"سردية وطنية للاقتصاد".. مصر تخطط لما بعد صندوق النقد الدولي

صدر الصورة، Reuters
- Author, سلمى خطاب
- Role, صحفية - بي بي سي عربي
- Reporting from, القاهرة
أعلنت الحكومة المصرية إطلاق "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية"، وهي خطة تهدف إلى وضع تصور للاقتصاد المصري خلال السنوات الخمس المقبلة حتى عام 2030، وبعد انتهاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، المقرر أن ينتهي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2026.
ولا تعتزم الحكومة المصرية طلب قرض جديد من الصندوق بعد انتهاء الاتفاق الخاص بالقرض الحالي، بحسب تصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مايو/أيار الماضي. وخلال السنوات العشر الماضية، عقدت مصر عدة اتفاقات مع صندوق النقد الدولي، جعلتها ثاني أكبر المقترضين من الصندوق بعد الأرجنتين.
أبرز بنود "السردية"
بحسب ما أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في مؤتمر إطلاق السردية، الذي عقد بالعاصمة الإدارية الجديدة الأحد، فإن السردية عبارة عن استراتيجية للسنوات الخمس المقبلة، تشمل التوسع في الاعتماد على القطاع الخاص، وتخفيف دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتركز على النمو وزيادة فرص التشغيل.
كما تستهدف رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 7 في المئة خلال خمس سنوات، مقارنة بـ4.5 في المئة مستهدَف العام المالي الجاري (2025–2026). وتهدف أيضاً إلى مضاعفة عدد الوظائف الجديدة ليصل إلى 1.5 مليون وظيفة سنوياً، وزيادة قيمة الصادرات لتبلغ 145 مليار دولار بحلول عام 2030، مقابل 40 مليون دولار في عام 2024.
وقال مدبولي إن الحكومة المصرية تستهدف النزول بمعدلات الدَّين إلى أقل رقم شهدته مصر على مدار تاريخها خلال السنوات الخمس المقبلة. كما أشار إلى ضرورة أن تنعكس هذه الإصلاحات بالإيجاب على أحوال المواطنين المصريين خلال الفترة القصيرة المقبلة.
ولفتت الحكومة إلى أن هذه السردية سيتم نشر تفاصيلها، وستخضع لحوار مجتمعي لمدة شهرين قبل اعتمادها.

صدر الصورة، facebook
10 سنوات مع صندوق النقد
تعود المفاوضات بين مصر وصندوق النقد إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث طالبت مصر مراراً بالحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، ولم يتم الاتفاق حتى عام 2016، حين أعلنت مصر تبني برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته 3 سنوات، حصلت بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار على 6 شرائح لمدة 3 سنوات.
وبموجب هذا الاتفاق، عُوّم الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، وانخفضت قيمته من 7 جنيهات إلى 16 جنيهاً مقابل الدولار.
وخلال السنوات التالية لـ2016، تأرجحت قيمة العملة المصرية أمام الدولار، ما بين 15 إلى 18 جنيهاً، حتى عام 2022، بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إذ شهدت العملة انخفاضاً حاداً جديداً، وبلغ سعر الصرف حينها 24 جنيهاً للدولار الأمريكي الواحد.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من عام 2022، وقّعت مصر اتفاقاً جديداً مع صندوق النقد الدولي، تحصل بموجبه على 3 مليارات دولار لمواجهة أزمة نقص النقد الأجنبي في البلاد، بعد خروج استثمارات أجنبية غير مباشرة بأكثر من 20 مليار دولار في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي مارس/آذار 2024، وقّعت مصر اتفاقاً جديداً لزيادة قيمة القرض من 3 إلى 8 مليارات دولار. كان الحفاظ على سعر صرف مرن هو الشرط الأساسي لكل هذه الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي، وخلال السنوات الأخيرة استمرت قيمة الجنيه المصري في الانخفاض حتى بلغت حاليا 48.2 جنيه مقابل الدولار.
لكن تحرير سعر الصرف لم يكن الشرط الوحيد للاتفاقات مع الصندوق، حيث اشترط الصندوق أيضاً إجراء حزمة من الإصلاحات المالية والضريبية، وخفض الدعم عن الطاقة والمحروقات، وخفض الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، وخروج الدولة والشركات المملوكة للجيش من الاقتصاد، مقابل زيادة تمكين القطاع الخاص.

"اقتصاد مستفيد ومواطن متضرر"
في حديث مع بي بي سي، يقول المحلل الاقتصادي محمد النجار إن تجربة مصر مع صندوق النقد الدولي خلال الأعوام العشرة الماضية "أخرجتها من أزمة كادت أن تودي بها"، ويوضح: "مصر استفادت من تحرير سعر الصرف، وتحرير أسعار الطاقة والغذاء، وذلك زاد من قدرتها على جذب تدفقات استثمارية جديدة، لكن من الناحية الأخرى كان هناك تداعيات سلبية على المواطن".
ويضيف النجار: "المواطن المصري كان يواجه تطورات الأزمة الاقتصادية بحالة من الغضب وعدم التعاون، لكنه استطاع التأقلم عن طريق إعادة هيكلة احتياجاته، والتخلي عن المنتجات التي كانت تعتمد على الاستيراد. الاقتصاد استفاد من تجربة التعاون مع صندوق النقد الدولي لكن المواطن المصري تضرر".
وخلال الأعوام العشرة الماضية، ارتفع التضخم في مصر عدة مرات حيث تجاوز 30 في المئة في بعض الأعوام، وعادة ما يصاحب الارتفاعَ في معدلات التضخم زيادةٌ في أسعار الغذاء وكافة السلع.
كما تجاوز حجم ديون مصر الخارجية 150 مليار دولار بنهاية عام 2024، ما يشكل 90 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحسب تقارير صندوق النقد الدولي، مع توقعات بانخفاض هذه النسبة إلى 86.59 في المئة العام الجاري.
مصر ما بعد الصندوق
يفسّر النجار أن خطة الحكومة لما بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لا تعني تخليها عن سياسة الاستدانة، حيث يقول: "كل الدول تعتمد على الاستدانة، لكن الأهم هو كم تمثل نسبة الديون والقروض مقارنة بإجمالي الناتج المحلي. أعتقد أن مصر ستعمل على تنويع طرق الاستدانة، مثل إصدار الصكوك، أو محاولة التوجه إلى أسواق جديدة للاقتراض".
من جانبه، يقول عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء وليد جاب الله إن "الحكومة المصرية تسعى إلى عدم الاعتماد على صندوق النقد، وأتصور أنه إذا استقرت الأوضاع سيمكنها صياغة برنامج اقتصادي دون الحاجة إلى تمويل من صندوق النقد، ولكنها ستظل تستفيد من الصندوق في مجالات المشاورات والتعاون".
ويضيف: "حتى إذا احتاجت مصر لتمويل برامجها الاقتصادية بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فهذا الأمر لا يعيب الاقتصاد المصري، فهذا حقها باعتبارها عضوةً من أعضاء الصندوق".
وحول الخطة المصرية لما بعد الصندوق، يوضح جاب الله أن لها تحدياتها وإيجابياتها؛ فالإيجابيات بحسبه، تتمثل في تحسن القطاع السياحي، وارتفاع في معدلات نمو الصناعات التحويلية، وقطاعات الخدمات، والبناء، والتشييد.
أما التحديات، فهي متعلقة بالانخفاض في إيرادات قناة السويس، وحاجة مصر لمزيد من النمو في قطاعات البترول.
وشهدت مصر تراجعاً في إيرادات قناة السويس خلال العام الماضي بنسبة بلغت 61 في المئة لتسجل 3.99 مليار دولار، مقابل 10.25 مليار دولار في عام 2023، بسبب التوترات في البحر الأحمر، وهجمات جماعة الحوثيين في اليمن على السفن، ما دفع الكثير من شركات الشحن لتحويل مسار عبورها من قناة السويس.








