محمود المسلمي: مذيع الهواء كالطيار

حاورته: ليلي الطائي

محمود المسلمي
التعليق على الصورة، المسلمي قدم برنامج همزة وصل في بي بي سي عربي

انتقل محمود المسلمي منذ نحو عامين الى العمل كمذيع مختص بتقديم البرامج الاخبارية الرئيسية حيث جاء هذا في اطار برنامج تطوير جودة وكفاءة العمل في بي بي سي عربي. وكان محمود قد عمل لسنوات مذيعاً ومقدماً لبرامج عديدة، كان آخرها برنامج "همزة وصل".

وبالرغم من ان الانترنت لم يكن قد دخل حيز العمل الفعلي آنذاك، غير ان حجم تفاعل المستمعين مع محمود وزملائه في الاذاعة كان كبيراً بشكل ملحوظ، اذ بلغ مجموع الرسائل - بريدية وهاتفية وعبر الفاكس- التي كانت تصل من المستمعين من كافة ارجاء العالم قرابة الألف رسالة في الاسبوع الواحد. في ما يلي ما يقوله الزميل محمود عن مسيرته مع بي بي سي عربي:

كنت أعد واقدم برنامجاً بعنوان "رأس السنة" وكان يتمتع بمتابعين كثر. في أول عام من بث البرنامج، كانت مدته خمس دقائق في اطار برنامج آخر مدته نصف ساعة من اعداد وتقديم حسن ابو العلا رحمه الله. ثم اصبحت الخمس دقائق عشراً، ثم ربع ساعة، ثم قدمت البرنامج منفرداً لمدة نصف ساعة باسم "ما لا يعرفه المستمعون" تعنى بمواهب المذيعين.

أعددت البرنامج على شاكلة الف ليلة وليلة أي كـ "حدوتة بالشعر والسجع التقليدي"! بعد هذا عطي احتفالية رأس السنة شكل المسابقة بين الزملاء وبمشاركة مطربين عرب: ثلاث فرق يتناوبون، كان في مسرح (أستوديو 6) أكبر استوديو في مبنى بوش هاوس لمدة سنتين.

كانت الساعة تقارب السابعة او الثامنة مساءً يوم 31 ديسمبر 1979. "طقت في دماغي" مثل ما نقول، ان اقدم البرنامج على غرار الف ليلة وليلة! أستعنت بموسيقى الف ليلة وليلة المشهورة لـلمؤلف الموسيقي نيكولاي رمسكي كورسالكوف، وبصوت الراوي زميلنا فاروق الدمرداش- وهو ممثل قدير له صوت متميز- وشهرزاد هي التي تفتتح البرنامج. والمدخل كما يلي:

ولما كانت الليلة الخامسة والستون للمئة الثالثة، تجمع مذيعون في غرفة رئيسهم مصطفى وراحوا يتساءلون: ما نحن فاعلون في رأس السنة؟ فرد عليهم محمود: هناك الكثير من الخيارات...فمواهب الزملاء ليس لها حدود! – كتبتها بهذه الصيغة. قلبت البرنامج البرنامج رأساً على عقب. وعندما غادرت العمل كانت الساعة الرابعة صباحاً- وهو صباح اليوم الاول للسنة الجديدة – وكل هذا بسبب فكرة!

السنة التي تلتها انشغلت في العيد الستيني للـ بي بي سي، حيث انيطت في مسؤولية قيادة فريق مسؤول عن خمس ساعات بث في لهذه المناسبة، والحمد لله كان برنامجاً موفقاً للغاية.. أذكر أننا استضفنا وقتها حوالي ثلاثين شخصية عربية مسؤولة في السياسة والاعلام مثل عبد العزيز الرواس – وزير الاعلام العُماني.

وهذا هو الجمال بعينه للعمل في البرامج: الابداع! في طرح فكرة لم تخطر لاحد. كيف للناس ان يفهموا معنى الابداع اذا هم لم يروا الابداع؟ هناك نظرية تقول: افكار البرامج 13 او ثلاثين فكرة، لا تتغير. اذن التناول هو الذي يتغير. لذا علينا ان نستعمل خيالنا ونربي زملاءنا الجدد – وهذا هو ما اعمله حالياً- على الابداع وتلمس الجديد وحب التجريب وعدم الاستسهال. اقوم بتدريب عدداً من الزملاء ضمن فريق عمل بي بي سي أكسترا الاذاعي، والتلفزيون وفريق الانترنت جميعهم يتدربوا معي صوتاً وكتابة. ابحث فيهم لاجد من يملك مواهب ابداعية.

ماذا اكتشفت عن زملائك عبر هذا البرنامج ؟

    اكتشفت ان احد زملائنا يربي ثعباناً في منزله وهو شوقي عبده، وان حمدي فرج الله، اكبر خبير في موضوع العملات النقدية. كشفت عن وجه لا يعرفه الناس. ثم وجدت ايضاَ هناك ثمة من يكتب الشعر، ومن يهوى الديكور.

    هل تفتقد الجانب الابداعي شخصياً.... في عملك؟

      بالتأكيد نعم! مع محبتي وعشقي للاخبار. انا لا استطيع العيش بدون اخبار. الطاقة الابداعية تجد منفذاً في القراءات الاخبارية. لانني ارفض ان اكون مقدماً تقليدياً. الناس يجب ان يروا محمود المسلمي اللمسة الفنية في النقلة من الفقرة الاخبارية الى الاخرى. المواضيع السياسية لها مجال لذلك. نحن نقوم ببرامج اخبارية صباحية تعكس هذا التناول.. اليوم مثلاً كنت قد قدمت فقرة عن أبولو 13، قبل ان اختمها سألت زميلي المخرج ومهندسة الصوت سوزي: هل ستكون احد ركابها؟ اجاب نعم.. وانت: اجابت نعم! فقلت على الهواء: سوزي موافقة، وبشير الزيدي موافق.. انا بصراحة لا! اخاف!... اتركوني هنا على الارض قد تكون هذه الرحلة لا عودة فيها! وما الذي يضمن غير ذلك!

      هذه اللمسة الانسانية تضفي شيئاً .. حينما يسمعها مستمع .. وفيه الشيء من الابداع. لو كان البرنامج كله لك، طبعاً سيكون ملعباً كاملاً للابداع!

      فاجأتني.. لربما لان آخر ما كنت اتوقعه هو ان تترك النشرات الاخبارية مجالاً كبيراً للابداع!

        لا بد. هذا تعليق رائع احييك عليه! لان الصورة التقليدية هي كذلك .. فالقول بأن النشرة قراءة صماء وجافة – هذا خطأ كبير جداً. الصوت ومعايشتك للخبر وتجسيدك للخبر – ليس مجرد عمل آلي. للاسف تعمل بعض الفضائيات على اساس القراءة الآلية – جميعهم يقطعوا بعض بنفس الطريقة. نفس النفس، والوقفات! فلاتميز بين المقدم (س) والمقدم (ص). يجب من اول جملة تعرفي ان هذا المقدم محمود! هذا بالاضافة الى اللمسة: طريقة الالقاء، والتعلقيات التي تتطلب الذكاء روح الدعابة وخفة الدم. قراءة الاخبار خصيصاً تتطلب الابداع، ارى دائماً ان مذيع النشرة يجب عليه ممارسة اداءات اخرى، ليجعل صوته طيعاً.

        هل تعتقد ان التمثيل جزء ضروري؟

          دعينا نسميه تجسيد المعنى. لانني مؤمن بالقراءة الفاهمة، وهذا ما اذكره في التدريبات. اذا انت كمذيع لا تفهم النص الذي تقرأه، اذاً انا كمستمع سوف لن افهمه ايضاً. احذر بشدة اذا كانت كلمة واحدة معناها مجهول للمذيع يجب التدقيق لمعرفة المعنى. اسأل الزملاء اثناء التدريب ما معني هذه الكلمة؟ يرد: معناها كذا... اقول: اذن اذكر الكلمة المفهومة في النص ولاتترك المستمع يتساءل عن المعنى ويتشتت تركيزه. انت مش راح تاخذ تاكسي وتلف على المستمعين حتى تشرح لهم انه: والله انا كان قصدي كذا. نحن نكتب النص في صيغته المفهومة. ان نفهم النص انفسنا كأذاعيين كي يفهمها المستمع. مثل المدرس تماماً. لا بد من وجود وضوح وفهم للمادة وان تكون مهضومة تماماً ليوصلها الى الطالب.هذا هو تجسيد المعنى بالقراءة الفاهمة- احد فروع التمثيل. ثمة فنانين يجيدون الغناء.. وبعضهم التمثيل .

          التمثيل يتطلب ذروة الانفعالات. لكن عمل المذيع عكس هذا. ويظهر هذا في المواد غير الاخبارية. قرأت مثلاً قصة لـ بي بي سي أكسترا: كنت انا الراوي: قمت بادوار ثلاث شخصيات. هذا تقريباً تمثيل ولكن بحدود العمل الاذاعي. لا يجدي المذيع ان يصرخ، يضحك بصخب او يشد شعره! لا ينفع هذا الانفعال في العمل الاذاعي.

          <link type="page"><caption> http://www.youtube.com/watch?v=njA8FoUmYNU </caption><url href="" platform="highweb"/></link>

          هل تجيد الغناء؟

            بيني وبين نفسي! درست الموسيقى العريية كهاوي في الفصول المسائية وكان هناك مدربة اصوات، تطلب منا وضع عملة فضية في أفواهنا، لمعرفة فتحة الصوت المضبوط، كما ترين لدى مغني الاوبرا. هذه التدريبات علمتني اشباع الحروف واخراجها. جعلتني النشأة والتربية الأزهرية وبيت علم وبيت دين، على صلة بالنحو واللغة السليمة. وقراءة العقاد والمازني وطه حسين وشوقي وصلاح عبد الصبور وغيرهم والكتب المترجمة الحديثة والكتب الكلاسيكية الاخرى التي كانت اكبر حتى من سني، وفرت لي خلفيتي هذه سكتين: السكة التقليدية والسكة الحديثة.

            يكملان بعضهما بعضاً؟

              بالضبط. ومحظوظ المرء اذا توفر في حياته هاتين السكتين.

              اسمع من الزملاء ومن المستمعين الاوفياء الذين يراسلوننا، فهم يتمتعون بذاكرة قوية. من الأمور التي يذكرونها تدور حول شخصيات زاملتها انت وعاصرتها. لا بد ذكريات لديك..

                رشاد رمضان
                التعليق على الصورة، رشاد رمضان يقرأ نشرة الاخبار

                حدث ولاحرج. نحن نمضي هنا في مبنى الخدمة العربية اكثر مما نعيش في بيوتنا. يجب علي ان اذكر هنا الزميل العزيز عزيز أيوب، في مرحلة كان هو يترجم الاخبار وكنت اقراها. عزيز شخصية لطيفة وصوته قوي ولغته سليمة. فكانت المجادلات اللغوية والخلافات حول كلمة ما، ولكن عمرها لم تكن لتفسد للود قضية. الزميل العزيزحسن ابو العلا - رحمه الله. كنت قد اخذت مبادرة من زمان بقراءة عمل نجيب محفوظ (اصداء السيرة الذاتية). كان اول تناول اذاعي لي على الاطلاق. وكان يبث يوم الجمعة في الليل وفي الجمعة في الليل كانت تنشر في الاهرام اقدمها بصيغة معينة. فكنا نتدارس- لانه يكتب كلام غريب له صيغة ذاتية- ولنا نقاشات جميلة وفلسفية مع حسن واشترك معي في حلقة منه وانا كنت اذهب لتسجيلها. كانت متعة ليس مجرد عمل. ولي ذكريات جميلة وكثيرة جداً. ذكريات عندما كنا في الكانتين في مبنى بوش هاوس نتجمع للافطار في شهر رمضان. واحجز افطار للزملاء والذي يأتي متأخراً لا يجد الافطار!!!

                لم الحق على الطيب صالح.. اعرفه كقارئ وشاركت في امسية تأبينه وساهمت في القاء شعر. اكتب الشعر ونشرت قصائد منفصلة بالذات في مرحلة عملي في سلطنة عُمان. عتب المستمعين العزيزين. سأحاول ان انشرها مستقبلاً غير ان الكتابة غير الاداء على الهواء فهي بحاجة الى اعادة صياغة.

                وما هي أهم الاحداث التي غطيتها؟

                  يوم 11 سبتمبر كان لدي عالم الظهيرة ساعة الواحدة الا ربع، واثناء التحضير لقراءة النشرة الاخبارية، ضرب البرج الاول. اذكر ان احد الزملاء آنها لم يكن موافقاً على ذكر هذا الحدث على انه امرلا يسترعي الانتباه. ما معنى ان تضرب طيارة برجاً! وبعد النقاش حول الموضوع اقتنع بالحاق الخبر بالجولة الاخبارية كخبر ثانوي. قبل انتهاء النشرة، ضرب البرج الثاني ونحن على الهواء، وانقلبت الظهيرة وانقلب العالم رأساً على عقب!

                  ويجدر بالذكر ان عملية انتاج التقارير في تلك الايام كانت اكثر صعوبة مما عليه الان حيث يقرأ المذيع الاخبار من على الشاشة. في حين كانت تصل الاخبار الطارئة على شكل وريقات منفصلة تلقى على المذيع اثناء قراءته لنشرة الاخبار فعلى المذيع او المذيعة تفادي التكرار ومتابعة ما تم قراءته وقراءة خط الخبر المكتوب دون أي تحضير مسبق.

                  مرت علينا احداث كثيرة جداً، اذكر منها وفاة امير البحرين واحدة منها، ووفاة الملك حسين والرئيس حافظ الاسد.رغم المشقات تبقى متعة. مذيع الهواء يبقى كالطيار، يمضي حياته على الهواء.. للوصول الى بر الامان، على ان يكون على استعداد للاقلاع كل مرة كانها اول مرة!