تاريخ "دموي" لمنتجع صحي يعالج مرضاه بالمياه المشعة

منتجع ياخيموف

صدر الصورة، Stanislav Dusik

    • Author, ماثيو فيكري
    • Role, صحفي

تتساقط المياه من سقف مدخل المنجم الضيق، ويتردد صدى صوت القطرات عند ارتطامها بالقضبان الصدئة التي كانت تسير عليها منذ عقود طويلة عربات نقل حجارة، كان بعضها يحتوي على خام اليورانيوم، وتنقلها إلى خارج المنجم القابع وسط التل المحاط بالأشجار، لتحملها القطارات السوفيتية المنتظرة في الخارج.

ويقول زدنيك ماندرهوليك، من أمام مدخل المنجم في قرية ياخيموف التشيكية التي تقع على الحدود بين ألمانيا وجمهورية تشيك: "أتذكر أن درجة الحرارة في المنجم كانت مرتفعة دائما، سواء كان الجو باردا أو حارا في الخارج. وكان السوفيت يفعلون بنا ما يشاؤون".

وأمضى ماندرهوليك، البالغ من العمر الآن 87 عاما، سبع سنوات سجينا سياسيا في معسكرات الاعتقال السوفيتيه، وأ Eرغم في فترة عقوبته على التنقيب عن اليورانيوم، الذي استخدمه الاتحاد السوفيتي في سباق التسلح النووي إبان الحرب الباردة.

وتغص التلال المحيطة بقرية ياخيموف باليورانيوم، ويعود الفضل في اكتشاف خام "يورانينيت المشع" الغني باليورانيوم في تلك القرية إلى ماري كوري في نهاية القرن التاسع عشر، لكن أعمال تعدين اليورانيوم لم تزدهر في هذه المدينة إلا بعدما تولى الشيوعيون مقاليد الحكم في تشيكوسلوفاكيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستغلوا آلاف السجناء السياسيين للعمل بالسخرة في هذه المناجم.

ووصل عدد مناجم اليورانيوم، في أوج عمليات التعدين في الخمسينيات، إلى 12 منجما داخل ياخيموف وعلى مشارفها، وتشكلت غابة نووية من الأنفاق تحت تلالها، وتحولت القرية إلى معسكر اعتقال سوفيتي ضخم.

استغل السوفيت العمال التشيكيين في العمل بالسخرة لاستخراج خام اليورانيوم من المناجم

صدر الصورة، Matthew Vickery

التعليق على الصورة، استغل السوفيت العمال التشيكيين في العمل بالسخرة لاستخراج خام اليورانيوم من المناجم

وكانت ظروف العمل في المناجم قاسية وغير آمنة، إذ لم يكن السجناء يرتدون الأقنعة أو الملابس التي تكفي لحمايتهم من المواد النووية. وأشار ماندرهوليك إلى برج مبني بالطوب الأحمر عند مدخل القرية، ويطلق عليه اسم "برج الموت"، حيث كان اليورانيوم يُطحن ويحوَّل إلى تراب، وكان السجناء يُرغمون على العمل بلا أي معدات واقية.

وكانت حوادث المناجم أمرا معتادا، وكثيرا ما كانت القنوات المجوفة تنهار على رؤوس العمال.

ويقول ماندرهوليك وهو يتمالك نفسه من البكاء: "في إحدى المرات، انهار السقف وأطاح بأحد العمال إلى إحدى الحفر العميقة في المنجم، وصرنا نلملم أشلاءه لأيام". وقد ألقي القبض على ماندرهوليك وهو يحاول الفرار خارج المدينة في عام 1953.

ويضيف: "قد يستغرق الحديث عن هذه الحوادث النهار بأكمله". وبينما أُغلقت المناجم التي عمل فيها السجناء قسرا لسنوات في قرية ياخيموف منذ عقود مضت، فإن منجما سطحيا واحدا لا يزال مفتوحا.

إلا أن هذا المنجم لا يستخدم في تعدين اليورانيوم، بل تُستمد منه المياه المشعة.

وقد هُجرت مبانٍ لا حصر لها في قرية ياخيموف وباتت خاوية على عروشها، لكن مجمعا علاجيا واحدا يخطف الأبصار في مدخل القرية بفخامته ولونه الأبيض الساطع، وهو مصحة "راديوم بالاس".

في داخل المبنى، الذي افتتح في عام 1912، يجول المرضى الأثرياء بمعاطفهم البيضاء، على سجاجيد حمراء تمتد عبر أروقته الفاخرة.

وجاء بعضهم إلى هنا بحثا عن طرق بديلة لتسكين الألم، حتى لو كانت هذه الطرق هي حمامات من المياه المذاب فيها عنصر الرادون، وهو غاز مشع ناتج عن تحلل اليورانيوم. وقد ظلت ينابيع المياه الغنية بالرادون تجري عبر هذه المناجم لسنوات طوال.

أحد الملصقات التحذيرية على أبواب المناطق التي يُعالج فيها المرضى بالمياه المشبعة بالرادون المشع

صدر الصورة، Matthew Vickery

التعليق على الصورة، الملصقات التحذيرية على أبواب المناطق التي يُعالج فيها المرضى بالمياه المشبعة بالرادون المشع

قد يبدو غمر الجسم في المياه المستمدة من منجم اليورانيوم أمرا منفرا، فربما لا أحد يجرؤ على الاستحمام في مياه صرف مشبعة بالعناصر المشعة. إلا أن الأطباء في مصحة "راديوم بالاس" لهم رأي مختلف.

يقول ييندريتش ماسيك، كبير الأطباء بمصحة "راديوم بالاس" لبي بي سي فيوتشر: "للمياه المشبعة بالرادون ميزتان علاجيتان، أولا تعمل هذه المياه كمضاد للالتهاب، وثانيا، تؤثر مباشرة على الألم. ويعادل تأثيرها كمسكن للألم تأثير المورفين، لكنه قد يدوم لفترات أطول بمراحل".

ويضيف: "لدينا نسب مختلفة من الاشعاعات، وقد نستخدم ما نشاء منها على المرضى، ولكننا نقيّم أولا المخاطر مقابل المردود الصحي، ولهذا نستخدم جرعات ضئيلة للغاية حتى نساعد المريض ولا نسبب له أذى".

ويتقاطر الزوار على هذه المصحة طلبا لتخفيف الآلام المبرحة التي تسببها طائفة من الأمراض، من الاضطرابات العصبية إلى التهاب المفاصل والنقرس.

ويقول فاكلاف بوسيليك، الذي يعاني من التهاب مزمن في المفاصل المحورية ويعالجه الطبيب ماسيك، إن مزايا المياه المشعة تفوق سلبياتها بمراحل. ويتردد بوسيليك على المصحة منذ 30 عاما للتداوي بالمياه المشبعة بالرادون.

ويقول بوسيليك: "عندما استعصت آلامي على العلاج، نصحني أحد الأشخاص بحمامات المياه المشبعة بالرادون، ومنذ ذلك الحين، أتردد على هذا المكان وأجلس في الحمام لمدة 20 دقيقة في اليوم. ولكنني لا أستطيع النزول في هذا المنتجع والحصول على العلاج إلا مرة واحدة في السنة لأنه غني بالعناصر المشعة".

ويتابع: "ينفرد كل منتجع صحي بمادة أو مصدر طبيعي معين، وهذا المنتجع يتميز بالمياه الغنية بالرادون".

قرية ياكيموف

صدر الصورة، Martin Trabalik

التعليق على الصورة، اكتُشف اليوروانيوم للمرة الأولى في تلال على مشارف قرية ياخيموف في القرن التاسع عشر

وفي كل مرة يأتي فيها بوسيليك للعلاج، يقيم في المصحة 24 يوما، ولهذا أصبح وجهه مألوفا في الفندق الفاخر، ويستقبله العاملون في جميع الأقسام بترحاب.

وبينما يفضل الضيوف من أثرياء العرب الجلوس في المطاعم الفخمة داخل المنتجع، يفضل الروس والتشيكيون الحانات ذات الواجهات الزجاجية المطلة على الحديقة المنسقة.

وفي ردهة الفندق، يستقر تمثال صغير عاري الصدر إلى جوار السلالم المفروشة بسجاد أحمر قاتم، والتي تقودك إلى غرف الفندق الفاخرة.

لكن المواد المشعة لا توجد إلا في الطابق السفلي.

وقادني بوسيليك في جولة حول المنتجع، ودلفنا إلى المنطقة التي وُضعت على أبوابها ملصقات تحذيرية تحمل علامة المواد المشعة المعروفة، حيث يرتدي طاقم التمريض معاطف بيضاء، وتوجد حجرات صغيرة تفصل بينها ستائر، ويتوسط كل منها مغطس تتدفق فيه المياه الساخنة من كل جانب، يشبه أحواض "الجاكوزي"، وتحتوي هذه المياه على غاز الرادون. ويغمر المريض جسمه في المياه المشعة المستمدة من التلال المجاورة.

فينتروفا ماندرهوليك

صدر الصورة، Martin Trabalik

التعليق على الصورة، فينتروفا ماندرهوليك يستعرض صورا التقطت بالأقمار الصناعية لمعسكرات الاعتقال التي كان سجينا فيها

إلا أن استغلال منتجع صحي باذخ للتلال التي تعج بالمناجم، وما اقتُرن بها من ماضٍ سوفيتي مظلم، في تقديم علاج صحي باهظ الثمن للأثرياء، سيحملك حتما على المقارنة بين الثراء والعلاج (المزعوم) بالمياه الغنية بالرادون، وبين المآسي التي شهدتها المناجم منذ عقود مضت.

إنها مقاربة لافتة قد لا يلاحظها المرضى والعاملون بالمنتجع، أو لعلهم يفضلون غض الطرف عنها.

لكن ماندرهوليك لا يجد غضاضة في تربّح المنتجع الصحي من المناجم، ولا يكنّ أي ضغينة للمرضى الذين استنفدوا كل سبل العلاج الطبي ولجؤوا إلى هذا العالم العجيب بحثا عن علاج بديل.

وقد انبهر ماندرهوليك وشعر بالفخر عندما دخل إلى ردهة "راديوم بالاس"، بعد الجولة التي اصطحب فيها "بي بي سي فيوتشر" حول قرية ياخيموف.

ويقول ماندرهوليك: "من المؤسف أن هذه الموارد التي تتمتع بها الدولة كانت تهدر في السابق، ولو كنا استفدنا منها من البداية، لكانت البلاد الآن تضاهي سويسرا من حيث التطور، وكانت الأموال ستُنفق على إقامة الطرق السريعة والمدارس. إلا أن موارد البلاد قُدمت في المقابل على طبق من فضة للاتحاد السوفيتي بلا مقابل، واستعبدوا التشيكيين لاستخراجها".

والتقى ماندرهوليك وبوسيليك، الذي كان سجينا سياسيا أيضا في الماضي، وجلسا في ردهة الفندق الفسيحة. وتحدثا معا عن أدوارهما في مناجم اليورانيوم في قرية ياخيموف في الماضي وفي الحاضر.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future