها والتأكد من خلوها منها. لكن الجيش الإسرائيلي لم يرد على تساؤلنا عن المناطق التي قاموا بتمشيطها وإزالة القنابل غير المنفجرة منها أو كيفية القيام بالأمر مع استمرار العملية العسكرية ووجود الحطام، حيث قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لبي بي سي إن الجيش لا يفصح عن تفاصيل.

اعتمد المجتمع الدولي في عام 2003 بروتوكولا للحد من آثار مخلفات الحرب القابلة للانفجار
التعليق على الصورة، اعتمد المجتمع الدولي في عام 2003 بروتوكولا للحد من آثار مخلفات الحرب القابلة للانفجار

واعتمد المجتمع الدولي في عام 2003 بروتوكولاً للحد من آثار مخلفات الحرب القابلة للانفجار يحمّل الأطراف الموقِّعة مسؤولية هذه الذخائر حال كان أحدها طرفاً في النزاع، لكن إسرائيل ليست ضمن الأطراف الموقعة.

وبسؤاله عما إذا كانت إسرائيل ستتحمل مسؤولية إزالة الذخائر غير المنفجرة في غزة، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لبي بي سي، " الجيش يروج لإقامة حوار مع الشركاء الدوليين الذين ليس لديهم رصيد من التعاون مع حماس أو غيرها من المنظمات الإرهابية، من أجل إتاحة إزالة المواد المتفجرة التي تركتها المنظمات الإرهابية وحماس في الميدان، وكذلك الذخائر غير المتفجرة الناتجة عن نشاطات جيش الدفاع".

وأضاف أن الجيش يسعى لخلق بيئة أكثر أمناً لسكان قطاع غزة والحيلولة دون استخدام حماس للمواد المتفجرة ضد السكان المدنيين في إسرائيل، دون الحديث عن كيف يمكن القيام بذلك وسط التحديات الراهنة.

وتوجد في غزة فرق فلسطينية لإزالة الألغام والذخائر غير المتفجرة لكنها تعاني من ضعف القدرات. وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن هناك الملايين من مخلفات الحرب القابلة للانفجار في أكثر من 80 دولة حول العالم، بعضها يكافح الأزمة منذ عقود. وتمثل هذه المخلفات تهديداً مستمراً للمدنيين حيث تحيط كل خطوة لممارسة أنشطتهم اليومية مخاوف من أن يفقدوا حياتهم أو أطرافهم جراء انفجارها عند ملامستها دون قصد. وتعيق الذخائر غير المتفجرة عمليات إعادة الإعمار، كما تؤثر على الأراضي الزراعية حيث تلوثها وتجعلها غير قابلة للزراعة.