فيروس كورونا في الجزائر: "لم يستطع أحد السفر لوداع جدي"

كان جد ماهر مزاحي ، الذي يظهر هنا في كأس الأمم الأفريقية عام 1965 ، حكما جزائريا بارزا في الستينيات.

صدر الصورة، MAHER MEZAHI

التعليق على الصورة، كان جد ماهر مزاحي ، الذي يظهر هنا في كأس الأمم الأفريقية عام 1965 ، حكما جزائريا بارزا في الستينيات.

في سلسلة رسائلنا من الصحفيين الأفارقة، يتأمل الصحفي الجزائري الكندي ماهر مزاحي في: كيف أدى فيروس كورونا إلى زيادة التباعد بين العائلات في جميع أنحاء العالم.

Short presentational grey line

يحتوي المأتم في طبيعته على قدرٍ من التناقض، فهو وإن كان يمثل ابتعادا وفقدا لشخص أحببناه؛ إلا أنه فعل تضامن أيضا مع من تركهم الراحل وراءه.

فالتخفيف من عبء فقد الأحبة يبدو ممكنا فقط عبر مشاركته مع الآخرين.

وثمة أكثر من 6 ملايين جزائري منتشرين عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط وفي جيوب عبر أمريكا الشمالية، ومن غير المألوف بالنسبة لنا نحن، جزائريي الشتات، أن تفوتنا جنازات أحبائنا.

وفي الجزائر جرت العادة على دفن الموتى على وجه السرعة.

وعادة ما يتم الانتهاء من طقوس الدفن بحلول صلاة العصر (أو المغرب) في اليوم التالي للوفاة، لذلك يكاد يكون من المستحيل حضور مراسم الدفن بالنسبة للقادمين من القارات الأخرى.

ماهر مزاحي يقول إنه تحول تدريجيا إلى مسؤول الخدمات اللوجستية خاصة خلال المآسي العائلية

صدر الصورة، Maher Mezahi

التعليق على الصورة، ماهر مزاحي يقول إنه تحول تدريجيا إلى مسؤول الخدمات اللوجستية خاصة خلال المآسي العائلية

وعندما توفيت جدتي لأمي، على سبيل المثال، غادرت والدتي من كندا لكنها وصلت بعد يومين من دفن والدتها في مقبرة الأسرة.

وعلى الرغم من أنها لم تستطع تمارس مراسم الحداد بشكل ملائم ومتكامل، إلا أن والدتي أصرت على أهمية المشاركة في استضافة الأعداد الكبيرة من المعزين الذين يتدفقون لتقديم واجب العزاء وتناول طعام الكسكس وشرب القهوة.

وبعد مغادرتي كندا قبل 5 سنوات والانتقال إلى الجزائر للعمل كصحفي متخصص في كرة القدم، تحولت تدريجيا إلى مسؤول الخدمات اللوجستية الأسرية خاصة خلال المآسي العائلية، وهو واجب أعتز به رغم الصعوبات الإجرائية البسيطة.

وفي 17 مارس/آذار من العام الماضي وعندما بدأت حالات كوفيد 19 في الارتفاع بشكل صاروخي في الجزائر، قررت الحكومة إغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية.

استؤنفت الرحلات الداخلية في الجزائر لكن لا يزال الناس غير قادرين على الحضور من الخارج

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، استؤنفت الرحلات الداخلية في الجزائر لكن لا يزال الناس غير قادرين على الحضور من الخارج

وقد لجأ العديد من البلدان لأساليب مماثلة مؤقتا، لكن الجزائر لا تزال واحدة من حفنة من الدول الأفريقية التي لم تفتح بعد أبواب سفر الرحلات التجارية أمام مواطنيها.

وأتذكر أنني كنت آمل، في ذلك الوقت، ألا يصاب أي من جديّ المسنين بالفيروس.

وكانت جدتي لأبي تبلغ من العمر 85 عاما فيما كان جدي لأبي يبلغ من العمر 92 عاما، وكلاهما يعاني من ارتفاع ضغط الدم، كما كان جدي مصابا بمرض السكري.

ترعرعت في كندا وكانت علاقتي بجدي يشوبها دائما الشعور بالإحراج، فقد كان راقيا يرتدي الملابس الأنيقة ويستمتع بالاستماع إلى موسيقى "المالوف" الأندلسية التقليدية لمحمد الطاهر فرجاني.

ولكن كان مجال اهتمامنا المشترك هو كرة القدم.

محمد مزاحي (خلف الرجال الذين يحملون الزهور) خلال مباراة أدارها عام 1956

صدر الصورة، MAHER MEZAHI

التعليق على الصورة، محمد مزاحي (خلف الرجال الذين يحملون إكليل الزهور) خلال مباراة أدارها عام 1956

فقد كان رائدا في اللعبة، فهو أحد الحكام الجزائريين الدوليين الأوائل.

فقد أدار جدي محمد مزاحي بعض مباريات أفريقيا التأهيلية الأولى لكأس العالم، ومباراة المركز الثالث في كأس الأمم الأفريقية 1965، وكذلك بعض أكبر المباريات المحلية في تاريخ كرة القدم الجزائرية.

لذلك في أشهر الصيف عندما كان يسافر إلى كندا، أو كنا نقوم بزيارة الجزائر، كنا نجلس سويا أمام التلفزيون لساعات أمام مباريات كرة القدم حيث نتأمل في المراوغات والأهداف والتمريرات الحاسمة.

"قد يكون ذلك سيئا"

جد ماهر مرتديا الكمامة

صدر الصورة، Maher Mezahi

التعليق على الصورة، أصيب جد ماهر، الحكم الدولي محمد مزاحي، بكوفيد 19

في منتصف أغسطس/آب من العام الماضي تلقيت رسالة عبر واتسآب من والدتي تخبرني أن جديّ الاثنين مريضان وأن كلاهما يظهر عليه أعراض كوفيد 19.

فكتبت قائلا: "قد يكون ذلك سيئا" وخطرا في مثل عمريهما.

وعلى أثر ذلك، بدأت في إعداد نفسي نفسيا للعمل كحلقة وصل بين كندا وشرق الجزائر، الذي تتحدر منه عائلتي، لكن اتضح لي تدريجيا هذه المرة أنه لن تكون هناك حاجة إلى خدماتي.

التعليق على الفيديو، فيروس كورونا: الجزائر تشهد ارتفاعا مقلقا لحالات الإصابة والوفيات

فقد توفي جدي محمد مزاحي يوم الجمعة 20 أغسطس/آب الماضي، وفي اليوم التالي جاءت نتيجة اختبار بي سي آر الخاص به، وكانت النتيجة أنه كان إيجابيا لكوفيد 19.

اتصلت بوالدي لأخبره أنني آسف لما حدث، فجاءني رده جليا: "سوف آخذ إجازة من العمل وأحجز رحلة طيران، هل يمكنك أن تقلني بالسيارة إلى قسنطينة؟".

أجبته بالإيجاب، لكنني شددت عليه أن يتأكد من إمكانية السفر، لقد حجز رحلة مع شركة طيران أوروبية عبر الإنترنت، وهي الرحلة التي تم إلغاؤها في نفس الليلة، وبدلا من السفر عرضت عليه شركة الطيران قسيمة بالمبلغ الذي دفعه قيمة تذكرة السفر إلى الجزائر.

محمد مزاحي كان أيضا مسؤولا في نهائي كأس الجزائر 1966

صدر الصورة، MAHER MEZAHI

التعليق على الصورة، محمد مزاحي كان أيضا مسؤولا في نهائي كأس الجزائر 1966

وقد ظل والدي يحاول وعلى مدار 3 أيام حجز تذكرة طيران أخرى، وللمرة الثانية تبلغه شركة الطيران بإلغاء رحلته عشية الرحلة، وكانت محاولته الأخيرة بعد 3 أسابيع لكن يمكنني القول إنها كانت محاولة غير مجدية هذه المرة.

فقد تم دفن جدي بالفعل في مقبرة وسط مدينة قسنطينة بجوار إحدى جداتي وعم أكبر.

وكما حدث من قبل، تم إلغاء الحجز النهائي للرحلة وعرضت عليه قسيمة بالمبلغ المالي الذي دفعه ثمنا للتذكرة بدلا من الرحلة.

قلت له: "الأمر صعب، لكن كل الجزائريين في الخارج يمرون بنفس الظروف بالضبط".

فأجاب: "آمل أن يكون ضمير أصحاب القرار مرتاحا".

أما جدتي فقد تعافت والحمد لله.

وتوفي 3 آلاف في الجزائر حتى الآن بسبب فيروس كورونا، وذلك بحسب الإحصاءات الرسمية.

ويعني ذلك أنه كان هناك ما لا يقل عن 3 آلاف جنازة لم يتمكن الجزائريون في الشتات من تفريغ عبء الفقد من خلال مشاركتها مع أحبائهم.

كورونا
المزيد حول كورونا