زيارة إلى "حارس الآلهة" التي نبذها أصحابها في هونغ كونغ

زيارة إلى "حارس الآلهة" التي نبذها أصحابها في هونغ كونغ

صدر الصورة، Matthew Keegan

يؤمن سكان هونغ كونغ، بأنه لا يجوز للمرء على الإطلاق، التخلص من التماثيل القديمة لأي إله أو معبود. ولعل ذلك ما حدا بواحد منهم، لأن يعكف على مدى أكثر من 30 عاما، على أن يُجمِّع آلافا من التماثيل التي نبذها أصحابها، بهدف العناية بها ووضعها على سفح أحد التلال.

إذا تسنى لك زيارة متنزه "ووتر فول باي" الواقع على الساحل الجنوبي الغربي لهونغ كونغ، ستشعر بأنك انتقلت إلى واحة من الهدوء والوداعة، لا صلة لها على الإطلاق بالشوارع الصاخبة الغاصة بناطحات السحاب، التي يمتزج فيها الزجاج بالصلب، وتتراص في غالبية أنحاء منطقة وسط المدينة، في هذه المستعمرة البريطانية السابقة.

وفي القرن الثامن عشر، اجتذبت الشلالات المتدفقة في هذا المتنزه، السفن التجارية البريطانية والقراصنة سواء بسواء. بجانب ذلك، يقول البعض إن هونغ كونغ استمدت اسمها نفسه، من المياه العذبة الصالحة للشرب، التي تغذي هذه الشلالات، والتي يُطلق عليها السكان اسم "هونغ غونغ".

أما الآن، فيَفِد الزوار إلى هذه المنطقة لرؤية غابات الصنوبر الموجودة في المتنزه، والاستمتاع بإطلالة هذه المنطقة على سواحل هونغ كونغ. إذ يبدو المشهد ساحرا من فوق منحدرات ذلك المتنزه، التي تؤطرها الجبال، وتطل على بحر الصين الجنوبي.

لكن الأعجوبة الحقيقية لهذه البقعة، تكمن في وجود مكان ربما يفاجئ الكثير من الزوار. فعبر مدخل جانبي يقودك عبر مجموعة من درجات السلم، إلى منطقة عامرة بالخضرة، تُظللها أشجار تين الهند، ستجد على مرمى البصر، مشهدا ساحرا، عبارة عن آلاف من التماثيل الملونة لبوذا ولآلهة أخرى، تغطى أحد التلال.

ورغم أن الزوار يتوقفون بين الحين والآخر عند تلك التماثيل، التي يصل ارتفاعها إلى مستوى الركبة، إما لالتقاط صور، أو لإشعال البخور بجوارها كنوع من القرابين، فإن كثيرا منهم، لا يعرفون سبب تجميع هذا العدد الكبير منها هناك، أو وجودها في ذلك المكان من الأصل.

لكنني وجدت الإجابة على أسئلة مثل هذه، خلال زيارة قمت بها مؤخرا إلى المتنزه، حينما رأيت رجلا لطيفا متقدما في العمر، يعكف على إبعاد أوراق الأشجار المتساقطة، على بعض من هذه التماثيل، وينفض الغبار على البعض الآخر منها، باستخدام قطعة قماش.

الشلالات الموجودة في متنزه "ووتر فول باي"

صدر الصورة، Tuomas Lehtinen/Getty Images

التعليق على الصورة، يُقال إن هونغ كونغ استمدت اسمها من "هونغ غونغ"، وهو الاسم الذي يطلقه السكان على الشلالات الموجودة في متنزه "ووتر فول باي"

يُدعى الرجل وونغ وينغ-بونغ، ويبلغ من العمر 88 عاما. وقال لي إنه اختار أن يكون المشرف الوحيد على هذا الموقع، الذي يُعرف محليا بأنه "فضاء يغص بالآلهة وتماثيل بوذا". وبحسب كلمات وونغ، الذي يقيم في شقة بمبنى يقع على منحدر صخري مطل على المتنزه، فقد بدأ الاضطلاع بهذه المهمة، الذي ابتكرها بنفسه، منذ أكثر من 30 عاما.

وأخبرني الرجل بأن هذا التل لم يكن يضم سوى بضعة تماثيل في البداية، قبل أن يصبح مغطى بها بمرور الوقت. ومع أن وونغ لا يعلم عدد هذه التماثيل بدقة، فإنه يُقدِّر أنها تتراوح ما بين ألفين وثلاثة آلاف تمثال، وذلك بعدما عُرِفَ على نطاق واسع، بأن "هذه هي البقعة التي يمكن أن تُجلب إليها تماثيل الآلهة، التي نبذها أصحابها، ما جعل ذلك المكان أشبه بـ `دار للمتقاعدين` بالنسبة لها. وهو ما يدفع الناس إلى جلب التماثيل إلى هنا، عندما يجدون أنه لم تعد هناك مساحة في منازلهم، تُمَكِنّهم من إبقائها بين جنباتها.

وخلال وجود تماثيل تلك الآلهة في المنازل بهونغ كونغ، يُتعبد لها في مزارات صغيرة يقيمها السكان. وتُشعل البخور، كقرابين لها، ويُصلى لهذه التماثيل كذلك، لكي تُسبغ على السكان الحماية وتُوهب لهم الصحة والحظ الحسن.

وونغ

صدر الصورة، Matthew Keegan

التعليق على الصورة، يتعهد وونغ هذه التماثيل بالرعاية والعناية منذ أكثر من 30 عاما، وذلك في وقت لا يعلم فيه الكثير من سكان هونغ كونغ سبب وجودها وبهذه الكثرة في ذلك المكان

لكن بات من الشائع في تلك المدينة المعروفة بمحدودية مساحة الوحدات السكنية فيها، وارتفاع أسعار المناطق المخصصة للسكن، ومن ثم الإيجارات في أنحائها، ألا يجد السكان مساحات كافية في منازلهم، للاحتفاظ بتماثيل الآلهة التي يؤمنون بها، وتخص المعتقدات الدينية السائدة في هذه البقعة من العالم، مثل الطاوية والبوذية والكونفوشيوسية.

وبدلا من أن يلقي هؤلاء السكان تماثيلهم الصغيرة هذه في مكبات النفايات، بعدما تتقادم أو تتعرض للتلف، مما قد يجلب لهم سوء الحظ بحسب اعتقادهم، غالبا ما يؤْثِرون تركها على تقاطعات الطرق. ويفضي ذلك بالتبعية، إلى ظهور مزارات دينية مرتجلة ومحدودة المساحة في مختلف أنحاء هونغ كونغ، لتماثيل هذه الآلهة، ومن بين أكثرها شعبية، غوانيين ربة العطف والطيبة والرحمة، وكواندي إله الحرب، وتين خاو ربة البحر.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تحول الموقع الذي يرعاه وونغ وينغ-بونغ، إلى بديل لمن يريدون التخلص من تماثيل الآلهة الخاصة بهم، ليصبح أكبر مكان مفتوح، يضم تلك التماثيل في هونغ كونغ.

يوجد في هذا المكان الآن ما يتراوح بين 2000 و3000 تمثال، بعدما كان لا يضم سوى عدد محدود منها قبل بضعة عقود

صدر الصورة، Ian Hinchliffe/Alamy

التعليق على الصورة، يوجد في هذا المكان الآن ما يتراوح بين 2000 و3000 تمثال، بعدما كان لا يضم سوى عدد محدود منها قبل بضعة عقود

ويقول وونغ في هذا الشأن: "يهدف شراء تمثال لإله إلى أن تنعم وأسرتك بالحظ الحسن والصحة الجيدة والثراء. لذا فإن نبذك لتلك التماثيل، يعني أنه لن يعود بوسعك أن تحظى بهذه البركات"، ما يشير إلى أن إلقاءك لها في مكبات النفايات مثلا، لا يشكل خيارا مفيدا بالنسبة لك.

ويصب هذا الاعتقاد في صالح هذا الرجل البوذي المتدين منذ نعومة أظفاره، إذ يؤدي إلى زيادة عدد التماثيل، التي تُجلب إلى ذاك التل الواقع في متنزه "ووتر فول باي". ويؤمن وونغ بأن عناية إلهية ما، هي التي قادته لأن يضطلع بهذه المهمة التي اختارها لنفسه، قائلا: "كان مُقدرا لي أن أحمي هذه التماثيل. إذا لم أعُنى بها، لم يكن أحد ليفعل ذلك. أقوم بذلك بدافع العطف والشفقة".

المفارقة أن وونغ الذي بدأ حياته جزارا، وانغمس في غالبية فترات حياته بحكم عمله في تقطيع الذبائح، أصبح الآن يقضي وقته - في ما يبدو تحولا شاعريا إلى حد ما - في تجميع التماثيل وصيانتها، وإصلاح أي شروخ قد تلحق بها.

يعتني وونغ، البوذي المتدين، بتماثيل آلهة تخص المعتقدات الدينية دون تمييز

صدر الصورة، Ian Hinchliffe/Alamy

التعليق على الصورة، يعتني وونغ، البوذي المتدين، بتماثيل آلهة تخص المعتقدات الدينية دون تمييز، ويشعر بأنه لا يقوى على أن يرى تماثيل مثل هذه، وقد تُرِكَت دون عناية ورعاية

ويتفقد وونغ مكان حفظ هذه التماثيل مرتين يوميا. عادة ما تكون أولاها في فترة الصباح، في نحو الساعة الثامنة. أما الثانية ففي وقت متأخر، من فترة ما بعد الظهر. وتتضمن الأنشطة التي يمارسها خلال هاتين الزيارتين، إبعاد أوراق الأشجار عن تلك التماثيل، وتنظيفها وإصلاح أي كسور أو تشققات تلحق بها، عبر أنبوب غِراء فوري، يحمله دائما في أحد جيوبه. ويؤمن الرجل بأن الاعتناء جيدا بهذه التماثيل، يجعل الآلهة التي تمثلها تُعتني به بدورها، وتمنحه بركاتها بشكل مستمر.

ورغم أن غالبية التماثيل الموجودة في هذا المكان، تخص المعتقدات البوذية والطاوية، فإن وونغ يرحب بالاضطلاع برعاية تماثيل آلهة أو منحوتات أي ديانة أو معتقد آخر، بما في ذلك بعض الأيقونات المسيحية، التي يمكن للزوار رؤيتها تتراص على ذلك التل. ويشير الرجل في هذا السياق، إلى أن بوسعنا القول، إنه يقوم على "رعاية كل الأرباب. فلهم جميعا القيمة نفسها بالنسبة لي".

وفي واقع الأمر، تعكس المجموعة الواسعة المنتمية لثقافات متنوعة من تماثيل الآلهة الموجودة في هذا الموقع، طبيعة هونغ كونغ نفسها، ومزيج التأثيرات الشرقية والغربية، التي لا تزال تُشكِل ملامحها.

ويقول وونغ: "أقبل تماثيل الآلهة الخاصة بكل الأديان، لا البوذية وحدها. أرحب بها جميعا. هذه هي البقعة الوحيدة في هونغ كونغ، التي تستوعب كل هذه التماثيل، بغض النظر عن اختلاف الديانات والمعتقدات".

ينظف وونغ التماثيل التي يعتني بها، ويعالج أي شقوق أو كسور فيها، باستخدام أنبوب من الغِراء، يحتفظ به دائما في أحد جيوبه

صدر الصورة، Matthew Keegan

التعليق على الصورة، ينظف وونغ التماثيل التي يعتني بها، ويعالج أي شقوق أو كسور فيها، باستخدام أنبوب من الغِراء، يحتفظ به دائما في أحد جيوبه

ورغم العدد الهائل لهذه التماثيل، فإن وجودها والشخص القائم على العناية بها، لا يزالان غير معروفيْن بالنسبة للكثير من سكان هونغ كونغ. فعندما تواصلت مع السلطات المسؤولة عن إدارة المتنزه، للاستفسار عما إذا كان بوسعها ترتيب لقاء بيني وبين وونغ، قال مسؤولوها إنه لم يسبق لهم أن يعرفوا بوجود هذا الرجل أو وجود تماثيله من الأصل.

وفي كل زيارة يقوم بها إلى هذا المكان، يحرص وونغ على أداء بعض الصلوات، وإشعال البخور كقربان للآلهة التي توجد تماثيلها على التل الواقع هناك. وبلياقة لافتة بالنسبة لسنه، يجوب الرجل مختلف أنحاء التل، الذي يبدو في حجم حافلة من ثلاثة طوابق، بل ويتسلق الصخور الضخمة، لكي يصل إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها في هذا المكان. كما يسير في الممرات الضيقة، التي تمضي متعرجة على جانب التل.

ويقول وونغ وهو ينظر بعاطفة أبوية لتماثيله الكثيرة : "شكرا للآلهة؛ فقد أنعمت عليّ بالصحة". ورغم أن هذا الرجل، لم يجلب من قبل أي تمثال إلى هذا المكان، فقد أخذ عددا محدودا منها، إلى منزله خلال السنوات الماضية.

لا يزال وونغ والمزار الذي يُشرف عليها ويضم آلاف التماثيل، غير معروفيْن نسبيا لغالبية سكان هونغ كونغ

صدر الصورة، Matthew Keegan

التعليق على الصورة، لا يزال وونغ والمزار الذي يُشرف عليها ويضم آلاف التماثيل، غير معروفيْن نسبيا لغالبية سكان هونغ كونغ

ويرى وونغ أن عدم ذيوع شهرة هذا الموقع، على نطاق واسع، لا يحول دون أن يجلب من يعرفون بوجوده، تماثيل له بشكل شهري. وبينما تترك بعض الشركات والمشروعات التجارية مثل المطاعم، التماثيل التي لا ترغب في مواصلة الاحتفاظ بها، في سفح التل، ما يدفع وونغ إلى السعي لإيجاد مكان لوضعها فيه بنفسه، يحرص أشخاص آخرون على اختيار الموقع، الذي يضعون فيه تماثيلهم بأنفسهم.

ويقول الرجل إن الأمر يبلغ حد "شراء البعض تماثيل، لا لشيء إلا لجلبها إلى هنا. هم يعرفون أن هذا الموقع يشكل مكانا يمكنهم فيه التعبد للآلهة، والحصول في المقابل على بركاتها".

ومن بين سكان هونغ كونغ الذين يقصدون هذا المكان، سيدة تُدعى مِس لي، تحرص على القيام بذلك، منذ أكثر من 20 عاما. وقالت لي، وهي تضع أعواد البخور في جُرّة موضوعة أمام أحد التماثيل، إنها جلبت في ذات مرة تمثالا إلى ذلك التل من منزلها.

وتشعر هذه السيدة بالامتنان لكل ما يبذله وونغ من جهود للعناية بهذا الموقع، وتؤكد أنها تسعى لأن تزور المكان بقدر ما تستطيع، قائلة: "أحب كل الآلهة، فهي جميلة. آتي إلى هنا لأصلي لأنني أريد جلب الحظ الحسن لأسرتي".

ويعتبر وونغ أن الموقع الذي يضم تماثيله ينعم بالحظ الحسن، نظرا لأنه يطل على الجبال والمحيط، وهي بقعة يُقال إنها تحتشد بطاقة "فينغ شوي"، الناجمة عن التناغم بين الموجودات في الطبيعة.

ويقول الرجل في هذا الشأن: "قال كل خبراء الـ `فينغ شوي` إن هذا المكان حسن الطالع للغاية. وأعتقد في ضوء ذلك، أن بدء وصول (تماثيل) الآلهة إلى هنا، واستمرار الناس في جلبها إلى تلك البقعة، يشكلان قدرا مقدورا".

ويعتقد وونغ أن إطلالة واجهات هذه التماثيل على المحيط، تكفل للآلهة التي تمثلها، أن تبقى محمية، ما يجعلها بالتبعية قادرة على إسباغ الحماية والنِعَم على أتباعها. ويقول إن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يمتد للطقس كذلك، مشيرا إلى أن الأجواء على التل الذي توجد عليه التماثيل، تظل لطيفة حتى عندما ترتفع درجة الحرارة في الصيف. كما لا تسود المكان برودة شديدة في الشتاء، رغم تدني درجات الحرارة، في المناطق الأخرى في هونغ كونغ.

ويقول وونغ إنه عازم على مواصلة حماية تلك التماثيل، إلى أن يصل إلى مرحلة لا يقوى فيها على الحركة. ويشير إلى أنه مطمئن، من أنه سيوجد هناك، من سيتولى هذه المهمة، بدلا منه بعد ذلك.

ويوضح وونغ رؤيته في هذا الشأن بالقول: "أؤمن بأن الطاقة الجيدة لهذا المكان، ستدفع المارة إلى مواصلة القدوم إليه والتعبد إلى آلهته. وحتى عندما أرحل، سيُوَجه شخص ما، لأن يأتي إلى هنا، للاعتناء بالتماثيل، تماما كما حدث معي طيلة كل هذه السنوات الماضية. ستتيقن الآلهة، من أن أحدا سيُعنى بها. إنه لأمر مُقدر سلفا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Travel