في الوقت الذي كان فيه القصف الإسرائيلي يستهدف الأبراج السكنية الواحد تلو الآخر في مدينة غزة، ورد اتصال هاتفي لطالما خشيه عالم الآثار البارز في غزة، فاضل العتل، وهو اتصال يُنذر الجيش الإسرائيلي من خلاله بأنه سيستهدف برجاً يضم آلاف الكنوز الأثرية.
وقال فاضل الذي يقيم في سويسرا حالياً مع معظم أفراد عائلته، يوم الجمعة: "بصراحة، أكاد أعجز عن الكلام، لم أذق طعم النوم منذ يومين، القلق يقتلني بشدة، أشعر وكأن صاروخاً قد يسقط على قلبي في أية لحظة".
وتولى فاضل مع آخرين توجيه متطوعين فلسطينيين وعاملي إغاثة عن بُعد في مهمة استثنائية، بعد تدخل خبراء دوليين طالبوا إسرائيل بمهلة إضافية ليوم واحد، في سباق مع الزمن، إذ نقلت ست شاحنات قطعاً أثرية، بما فيها خزف هش وفسيفساء وهياكل عظمية عمرها قرون، إلى مكان أكثر أمناً في المدينة المدمرة.

تضررت بعض القطع الأثرية في وقت سابق نتيجة القصف الإسرائيلي القريب وعمليات اقتحام للموقع، إلا أن فاضل كان قد أعد صناديق لحفظ القطع الأثرية وتنسيقها بعناية على الرفوف.
ويقدّر خبراء أن نحو 70 في المئة من محتويات المخزن، الواقع في الطابق الأرضي، نُقلت بنجاح، من بينها العديد من الاكتشافات الأثرية النادرة.


بيد أن جميع القطع الأثرية التي تُركت دُمرت عندما قصفت الصواريخ مبنى الكوثر المكوَّن من 13 طابقاً يوم الأحد الماضي، وقال الجيش الإسرائيلي إن القصف كان يستهدف "بنية تحتية إرهابية تابعة لحماس".
ومنذ ذلك الوقت، أعلنت القوات الإسرائيلية أنها تتحرك نحو وسط مدينة غزة، بدءاً من المرحلة الرئيسية لعملية احتلال المدينة بالكامل.
وكتب فاضل في آخر رسالة له: "أنا حزين جداً، قلبي ينفطر، لم يخطر ببالي أبداً أن المواقع الأثرية والمتاحف والمتاجر ستُدمر يوماً ما".


يعود تاريخ قطاع غزة إلى ما يزيد على خمسة آلاف عام. ففي العصور القديمة، كان القطاع عبارة عن ميناء استراتيجي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويقع على طريق تجاري حيوي يربط بين مصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين. وفي عام 332 قبل الميلاد، حاصر الإسكندر الأكبر غزة، وفي عام 1799 شن نابليون هجوماً عليها.
وشهد الإقليم الصغير كما نعرفه اليوم، حضارات متعددة شملت الكنعانيين والمصريين والفلسطينيين والآشوريين والفرس واليونانيين والحشمونيين اليهود والرومان والبيزنطيين المسيحيين والمماليك والعثمانيين، وجميع هذه الحضارات تركت أثرها.

يعتبر كثير من الفلسطينيين هذا التراث الثقافي الزاخر عنصراً محورياً يدخل في صميم هويتهم، وعلى الرغم من ويلات الحرب التي استمرت نحو عامين، ظل بعضهم ملتزماً بجهود إنقاذ تاريخ غزة.
نشأ فاضل العتل في ظروف متواضعة داخل أحد المخيمات الكبرى في غزة، وهو مخيم الشاطئ، كان شغوفاً منذ صغره بالاكتشافات التي تجرفها الأمواج على الساحل خلال العواصف الشتوية. ويقول فاضل، متحدثاً عن مسيرته المهنية: "كل هذا حدث بمحض الصدفة. تبين أنني كنت أعيش بجوار موقع ميناء أنثيدون القديم".

خلال تسعينيات القرن الماضي، وفي مرحلة سن المراهقة، رافق فاضل فريقاً من المركز الفرنسي لدراسة الكتاب المقدس والآثار في القدس خلال أعمال الحفر في ميناء أنثيدون، الذي يعود تاريخه إلى نحو ثلاثة آلاف عام.
كما حصل فاضل على تدريب في فرنسا قبل أن يعود إلى وطنه ليدير أعمال تنقيب مهمة، بما في ذلك دير القديس هيلاريون، وهو دير واسع يعود إلى العصور المبكرة للمسيحية في وسط غزة، واعترفت به منظمة اليونسكو، العام الماضي، كموقع للتراث العالمي.

يقول فاضل: "أحببت العمل هناك كثيراً. إنه مرآة لتاريخ غزة الثري والتسامح الاجتماعي فيها. بُني الموقع في القرن الرابع الميلادي، وظل مزدهراً حتى القرن السابع، خلال عصر الدولة الأموية الإسلامية، وهناك عاش المسلمون والمسيحيون معاً".
وعلى مدار سنوات، حافظ فاضل على المخزن التابع للمركز الفرنسي في مدينة غزة، والذي كان يضم عدداً من الاكتشافات المهمة خلال ثلاثة عقود من الحفريات الأثرية المحلية، وفي الآونة الأخيرة، جرى العثور على اكتشافات مثيرة في كنيسة البريج في وسط غزة وأكبر مقبرة رومانية عُثر عليها في غزة، وتعرف باسم "أرض المحاربين".
بيد أن المشهد، وكل شيء تغير في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما شن مقاتلو حماس من غزة هجوماً عابراً للحدود على إسرائيل، أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، بحسب بيانات الحكومة الإسرائيلية. كما احتجزت حماس 251 رهينة، لا يزال 48 منهم في غزة، ويعتقد أن 20 منهم فقط على قيد الحياة.

يقول فاضل: "أحببت العمل هناك كثيراً. إنه مرآة لتاريخ غزة الثري والتسامح الاجتماعي فيها. بُني الموقع في القرن الرابع الميلادي، وظل مزدهراً حتى القرن السابع، خلال عصر الدولة الأموية الإسلامية، وهناك عاش المسلمون والمسيحيون معاً".
وعلى مدار سنوات، حافظ فاضل على المخزن التابع للمركز الفرنسي في مدينة غزة، والذي كان يضم عدداً من الاكتشافات المهمة خلال ثلاثة عقود من الحفائر الأثرية المحلية، وفي الآونة الأخيرة، جرى العثور على اكتشافات مثيرة في كنيسة البريج في وسط غزة وأكبر مقبرة رومانية عُثر عليها في غزة، وتعرف باسم "أرض المحاربين".
بيد أن المشهد وكل شيء تغير في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما شن مقاتلو حماس من غزة هجوماً عابراً للحدود على إسرائيل، أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، بحسب بيانات الحكومة الإسرائيلية. كما احتجزت حماس 251 رهينة، لا يزال 48 منهم في غزة، ويعتقد أن 20 منهم فقط على قيد الحياة.
ورداً على هذا الهجوم، شنت إسرائيل حملة قصف مكثف وغزو بري شامل. ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل نحو 65 ألف فلسطيني منذ ذلك الوقت، وحدث دمار واسع النطاق.
وخلال الحرب، أفادت اليونسكو بأنها تحققت من حدوث أضرار طالت 110 مواقع تحتل أهمية دينية وتاريخية وثقافية.
وفي الحي القديم لمدينة غزة، تُركت المئذنة ثمانيّة الشكل المميزة للمسجد العمري الكبير، أكبر وأقدم مسجد في القطاع، على شكل جذع مكسور، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدفت "فجوة نفق للإرهابيين".


وعلى مقربة من ذلك، تعرّض "قصر الباشا"، الذي يعود تاريخ بنائه إلى 700 عام ويُعد أحد كنوز غزة الأثرية، للقصف والدمار. وفي السنوات الأخيرة كان يُستخدم كمتحف، ولا يُعرف مصير آلاف القطع الأثرية التي كان يحتفظ بها. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه ليس لديه معلومات عن استهداف هذا الموقع.
كما تعرض مدخل "سوق القيسارية"، سوق الذهب في العصور الوسطى، لقصف مباشر، فيما أفادت القوات الإسرائيلية بأنها أصابت "هدفاً عسكرياً"، ولم يعد الحمّام التقليدي المُرمَّم "حمّام السمرة" باقياً.




وشمالاً، تعرضت منطقة مقبرة "أرض المحاربين" لأضرار ودمار، وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف "مجمعاً عسكرياً لحركة حماس يُستعمل لأغراض عملياتية".
ولاحظ خبراء في آخر زيارة آمنة للكنيسة البيزنطية في جباليا، التي تعود للقرن الخامس، أن الهيكل المخصص لحماية فسيفسائها الجميل قد انهار.


يقول فاضل، الذي لا تزال ابنته الكبرى وحفيداها الصغيران في القطاع: "الوضع في غزة صعب جداً. الناس يبحثون فقط عن شيء يأكلونه ويشربونه".
وعلى الرغم من ذلك، يشير إلى أن السكان المحليين يهتمون كثيراً بكل خسائرهم، مضيفاً: "كل يوم أتلقى عشرات الاتصالات الهاتفية من أصدقاء وأشخاص عاديين وجيران يعربون فيها عن حزنهم لارتباطهم الشديد بهذه المواقع القديمة. وأقول لهم إنه بمجرد انتهاء الحرب، سنعيد ترميم هذه المواقع والقطع الأثرية".


العمل كعالِم آثار في غزة ليس بالمهمة السهلة إطلاقاً. كانت حماس، المصنفة كمنظمة إرهابية لدى العديد من الدول، قد سيطرت على قطاع غزة بالقوة عام 2007، عقب فوزها في انتخابات فلسطينية بعام واحد، ومن ثمّ فرضت إسرائيل ومصر حصاراً صارماً على القطاع بدعوى منع تدفّق الأموال والأسلحة إلى حماس.
وفي بعض الأحيان احتفت الحركة بالاكتشافات التاريخية، بيد أنها شيّدت مشاريع إسكانية وثكنات عسكرية فوق مواقع أثرية بارزة، من بينها مدينة أنثيدون القديمة، و"تل السكن" الذي يُعد موقعاً نادراً من العصر البرونزي عمره نحو 4500 عام، فضلاً عن كنيس يهودي من القرن السادس في مدينة غزة.

في ظل ندرة المساحات المفتوحة، والنمو السكاني المتسارع، والانهيار الاقتصادي، لم يكن للتاريخ أي مركز على قمة الأولويات، وقد بذل فاضل جهوداً مضنية للحصول على دعم لعلم الآثار المحلي، فوجد عوناً من جهاد أبو حسن، فلسطيني يحمل الجنسية الفرنسية وينحدر من مدينة غزة.
يعمل جهاد لدى المنظمة الإنسانية الفرنسية (منظمة الإغاثة الدولية الأولية Première Urgence Internationale)، وأسّس برنامجاً يحمل اسم "انتقال"، ويهدف إلى تدريب شباب غزة على المشاركة في أعمال الحفر والإرشاد السياحي العام. ويحظى هذا البرنامج بدعم كل من المجلس الثقافي البريطاني، وهو مؤسسة ثقافية وتعليمية بريطانية، والوكالة الفرنسية للتنمية.
وفي وقت تجاوزت فيه البطالة بين الخريجين الجدد نسبة بلغت 70 في المئة، أيقن جهاد أن برنامج "انتقال" أحدث أثراً ملموساً.
ويقول متذكراً: "تلقينا العديد من الطلبات والرغبات في العمل التطوعي، فشعرنا أن المجتمع المحلي بدأ يعي أهمية التراث الثقافي، وأن بإمكانه أن يسهم في هذا المجال".
في ظل ندرة المساحات المفتوحة، والنمو السكاني المتسارع، والانهيار الاقتصادي، لم يكن للتاريخ أي مركز على قمة الأولويات، وقد بذل فاضل جهوداً مضنية للحصول على دعم لعلم الآثار المحلي، فوجد عوناً من جهاد أبو حسن، فلسطيني يحمل الجنسية الفرنسية وينحدر من مدينة غزة.
يعمل جهاد لدى المنظمة الإنسانية الفرنسية (منظمة الإغاثة الدولية الأولية Première Urgence Internationale)، وأسّس برنامجاً يحمل اسم "انتقال"، ويهدف إلى تدريب شباب غزة على المشاركة في أعمال الحفر والإرشاد السياحي العام. ويحظى هذا البرنامج بدعم كل من المجلس الثقافي البريطاني، وهو مؤسسة ثقافية وتعليمية بريطانية، والوكالة الفرنسية للتنمية.
وفي وقت تجاوزت فيه البطالة بين الخريجين الجدد نسبة بلغت 70 في المئة، أيقن جهاد أن برنامج "انتقال" أحدث أثراً ملموساً.
ويقول متذكراً: "تلقينا العديد من الطلبات والرغبات في العمل التطوعي، فشعرنا أن المجتمع المحلي بدأ يعي أهمية التراث الثقافي، وأن بإمكانه أن يسهم في هذا المجال".

تعاون فريق "انتقال"، في الأيام الماضية، مع متطوعين من كنيسة العائلة المقدسة لإنقاذ محتويات المستودع الأثري في مدينة غزة. وكان الفريق قد سبق أن وضع حراساً للموقع، فضلاً عن إجراء أعمال تفتيش دورية بعد اقتحام قوات الجيش الإسرائيلي له مطلع عام 2024، أعقبها إقدام فلسطينيين على نهب الرفوف والصناديق لاستخدامها كحطب.
ويقول جهاد أبو حسن إن الأولوية القصوى لسكان غزة حالياً هي البقاء، بيد أنه يرى أن التراث الثقافي له دور محوري محتمل في أي خطة لإعادة الإعمار بعد الحرب، ويضيف: "لابد أن نبدأ من نقطة الصفر تقريباً، لإعادة البناء وإيصال رسالة إلى العالم أن غزة ليست مجرد صور عنف ويأس، بل أرض ثقافة وتاريخ وإنسان".
وعلى مدى العامين الماضيين، فتحت محاكم دولية عليا ملفات تتعلق بارتكاب جرائم حرب مزعومة منسوبة إلى حماس وإسرائيل، وتنفي كل منهما تلك الاتهامات. ويعد تدمير التراث الثقافي جزءاً من دعوى مرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، بعد أن اتهمت جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية"، وهي قضية أعلنت إسرائيل رفضها "باستنكار شديد".
وتنص اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي انضم إليها كل من الفلسطينيين والإسرائيليين، على ضرورة حماية المعالم الثقافية من ويلات النزاعات المسلحة، إدراكاً بأن الآثار، والمواقع الأثرية، والمتاحف، تمثل روافد أساسية لتاريخ الشعوب، والخيوط الدينية والعرقية التي تثبت ارتباطهم بأرضهم وتشكل هويتهم.
وتلقي إسرائيل بالمسؤولية على حماس في ما يتعلق بتدمير مواقع تاريخية، إذ أفاد بيان من الجيش الإسرائيلي: "أن حماس تتعمد إخفاء قدراتها العسكرية داخل المناطق المدنية المكتظة، وأنها مارست هذا السلوك ولا تزال تمارسه في محيط أو أسفل مواقع التراث الثقافي".
وأضاف: "لا يسعى الجيش الإسرائيلي إلى إلحاق أضرار مفرطة بالبنية التحتية المدنية، بل ينفذ ضرباته على أساس الضرورة العسكرية فقط، ووفقاً للقانون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار وجود مواقع حساسة". ويقول البيان: "هذا الوعي يشكل عنصراً جوهرياً في تخطيط الأنشطة العملياتية، كما تُبذل قصارى الجهود للحد من إحالق أضرار بالبنى التحتية المدنية والمدنيين غير المشاركين. أما الضربات التي قد تنطوي على مخاطر تطال منشآت حساسة فتخضع لآلية موافقة صارمة ومتعددة المستويات".
كما لعبت الصدفة دوراً في الحفاظ على مجموعة أخرى من الكنوز الأثرية البارزة من تاريخ غزة، وتُعرض حالياً مختارات منها في "معهد العالم العربي" بباريس، وتروي تاريخ هذا الإقليم المجهول نسبياً، بوصفه واحة منفتحة على العالم وملتقى للحضارات.
وقالت إيلودي بوفار، مديرة المعرض: "ما حدث أعطى لهذه القطع بُعداً عاطفياً جديداً".
وتضم المعروضات عدداً كبيراً من الأواني والتماثيل والأعمدة والمصابيح الصغيرة، أما القطعة الأبرز فهي فسيفساء ضخمة تعود إلى القرن السادس لكنيسة، تزينها رسوم حيوانات وكرمة عنب، اكتُشفت أثناء أعمال حفر طريق في دير البلح.

كثير من القطع المعروضة كانت قد أُرسلت منذ نحو 20 عاماً إلى متحف الفن والتاريخ في جنيف، للمشاركة في معرض أقامته السلطة الفلسطينية بدعم دولي، وكان يهدف إلى توفير تمويل لإنشاء متحف جديد في غزة. بيد أن استيلاء حماس على السلطة، وما أعقبه من إغلاق للحدود، تسبب في بقاء هذه القطع في المخازن لسنوات طويلة.
وكان رجل الأعمال الثري من غزة، جودت خضوري، قد وفّر عدداً كبيراً من هذه القطع الأثرية. إلا أنه اضطر، في بداية الحرب، إلى مغادرة وطنه مع أسرته متوجهاً إلى مصر، وتحدّث معي من أحد مقاهي القاهرة.
وبصفته يعمل في مجال التطوير العقاري، يوضح خضوري أن مجموعته المتنوعة جمعها أثناء اكتشاف العمال لها في مواقع البناء، فضلاً عن قطع أثرية علقت في شباك الصيادين، من بينها تمثال صغير بديع للإلهة اليونانية أفروديت يُعرض اليوم في باريس.

يقول جودت: "أعرف معرفة تامة جميع مشغلي آلات الجرف، الذين يمارسون أعمال الحفر، أقنعتهم بأنهم إذا عثروا على قطعة من الرخام أو الفخار، فعليهم ألا يدمروها، بل يحافظوا عليها بحالة جيدة ويعطوها لي، وسأمنحهم مكافأة مالية". ويضيف: "ظنّوا أنني أبحث عن الفخار والحجارة بولع، لكن يوماً بعد يوم أقنعناهم بأن هذا هو تراثنا".
ومثل جميع سكان غزة، نعى جودت أحبائه الذين فقدهم خلال الحرب، بيد أنه يشعر أيضاً بالحزن على فقدان مجوهرات تاريخية وعملات وأزياء فلسطينية وقطع أثرية جمعها على مدار عقود. وكان قد وضع بعض القطع الثمينة في صناديق آمنة بالبنك، بينما كان الكثير منها معروضاً في ضيافته المعروفة باسم "المتحف" في مدينة غزة.
وفي العام الماضي، استهدفت القوات الإسرائيلية البنك، حسبما أفاد الجيش الإسرائيلي، ضمن هجماته على حماس، وكذلك منزل جودت ومتحفه. وقال الجيش الإسرائيلي إن استهداف المتحف جاء بسبب وجود أحد كبار عناصر كتيبة مخيم الشاطئ التابعة لحماس داخله.
ويقول جودت بأسى: "واجهت حقيقة أن ما أنجزته في حياتي قد دُمر خلال ساعتين". وكان بعض العاملين المتبقين في شركته في غزة قد ساعدوه على استرجاع بعض القطع، بيد أن مقطع فيديو أُُرسل إليه أظهر أن متحفه قد تعرض لحريق كبير.
ويلفت جودت إلى أن معظم ما فُقد لا يمكن تعويضه، ويقول: "إذا دُمّر مصنعي، فهذا ليس مشكلة كبيرة، يمكنني استيراد آلات جديدة وإعادة البناء، لكن كيف سأجد أمفورات (أوعية خزفية قديمة) أو عملات غزة مجدداً؟ هذه هي المشكلة، تاريخ غزة من الصعب إعادة بنائه".
ويشهد معرض غزة، في باريس، إقبالاً هائلاً من الزوار، وقد وُضعت جميع القطع المعروضة على عربات بشكل يعكس الهدف من نقلها إلى معارض دولية، لكنها في نهاية المطاف ستعود إلى غزة.

في ذات الوقت، كُلّف فاضل العتل، في جنيف، الذي يعمل في متحف الفن والتاريخ منذ أبريل/نيسان الماضي، بمهمة فهرسة وبحث وحفظ نحو 500 قطعة أثرية من غزة، لا تزال محفوظة هناك، ويقول إن النظر إلى هذه المجموعة يثير لديه حالة من "الحزن والحنين إلى الماضي".
ويضيف: "على الرغم من ذلك، أحمد الله على أن هذه القطع الأثرية موجودة هنا وليس في غزة. فالله حماها من الدمار ولم يحدث لها مثلما حدث لبقية القطع الأثرية".
-شارك في التغطية: أليكس لاست ووائل حسين
مصادر الصور
BBC, Reuters, Getty Images, AFP, Fadel al-Otol, PUI




