حماة: مدينة النواعير التي دارت على دواليبها صراعات الجماعات الإسلامية مع السلطة

صورة تظهر ناعورة تُستخدم لجر مياه النهر، ومن خلفها تظهر مبانٍ حديثة.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تُعرف مدينة حماة بنواعيرها المنتشرة على ضفاف نهر العاصي

بعد الهجوم المباغت الذي نفذته فصائل معارضة سورية على حلب وريفها، وامتداد المعارك جنوباً إلى محافظة حماة، تتصدر مدينة حماة وريفها عناوين الأخبار كنقطة محورية في مسار التطورات.

وأعلنت قوات المعارضة السورية دخولها مدينة حماة اليوم الخميس، وقالت إنها أخرجت مئات السجناء من سجن المدينة المركزي، وفق ما أكد أحد قادتها العسكريين، فيما أعلن الجيش السوري أن الوحدات العسكرية المرابطة في المدينة قامت "بإعادة الانتشار والتموضع خارجها".

نحاول في هذا التقرير، تسليط الضوء على مدينة حماة وريفها، وتاريخها القديم والحديث.

تقع مدينة حماة في الجزء الأوسط من سوريا، على بعد نحو 185 كيلومتراً شمال العاصمة دمشق.

يمر قرب المدينة الطريق السريع "M5" الرابط بين حلب وحمص ودمشق والمعروف أيضاً بطريق حلب – دمشق الدولي، وهي بذلك تحتل موقعاً استراتيجياً يربط بين مدن الشمال والمركز في سوريا.

يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بحسب تقديرات المكتب المركزي السوري للإحصاء، وهي بذلك رابع أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان.

يقسم نهر العاصي المدينة إلى قسمين، وتنتشر على ضفافه البساتين والنواعير.

تُعد نواعير حماة رمزاً للمدينة، وإرثاً ثقافياً لها، وهي عبارة عن دواليب كبيرة تُستخدم لجر مياه النهر ورفعها لسقاية البساتين المنتشرة على ضفافه، ومن هنا اكتسبت المدينة لقبها "أم النواعير"، ولا تزال بعض النواعير تعمل حتى يومنا هذا.

تُعد المدينة مركز محافظة حماة، وتتبع إدارياً لهذه المحافظة عدة مناطق وبلدات ريفية.

تاريخ المدينة

صورة لمنظر عام لمدينة حماة في سوريا.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تناوبت على حكم مدينة حماة وريفها عدة حضارات وممالك

مدينة حماة من المدن العريقة، إذ يعود تاريخ الاستقرار البشري فيها إلى العصور الحجرية.

حكمها الآراميون في القرن الـ 11 قبل الميلاد، وكانت تُسمى وقتئذ "حماث". سيطر عليها الآشوريون في القرن التاسع قبل الميلاد، ثم تتابع على حكمها، الفرس والمقدونيون والسلوقيون – وهم سلالة من الملوك اليونانيين - حيث أطلق السلوقيون على المدينة اسم "إبيفانيا" في القرن الثاني قبل الميلاد. خلال الحكم البيزنطي، عادت لتُسمى "إيماث"، وهي لفظة قريبة من اسمها الأصلي، وفق الموسوعة البريطانية.

سيطر المسلمون على المدينة في القرن السابع الميلادي. ثم استولى الصليبيون عليها في عام 1108، واستعادها المسلمون في عام 1115. تعرضت المدينة للدمار إثر زلزال وقع في عام 1175. سيطر عليها صلاح الدين الأيوبي في عام 1188، ثم انتقلت إلى المماليك في عام 1300، وإلى العثمانيين في أوائل القرن الـ 12.

أصبحت جزءاً من سوريا بشكلها الحالي بعد استقلالها وخروج القوات الفرنسية منها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

"مجزرة حماة"

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

وصل حزب البعث إلى السلطة في سوريا على إثر انقلاب عسكري في عام 1963 أو ما تسميه الحكومة السورية بـ "ثورة الثامن من آذار"، برزت حماة كمركز محوري معارض لسياسات حزب البعث منذ الأيام الأولى لوصوله إلى السلطة، وكان لطبيعة المدينة المحافظة، ولنشاط جماعة الإخوان المسلمين فيها دور بارز في ذلك.

تعود أولى مظاهر التمرد في المدينة إلى العام 1964، حين أُرسلت وحدات عسكرية إليها لمواجهة حركة احتجاجية قادها الإخوان المسلمون في شوارعها، وانتهت بمقتل نحو 100 شخص بحسب تقرير لهيومان رايتس ووتش.

عادت حركات الاحتجاج والتمرد إلى شوارع حماة بعد ذلك ضمن اضطرابات أوسع شهدتها عدة مدن وبلدات في سوريا في سبعينيات الـ 20، تزامنت مع صعود حافظ الأسد إلى السلطة. واحتدمت الاضطرابات بشكل أكبر في النصف الثاني من السبعينيات في أعقاب التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1976. وتخللت الاضطرابات مواجهات مسلحة وتفجيرات وأعمال عنف واغتيالات ونشر لقوات الجيش في المدينة.

بحسب تقرير "هيومان رايتس ووتش"، كانت حماة أحد أهم مراكز المعارضة في ذلك الوقت، وهي معارضة اتخذت طابعاً مسلحاً عنيفاً في بعض الأحيان. في أبريل / نيسان 1981، هاجم "مسلحون إسلاميون" حاجزاً عسكرياً قرب قرية على تخوم حماة، فأُرسلت وحدات خاصة إلى المدينة، فرضت فيها حظراً للتجول وفتشت المنازل، ونفذت إعدامات ميدانية في الشوارع، وخلال 3 أيام، قُتل أكثر من 350 شخصاً بحسب تقرير المنظمة.

في فبراير/شباط عام 1982، وقع الحدث الأبرز والأكثر دموية في المدينة، وهو ما أصبح يعرف بـ "مجزرة حماة".

اتخذت الحكومة السورية القرار بوضع حد للمعارضة المسلحة في مدينة حماة بداية 1982 بحسب "هيومان رايتس ووتش".

وألمح إلى ذلك تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، أكد أن الوحدات العسكرية والأمنية السورية فرضت شكلاً من أشكال الحصار حول المدينة في يناير/كانون الثاني 1982.

دخلت قوات أمنية وعسكرية إلى المدينة لإجراء عمليات ملاحقة وتفتيش ومصادرة للأسلحة في الثاني من فبراير/شباط عام 1982، وتعرضت إحدى الوحدات إلى كمين نصبه مسلحون داخل زقاق في الأحياء القديمة وسط المدينة. استنفر المسلحون بعد ذلك وتحصنوا داخل المدينة القديمة، وأطلقت مآذن المساجد نداءات تدعو للنفير وطرد قوات الجيش والشرطة من المدينة.

حشدت الحكومة السورية وحدات مختلفة من الجيش، من بينها "سرايا الدفاع" التي كانت تحت إمرة رفعت الأسد، الأخ الأصغر لحافظ الأسد، وشنت هجوماً استمر 27 يوماً على المدينة.

بحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية، تم قصف الأحياء القديمة من المدينة من الجو وبالمدفعية للسماح بدخول القوات والدبابات عبر الشوارع الضيقة. ودُمرت أجزاء أخرى بالكامل في الأيام الأولى من القتال. بعد عدة أيام من القصف والاشتباكات، أعلن وزير الدفاع السوري أن التمرد في حماة قد تم إنهاؤه.

إلا أنه، وبحسب منظمة العفو الدولية، ظلت المدينة "محاصرة". وتلا ذلك أسبوعان من عمليات تفتيش المنازل والاعتقالات الجماعية، مع تقارير نقلتها المنظمة ووصفتها بالمتضاربة عن "فظائع وعمليات قتل جماعي للمدنيين".

أشار تقرير "هيومان رايتس ووتش"، إلى أن المدينة تعرضت إلى "عقاب جماعي قاس"، وأن قوات الأمن نفذت عمليات إعدام جماعية في عدة مواقع. ورغم توقف "المقاومة المسلحة" في المدينة بعد 10 أيام من بدء الحملة العسكرية، إلا أن عمليات تفجير المباني، وتسوية الأحياء السكنية استمرت.

تسببت العملية العسكرية بالمجمل في تدمير أكثر من ثلث المنازل في المدينة وفق المنظمة.

فرّ عشرات الآلاف من حماة، واُعتقل آلاف آخرون، وتراوحت التقديرات لأعداد الضحايا.

قدرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" أعداد الضحايا بخمسة آلاف إلى 10 آلاف قتيل. أما منظمة العفو الدولية، فقدرت حصيلة القتلى بـ 25 ألفاً من الطرفين. لكن تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان كانت أعلى من ذلك بكثير، فقدرت حصيلة الضحايا عند 40 ألف قتيل، دون احتساب القتلى من المسلحين وقوات الحكومة.

حماة والحرب في سوريا

صورة لأحد مقاتلي المعارضة السورية يقف أمام لافتة عند مدخل محافظة حماة وسط سوريا.

صدر الصورة، EPA-EFE/REX/Shutterstock

التعليق على الصورة، شهدت مدينة حماة عدة مظاهرات في الأيام الأولى من الاحتجاجات في سوريا عام 2011

في الأيام الأولى من الحرب الأهلية السورية سنة 2011، خرجت عدة مظاهرات مناوئة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد في مدينة حماة، وشهدت المدينة عدة أحداث تمثلت في خروج المظاهرات وقمعها وفرض طوق أمني حول النقاط الحيوية والساحات العامة فيها.

ولعل أبرز الأحداث في المدينة ما وقع في الثالث من يونيو / حزيران 2011، حين قتلت قوات الأمن السورية أكثر من سبعين شخصاً بالرصاص خلال قمع احتجاجات مناهضة للنظام في المدينة وفق جماعات حقوقية معارضة وشهود عيان.

على الرغم من أن حماة كانت جزءاً من موجة الاحتجاجات التي اجتاحت مدناً سورية في السنة الأولى من الحرب، إلا أن المدينة لم تشهد بعد ذلك معارك عسكرية، على غرار ما حصل في حلب، في السنوات التي شهدت تحول الأحداث إلى صراعات مسلحة بين قوات الحكومة السورية والفصائل المعارضة.

تضرر 6% من البنية التحتية السكنية في مدينة حماة خلال الحرب بحسب تقديرات للبنك الدولي في 2017، وهي نسبة منخفضة نسبياً مقارنة بمدن أخرى.

محافظة حماة

القصة مختلفة قليلاً مع محافظة حماة، أو المناطق الريفية التي تمثّل مدينة حماة مركزاً لها. فهي مناطق شهدت اشتباكات ومعارك في سنوات الحرب، خاصة الشمالية والغربية منها. كما أن بعض المناطق الشرقية من المحافظة خضعت لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في 2016، إلا أن معظم مناطق المحافظة بقيت تحت سيطرة القوات الحكومية السورية في أغلب سنوات الحرب.

تمتد محافظة حماة على مناطق واسعة ومتنوعة وسط غربي سوريا؛ إذ تصل حدودها غرباً لتشمل أجزاء من السلسلة الجبلية لساحل سوريا، ثم تسير بالتوازي مع مسار نهر العاصي شمالاً لتضم معظم أجزاء سهل الغاب – وهو سهل تشكّل نتيجة تجفيف تجمع مستنقعات في خمسينيات القرن الماضي، ثم تمتد شرقاً وصولاً إلى أجزاء من البادية السورية.

تبلغ مساحة محافظة حماة 10.2 ألف كيلو متر مربع، وهي أصغر بقليل من مساحة لبنان، تحدها إدلب وحلب من الشمال، والرقة من الشمال الشرقي، وحمص من الشرق والجنوب الشرقي، واللاذقية وطرطوس من الغرب.

بلغ عدد سكانها في 2010، أي قبل الحرب في سوريا، نحو 1.6 مليون نسمة، وفق تقديرات المكتب المركزي السوري للإحصاء، لكن هذا العدد ارتفع في 2021 إلى نحو 2.5 مليون نسمة وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهي تُعد بذلك منطقة ذات كثافة سكانية عالية نسبياً تبلغ 183 نسمة لكل كيلومتر مربع. يصف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي محافظة حماة بأنها احتضنت تاريخياً "مجموعة متنوعة من الجماعات المجتمعية التي تعايشت لآلاف السنين"، يدلل على ذلك التركيبة السكانية المتنوعة فيها، فإلى جانب الأغلبية السنية، تضم المحافظة مجموعات دينية أخرى، مثل العلويين، والإسماعيليين، والمسيحيين، والشيعة.

شكّل المسلمون السنة حتى نهاية عام 2016، 61% من سكان المحافظة، والعلويون شكلوا 19%، والإسماعيليون شكلوا 12% من سكانها، والمسيحيون 2%، والشيعة 1%، وفق دراسة أعدها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

يتركز العلويون في الأجزاء الغربية من محافظة حماة، ويتركز الإسماعيليون في السلمية شرقاً ومصياف غرباً، أما المسيحيون فيتركزون في مدينة حماة، ومحردة والسقيلبية شمالي غربي المحافظة، وكفر بهم إلى الجنوب من مدينة حماة.

تُقسم المحافظة إدارياً إلى خمس مناطق، وتضم عدة مدن وبلدات كبرى مثل السلمية ومصياف وطيبة الإمام ومحردة والسقيلبية وصوران وحلفايا.