رحلة إلى داخل العالم السري والمربح لزراعة زهور الأوركيد

صدر الصورة، Floriculture
- Author, ماثيو كينيون
- Role, مراسل التكنولوجيا
- Reporting from, هيمسكيرك، هولندا
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
قد يستغرق طرح نوع جديد من زهور الأوركيد في الأسواق عقداً كاملاً من العمل الشاق.
ورغم أنّ العوائد قد تكون كبيرة، إذ تُقدَّر قيمة سوق الأوركيد العالمية بمئات الملايين من الدولارات، فإنّ المنافسة لإنتاج الزهرة التالية المبهرة شديدة للغاية.
ولهذا السبب، وفي السباق لتطوير أنواع جديدة من الأوركيد، أصبحت المختبرات لا تقل أهمية عن البيوت الزجاجية الزراعية.
فقد أدت قرون من التدخل البشري، عبر التهجين الانتقائي والإكثار، إلى جعل الخلفية الجينية للعديد من زهور الأوركيد التجارية "كارثية"، بحسب شركة "فلوريكالتورا" الهولندية الرائدة في تربية الأوركيد.
وهذا يعني أنّ التنبؤ بالخصائص التي قد يحملها أي صنف نباتي جديد أصبح أمراً بالغ الصعوبة.
لكن من خلال تطوير علامات جينية مرتبطة بصفات محددة، مثل اللون والشكل ومقاومة الأمراض وطول مدة الإزهار وغيرها، تستطيع "فلوريكالتورا" ومنافسوها تسريع عملية التهجين الانتقائي.
فبدلاً من الانتظار 3 سنوات حتى تزهر النبتة الجديدة، يمكن للمربين استخدام تقنيات الفحص الجيني على النباتات الصغيرة جداً، واستبعاد تلك التي لا تتوافق مع متطلباتهم منذ بداية العملية.
ويقول فارت فان زونيفيلد، مدير الأبحاث والتطوير في الشركة: "إذا خرجت بضعة آلاف من السلالات الهجينة من المختبر، يمكننا فحصها استناداً إلى العلامات الجينية، ثمّ اختيار النباتات التي تحمل العلامة التي نبحث عنها فقط".
وأضاف قائلاً: "إنها مؤشر على صفة معينة ترغب فيها أو لا ترغب فيها، بحسب ما يكون العثور عليه أسهل".
ويُعدّ ما يُسمى "بتقنيات التهجين الحديثة" سراً محفوظاً بعناية، إذ تُطوّر كل شركة علاماتها الجينية وعملياتها الخاصة، لأنّ ذلك ما يسمح لها بتطوير أصناف فريدة.
ويقول فان زونيفيلد: "نحتفظ بهذه الأمور لأنفسنا لأنها تتطلب استثمارات ضخمة".
من جانبه، يقول بول آرينس، الباحث في تربية نباتات الزينة بجامعة فاخينينغن الهولندية: "ما زالت العملية في جوهرها تعتمد على التهجين، عليك أن تجمع بين نباتين، ولا يمكننا ببساطة أخذ جزء من الحمض النووي وإعادته بسهولة".
وقد أجرى هو وزملاؤه بحثاً ضمن مبادرة مدعومة من الحكومة الهولندية تتشارك المعلومات مع الشركات المشاركة فيها.
وأضاف: "الأساس ما زال هو ما نقوم به منذ مئة عام، تأخذ نباتين، تدرس خصائصهما، ثم تُجري التهجين، لكنّ المربين اليوم يرتدون المعاطف البيضاء داخل المختبرات، ويجرون مختلف أنواع الأبحاث المتعلقة بالعلامات الجينية، والجينوميات، وصحة النبات".

صدر الصورة، Floriculture
وتُستخدم الجينات أيضاً في حماية الملكية الفكرية للصنف النباتي الجديد نفسه من خلال حقوق المربين في أوروبا، وبراءات الاختراع في الولايات المتحدة.
ويقول آرينس: "إذا قامت شركة بإنتاج زهرة أوركيد جديدة، فهي ترغب في الحصول على الحق الحصري في تسويق هذه الزهرة".
ويضيف: "وإلا، يمكن لأي شخص آخر أن يشتريها من المتجر، ويكاثرها، ثم يبيعها بنفسه".
ويتابع: "لكنّ باحث حقوق المربين يجب أن يتأكد من أنّ الصنف الجديد مختلف عن أي صنف موجود في السوق، إذ يجب أن يكون مميزاً، وبحالة مستقرة، ومتجانساً".
وتُمنح حقوق المربين وبراءات الاختراع بناءً على أوصاف شكلية وليس على تحليل الحمض النووي، لكن من الضروري مقارنة النباتات الجديدة بمنتجات مشابهة لتحديد ما إذا كانت مؤهلة للحصول على حماية الملكية الفكرية.
ويُعدّ تحليل الحمض النووي أداة قوية لتحديد النباتات التي يجب مقارنة الصنف الجديد بها.
ويقول آرينس: "إنّ الأمر يشبه ما نقوم به في علوم الأدلة الجنائية، نستخدم علامات جينية في مواقع مختلفة من الحمض النووي، وهذا يعطي نمطاً معيناً، ثم تكون لديك فرصة لمطابقته أو عدم مطابقته".

لا تبيع شركة "فلوريكالتورا" منتجاتها للجمهور أو حتى لمراكز الحدائق، فعملها يتركّز على إنتاج وتطوير أصناف جديدة تبيعها للمزارعين الذين يقومون بزراعة النباتات على نطاق واسع.
ولديهم أكثر من 180 صنفاً في مجموعة العرض الخاصة بهم، لكن هناك عدة مئات أخرى قيد التطوير، لأنّ الطلب على الجديد والتجديد لا يتوقف أبداً.
ويقول ستيفان كوِيبر، مدير عمليات التهجين في الشركة: "لا يمكنك التوقف، لأنّ تطوير الأصناف الجديدة يستغرق وقتاً طويلاً".
ويضيف: "عليك الاستمرار، وإلا ستتخلف عن البقية".
وبعد الفحص الجيني والاختيار الأولي، تستغرق النباتات (المحاولات الأولى لإنتاج صنف جديد، وهي نباتات شقيقة من الأوركيد الأم) حوالي 3 سنوات لتنمو، أولاً في ظروف داخل المختبر ثمّ في البيوت الزجاجية، ولكن لا تزال هناك سنوات أخرى في مرحلة التطوير.
ويقول بول آرينس من جامعة فاخينينغن للأبحاث: "إنّ التربية النباتية هي فنّ التخلص، أي استبعاد النباتات التي لا تتوافق مع الطموحات، لكنها أيضاً فنّ تكثير ما يتبقى، لأنّ المجموعة التالية من النباتات لن تكون أشقاء، بل ستكون نسخاً طبق الأصل من تلك التي نجت من جولة الانتقاء، أي مستنسخات".
ويخبرني ستيفان كويبر: "في البداية، كان لدى الجميع شتلات، لذا فإنّ مرحلة التهجين ثمّ حاويات البذور ينتج عنها نباتات، لكننا في فلوريكالتورا أدخلنا الخلايا المرستيمية (الإنشائية)".
والخلايا المرستيمية هي الخلايا التي تسمح للنبات بالاستمرار في النمو طوال حياته، وهي التي تُستخدم لاستنساخ النباتات الناجية.
ولا يستطيع ستيفان شرح المزيد عن التقنية التي يستخدمونها، فمثل الأبحاث الجينية، تُعدّ من أسرار العمل.
ومع ذلك، تُزرع الشتلات المستنسخة وتُنمّى مرة أخرى، على مدى سنوات، حتى تصل إلى مرحلة انتقاء أخرى.

صدر الصورة، Floriculture
وتُعدّ زراعة الأوركيد عملاً يستهلك قدراً كبيراً من الموارد، فالنباتات تحتاج إلى حرارة، وضوء، وماء، وعناصر غذائية، على مدى أشهر طويلة.
ولا يمكن لتطبيق علم الوراثة والتقنيات الأخرى، إلا أنه يسرّع العملية إلى حد معين، ففي النهاية، يجب ترك النبات ينمو، ثم التأكد من خصائصه مثل شكل الزهرة وحجمها، ولونها، وعدد السيقان، ومقاومة الأمراض وغيرها، ثم إجراء عملية اختيار جديدة.
وتتطلب هذه العملية نقل الشتلات الصغيرة جواً إلى الهند، وبالشاحنات إلى بولندا، قبل أن تعود إلى موقع "فلوريكالتورا" في هيمسكيرك بشمال هولندا، حيث توجد أكثر من 7 هكتارات من المساحات الزراعية داخل البيوت الزجاجية المخصصة للتطوير والإنتاج.
ويجري جمع مياه الأمطار من أسطح البيوت الزجاجية، واستجابةً لتغيرات أنماط الطقس، بدأت الشركة الآن في إعادة تدوير هذه المياه وما تحتويه من عناصر غذائية لاستخدامها مرة أخرى.
ويعرض فارت فان زونيفيلد بفخر البئر الجيوحراري لديهم، الذي يضخ المياه من عمق 3 كيلومترات تحت سطح الأرض بدرجة حرارة تبلغ 102 درجة مئوية.
ويوفر هذا المصدر كمية كبيرة من الطاقة، لدرجة أنهم يدرسون إمكانية مشاركته مع المجلس المحلي في مشاريع التدفئة الإقليمية.
ولا يقتصر الأمر على أنظمة المراقبة وحدها التي أصبحت آلية، ففي البيوت الزجاجية الضخمة، تتحرك صواني النباتات على بكرات تنقلها بشكل متسلسل إلى المرحلة التالية من الزراعة.
ومع ذلك، لا تزال هناك مهمة واحدة في "فلوريكالتورا" تُترك للبشر فقط.
فبينما تمّ تحويل جميع أدوات تطوير الأصناف الجديدة، واستنساخ النباتات، وتقييم النتائج عبر الابتكار التكنولوجي، إلا إنّ القرار النهائي بشأن الأصناف التي ستدخل الكتالوج الخاص بالشركة بعد 9 سنوات من العمل، لا يزال يُتخذ من قبل ستيفان كوِيبر وزملائه.
فقد يستوفي النبات جميع الشروط الجينية الصحيحة ويُظهر الصفات المطلوبة، لكنه يجب أن يكون جميلاً ليُباع، وهذا حكم يصدره البشر.
ويقول كوِيبر: "التربية النباتية تشبه إلى حد ما المقامرة"، ولا يزال حتى الآن، هذا العنصر البشري فيها حاضراً.






























