انفجار بيروت: الحريق الهائل والسفينة اللّغز

صدر الصورة، Getty Images
- Author, رامي رحيم وبول آدامز
- Role, بي بي سي
في الرابع من آب/أغسطس دوّى انفجار هائل عاثَ بمرفأ بيروت دمارًا
خزينٌ عملاق من مادة نترات الأمنيوم متروك في أحد عنابر المرفأ يُظَنّ أنه المادة التي انفجرت.
مَن كان على علمٍ بوجود تلك الشحنة من المواد الخطرة وعلى مَن تقع مسؤولية الدمار الذي خلّفَه الانفجار؟

صدر الصورة، Reuters
للوهلة الأولى اهتزّت الأرض، اهتزازًا خفيفًا جدا، كاد لا يُلاحَظ، وبنظرةٍ سريعة بات الحسُّ محسومًا، خزائن البيت تميل يمنةً ويسرة.
ثانية، إثنتان، ثلاث، ثم سكنت.
وما هي إلا لحظات حتى كان الدويّ الصاعق - انفجار لم يُبقِ ولم يذر.
هذه المرة اهتزت البناية كلُّها، ولكنّ اهتزازها كاد لا يُذكر مقارنةً بهدير الصوت الذي رافقه، علمًا بأن المكان يبعد عن موقع الانفجار أكثر من عشرة كيلومترات.
في حركة غريزية أسرعنا نحو النوافذ فاذا كُتَلٌ من الدخان تنبعث من جهة العاصمة. ثم، بحركةٍ غريزية أخرى نبتعد عن النافذة - ماذا لو دوّى انفجارٌ آخر؟

كثيرون اعتبروه أكبر ما سمعوا من انفجاراتٍ وأشدَّها دويًا، وما أغنى ذاكرة اللبنانيين بالانفجارات.
على الطريق الرئيسيّ من المدخل الشمالي إلى بيروت كانت سيارات الإسعاف تشقّ دربها بطيئةً وسط ازدحامٍ شديد يعانيه السائقون اللاهثون للوصول إلى الأحياء المجاورة لموقع الانفجار علَّهم يطمئنون على أقربائهم وأصدقائهم ومحاولة نقلهم إلى برّ الأمان.
أما من الجهة المقابلة فكانت السيارات تسرعُ في الاتجاه الآخر هروبًا من الجحيم المشتعِل.

صدر الصورة، Getty Images
وسط حركة سير شبه متوقفة، كانت الإذاعات والهواتف المحمولة تنقلُ الأخبار المرعبة عن المستشفيات التي غصّت بالمصابين وعن آلاف الجرحي، فضلا عن أخبار النيران المتأججة.
سائقو السيارت نحو بيروت أجبرتهم عناصرُ الجيش على الاستدارة بالاتجاه المعاكس أو الإكمال سيرًا على الأقدام اذا شاؤوا.
كان الزجاج المكسور يتفتّت تحت أقدام المشاة عند وصولهم إلى المدخل الشمالي للمدينة حيث سُمِع هدير آليةٍ لرفع الأنقاض تزيلُ كومةً منها.
الأبنية بات من الصعب التعرّف عليها، لم يبقَ زجاج على النوافذ ولا ترى بصيصًا من الضوء.
خرج من وسط الظلام بضعة أشخاصٍ يلفّهم الصمت، بعضهم جرحى لكنهم يسيرون، آخرون كانوا جالسين ينتظرون، عيونهم تموج بنظراتٍ فارغة وقد اختنقتْ أصواتهم أو كادت.

كلما اقتربنا من بيروت زادت حِلْكةُ الظلام.
بدأت الحكاية بحريقٍ في المرفأ، وحتى الآن لم يتضح بعد، بدقةٍ ثابتة، وقت اندلاع الحريق.
لكن عند الخامسة وأربعٍ وخمسين دقيقة بالتوقيت المحلّي أظهرت تغريدة لأحد مراسلي لوس أنجليس تايمز ألسنةَ النار متأجّجةً في سماء العاصمة.

صدر الصورة، Tony Vrailas via EPA
ما تبعَ ذلك تمّ عرضُه في سلسلةٍ من الفيديوات نقلتها وسائل التواصل الاجتماعي. بدايةً، هناك انفجار ينبعثُ منه دخان كثيفٌ أسود وتتطاير مع الدخان قطعٌ من حطام المباني المتداعية.
بالامكان رؤية سلسلة من الوميض، أشبه بالألعاب النارية، كذلك يمكن رؤية مساحة تنبعث منها ألسنةُ نيرانٍ كثيفة وذلك عند قاعدة التجمّع الدخاني.

ثمّ، بعد الانفجار الأول بخمسٍ وثلاثين ثانية، يليه انفجارٌ ثانٍ هائل العنف. عَمودٌ عملاق من الدخان الأحمر مائلٌ إلى البنّي يرتفع في سماء الموقع، وتلي الانفجار غيمَةٌ بيضاء أشبه بالقبة.
أعدادٌ كبيرة من القتلى. آلافٌ من الجرحى. قلبُ المدينة مُدمّر.
وفي لُبِّ الفاجعة، عنبرٌ مليءٌ بما يقاربُ ثلاثة آلاف طن من المواد الكيماوية المستخدمة في صنع المتفجرات. نترات الأمونيوم.

سَفينةٌ لا أحدَ يريدُها
الصورة من صيف العام 2014، رجلان يقفان مبتسمَينْ على ظهر سفينةِ شحنٍ تبدو غيرَ ذاتِ قيمةٍ لافتة وهي ترسو في مرفأ بيروت. وراء الرجلين عنبرٌ تتكدس فيه أكياسٌ بيضاء يكسوها مظهرُ البراءة من أي ضرر.
الأكياس تحتوي على قُرابة ثلاثة آلاف طن من نترات الأمونيوم ذات الكثافة العالية.
تلمحُ الكاميرا رجلا بلباسٍ أزرق يتحدث على هاتفه. بدا رجلاً مُثقلا بما يِشْغِلُ بالَه، ففي تلك الآونة كان قد مضى على الكابتن بوريس بروكوشيف وعدد من بحّارته عدة أشهرٍ وهم عالقون في المرفأ.

صدر الصورة، Reuters
كانت السفينة روسوس قد أبحرت من ميناء باطومي في جورجيا في أواخر أيلول/سبتمبر 2013 متوجّهةً، على ما يبدو، إلى ميناء بيرا في الموزمبيق.
روسوس كانت قد شاخت وهي التي تمَّ بناؤها في العام 1986، ففي بعض رحلاتها بين موانىء المتوسط في وقتٍ سابق من العام 2013 أثارت استياءَ المفتشين، وفي تموز/يوليو من العام 2013، في مرفأ إشبيلية الإسباني وجد المفتشون في السفينة أربعة عشر نقصًا أو مخالفة، من الصدأ على ظهر السفينة إلى ضعف وسائل الإطفاء.
من شهر أيار/مايو، 2012، انتقلت مُلكيّتُها إلى ايغور غريشوشكين، رجلِ الأعمال الروسيِّ المقيمِ في قبرص، وبحسب مصادرَ في مجال العمل التجاري فانّ امتلاك روسوس كان التجربة الأولى للرجل في مجال إدارة سفينته الخاصة.
في باطومي تُظهر وثيقة الشحن أن شركة روستافي آزوت هي الشركة المزوِّدة لنترات الأمونيوم، كما تنصّ الوثيقة على أن الزبون هو "بنك موزمبيق الدولي" الذي يمثل في هذه العملية مؤسسة موزمبيقية صغيرة مختصة بصنع المتفجرات التجارية.
يقول بروكوشيف إنه التحق بالسفينة روسوس قبطانًا في تركيا، وقد صرّح لبي بي سي بأنه ما لبثَ أن اتّضح له وجود مشكلات كبيرة.
بحارة السفينة الأُوَل كانوا قد تركوا، كما قال، بدعوى أنهم لم يقبضوا رواتبهم مدةَ أربعة أشهر. بحسب بروكوشيف، عند وصول السفينة ببحّارتها إلى أثينا كان عليه أن يعيد الأطعمة واحتياجاتٍ أخرى إلى أصحابها لأن مالك السفينة قال إنه غير قادر على تسديد ثمنها.
أمضت السفينة أربعة أسابيع هناك كان مالكُها خلالها يبحث عن بضائع أضافية لشحنها علّه يجمع ما يكفي لدفع رسوم المرور في قناة السويس.
كل هذا أدّى أخيرًا إلى استدارتها المشؤومة إلى بيروت.
بروكوشيف قال لبي بي سي إن الاستدارة كان هدفها تحميل شحنة بضائع اضافية، كناية عن أدوات إنشاء طرقات عامة بما فيها مداحل ثقيلة، كي تباع بالأمانة.
لكن يبدو أن أحدًا لم يُحْسِن حساباتِه، فعندما رُفِعَتْ البضاعة إلى ظهر السفينة أخذت الفتحات تتخلخل وتنبعج.
""كانت الفتحات قديمةً وصَدِئة" على ما قال بروكوشيف "وعليه لم نستطع تحميلها، وقد رفضتُ ذلك، لأن الحمولة كانت ستكسر السفينة".

صدر الصورة، Reuters
تمّ التنازل عن المهمة، والآن بعد أن أخذ الخوف مأخذه من البحارة الجدد خشيةَ وقوعهم في مأزق أسلافهم، يقول بروكوشيف إنه قرّر التوجّه إلى قبرص لحلحلة الأمور مع غريشوشكين.
لكن قبل أن تستطيع روسوس مغادرة بيروت دخلت السلطات اللبنانية على الخط. بحسب قاعدة البيانات الاستخبارية لشركة لويدز للتأمين فقد صودرت السفينة في الرابع من شباط/فبراير 2014 بسبب عدم سداد متوجّباتٍ بقيمة مائة ألف دولار.
بعض أعضاء طاقم البحارة أُذِنَ لهم بالمغادرة، فيما أُمِرَ بروكوشيف بالبقاء مع كبير مهندسيه والمهندس الثالث وعريف الملاحين، وكلُّهم أوكرانيون. لم يُسمح لهم حتى بمغادرة السفينة.
"أخذونا رهائن"، كما قال لبي بي سي.
قال بروكوشيف إنه حاول استدراج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمساعدة بالكتابة إليه بوتيرة شهرية. وفي مقابلة منفصلة مع راديو ليبرتي يقول القبطان إنه تلقى رسالةً جوابية جافة من القنصلية الروسية في بيروت.
"قالوا لي ماذا تريد من بوتين أن يفعل؟ أن يرسل قواتٍ خاصة لإطلاق سراحك بالقوة؟"
أخبار الحالة البائسة للبحارة بلغت اسماع "الاتحاد الدولي لعمال النقل"، مما حدا بمفتشة الاتحاد أولغا انانيينا للقول إن البحّارة يفتقدون إلى سبُل العيش.
"إن الطاقم يعيش على الحافة بين الحياة والموت." كما كتبت في 28 آذار/مارس 2014.
قالت إن شركة ايغور غريشوشكين لا مالَ لديها لتسديد الديون أكان لطاقم البحارة أو للمرفأ، ثم أطلقت إنذارًا.
"بالاضافة إلى المشكلات المذكورة أعلاه،" كتبت، "إن الطاقم مذعور من كون عنابر السفينة روسوس تحتوي حمولةً خطيرةً بصورة خاصة - هي نترات الأمونيوم. إن السلطة المسؤولة في مرفأ بيروت لا تسمح بإنزال هذه الحمولة أو بإعادة شحنها في سفينة أخرى. هذه الحقيقة تزيدُ وضعَ البحّارة الصعب تعقيدًا إضافيًا."
تحذيرُها هذا لم يكن وحيدًا. بعد مرور أربعة أشهر أضاءَ مقالٌ نُشِر على موقع (فليتمون) التجاري على الخطر نفسه.
"طاقم بحارة محجوزٌ رهينةً على قنبلةٍ عائمة"، هذا كان عنوان مقال نُشِر في 23 تموز/يوليو 2014.

صدر الصورة، EPA
لقد أوجز المقال المعضلة بالآتي:
"سلطات المرفأ لا تريد أن تُتركَ لديها سفينةٌ مهجورة مُحمَّلةٌ بأطنانٍ من المواد الخطرة."
روسوس المتقادمة لم تكن في حالٍ جيدة، وكانت المياه تخترقها مما يرتِّب إفراغها من الماء بوتيرة يومية. بروكوشيف قال إنهم كانوا قلقين بشأن الحمولة.
"كنا بحاجة إلى التأكد... من أن الحمولة محمية من البلل لتبقى سالمة،" كما صرّح لبي بي سي.
"مَن يَعشْ على سفينة يَعتنِ بها، فهو لا يريدها أن تغرق."
باعَ طاقم السفينة جزءًا من الفيول في خزانها ليدفع بدل أتعاب للمحامين، وبعد جولةٍ قضائية استمرت ثلاثة أشهر نجحَ محاموهم اللبنانيون أخيرًا في إطلاق سراحهم.
"أغلقنا كل الخزائن وأقفلناها وسلّمنا المقاتيح إلى سلطات الهجرة في المرفأ،" قالَ بروكوشيف.
وبحسب "الاتحاد الدولي لعمال النقل" فقد غادر بروكوشيف وزملاؤه الأوكرانيون بيروت أخيرًا في أيلول/سبتمبر 2014.
يبدو أنّ غريشوشكين قد دفع كلفة سفرهم إلى أوديسّا، لكنّ بروكوشيف يقول إنه لا يزال مَدينا بستين ألف دولار أجورًا لم تُسدَّد.
بعد مرور وقت - ليس واضحًا متى تمامًا - جَرى أيضا نقل الحمولة الخطرة عن السفينة.
بعد تخلّي صاحبها عنها، ونتيجة تسرُّب المياه إليها، يقول الكابتن بروكوشيف إن السفينة روسوس انتهت إلى الغرق.

بحسَب أحد التحليلات:
السفينة روسوس تستقرُّ الآن تحت الماء في مرفأ بيروت، على مسافة أقلّ من ثلث ميل من موقع الانفجار. بحسب سجلات القائمة الاستخبارية لشركة لويدز للتأمين فإنّ السفينة "قد غرقت عند كاسر الموج في شباط/فبراير من العام 2018."
في معرض التفكير الهادىء حول كارثة الرابع من آب/أغسطس، بدا بروكوشيف شديد الانتقاد للسلطات في بيروت. "هم أنفسُهم يتحمّلون اللوم" كما قال لراديو ليبرتي. "كان عليهم أن يتخلصوا من تلك المواد [الحمولة] بأسرع ما يمكن."
كان على السلطات المعنية أن توزع تلك المواد على المزارعين اللبنانيين لاستخدامها كسمادٍ كيمائيّ، قال الكابتن.
"إذا لم يأتِ أحدٌ مطالبًا بتلك المواد فذلك يعني أنها لا تخصّ أحدًا!"
صاحب السفينة ايغور غريشوشكين لم يستجب لطلب ال بي بي سي تعليقًا منه.
وفي بيان توصيفيّ مفصل حول قضية السفينة روسوس وضعه محاميان توكلا عن الطاقم، وردَ أن دعواهم التي نجحت بُنِيَتْ على "خطرٍ داهم كان يهدد الطاقم نظرًا لِ "خطورة" الحمولة التي كانت لا تزال مخزّنة في عنابر السفينة."
هذا البيان، الذي نُشِرَ في تشرين الأول/أكتوبر 2015، ينتهي إلى كلماتٍ تبدو الآن ذات وقعٍ مخيف.
"نظرًا للأخطار المترتبة على إبقاء نترات الأمونيوم على متن السفينة، فقد أنزلت سلطات المرفأ الحمولة إلى أحد عنابر المرفأ. السفينة والحمولة، كلتاهما، لا تزالان حتى اليوم في المرفأ تنتظران إمّا البيع بالمزاد العلنيّ و/أو التخلص منهما بطريقةٍ سليمة."

ظلمة الهاوية
كثيرون من الذين شاهدوا الانفجار والغيمة الأشبه بقبّةٍ عملاقة ظنوا في تلك اللحظة أنهم أمام قنبلةٍ نووية.
لم تكن قنبلة نووية، لكنّ الانفجار كان هائلا.
نترات الأمونيوم تُستَعملُ عالميًا كسمادٍ زراعيّ ذي نسبةٍ عالية من النيتروجين، لكنها أيضا مادة ذات فعالية تفجيريّة عالية، خصوصًا في عمليات حفر المناجم بحثًا عن المعادن.
غالبًأ ما تأتي المقارنات بمواد متفجرة أخرى مفتقِرةً إلى الدقة، لا بل مضلِّلة، لكنّ خبيرًا سابقًا في نزع/تفكيك القنابل في الجيش البريطاني يقول إن انفجار بيروت كان يساوي ما بين كيلو/طن واحد واثنين كيلو/طن من مادة ال TNT. بعض التقديرات ذهبَ إلى أعلى من ذلك بقليل.
على سبيل المقارنة فقد قُدِّرت الطاقة التفجيرية لقنبلة هيروشيما في آب/أغسطس 1945 بما يوازي 12 إلى 15 كيلو/طن.
نترات الأمونيوم ما كان يجوز أن تُخزّنَ بهذه الطريقة في وسط المدينة، لكن، مع ذلك، كان لا بدّ من صاعقٍ ما كي تنفجر.
من هنا السؤال... ما الذي كان يحترق في العنبر ومن ثمّ انتهى بتلك الكارثة؟
مُسلسل الوميض والفرقعة الذي سبق الانفجار الكبير بدا لكثيرين كأنه ألعاب نارية ومفرقعات.
المدير العام للجمارك، بدري ضاهر، حين سأله الصحافيون اللبنانيون ما اذا كان في العنبر خزينٌ من المفرقعات قريب من الأمونيوم، أجاب ببساطة " على الأرجح نعم".
تقارير أخرى طرحت إمكانية أن يكون الحريق ناتجًا عن عملية اللّحام.
"طُلِبَ منا، من قِبَل أمن الدولة، إصلاح باب العنبر وقد أنجزنا ذلك عند الظهر، أما ما حصلَ بعد الظهر فلا علمَ لي به،" هذا ما اقتبسته شبكة س أن أن من كلام المدير العام للمرفأ حسن قريطم في تصريحه لشبكة OTV.
أيًا كان السبب في نشوب الحريق فقد أدّى إلى إرسال فريق صغير من الاطفائيين لمحاولة إطفائه. ضمّ الفريق تسعة رجال وامرأة واحدة كانوا جميعًا خارج العنبر رقم 12 عند حصول الانفجار. إطفائيان ثَبتَتْ وفاتُهما، والآخرون مفقودون.
لكن ما بات واضحًا حتى الآن هو أن عددًا من المسؤولين في الدولة اللبنانية كانوا على علمٍ طوال سنوات بالخطر الذي كان يكمن في المرفأ.
أما العاديون من اللبنانيين فلم يعرفوا بالأمر إلا ساعةَ مزّقَ الانفجار عاصمتَهم.
وهكذا، ربما توقعًا منهم لغضب الناس العارم، سارعَ مسؤولو الجمارك إلى تسريب وثائق علّها تظهر عدمَ مسؤوليّتهم عن الكارثة.
فبين العامين 2014 و2017 كانوا قد أرسلوا ليس أقلَّ من خمس رسائل إلى قاضي الأمور المستعجلة يطلبون فيها الأذن إما بإعادة تصدير نترات الأمونيوم أو بيعها.
تلك الرسائل تظهر أنهم كانوا على علمٍ بماهية المواد المخزونة في العنبر، وبأنها مواد خطرة.
قد يقرأ البعض تلك الرسائل وينتهي إلى الافتراض أن مسؤولي الجمارك قد قاموا بكل ما بمقدورهم عَمْلُهُ، وأنّ القضاء لم يأتِهم بأية ردة فعل.
لكن سرعان ما واجَهتْ هذه المقولة التحدي، ففي حين لم يشكك أحد في صحة ارسائل، جاءَ الهجوم المعاكس ليضع المراسلات في إطارٍ مختلف.
رياض قبيسي، الصحافي الاستقصائي في تلفزيون "الجديد" أمضى كمًّا كبيرًا من مسيرته المهنية مُستقصِيًا شجون الفساد في مرفأ بيروت وفي الجمارك.
في الليلة التالية للانفجار قدَّم لنا تحليله معتبرًا أن الرسائل لم تتبع الاجراءات الصحيحة، وأن القاضي كان قد أشار إلى هذا الأمر تكرارًا طالبًا مزيدًا من المعلومات.
قبيسي يقول إن مسؤولي الجمارك استمروا في تدبيج الرسائل وارسالها.

صدر الصورة، Gaby Salem
بناء على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل، كان القاضي قد أعطى الإذن أساسًا بالتخلص من الحمولة. ولكنّه استدرك قائلا يجب تخزين المواد في المكان المناسب مع كامل إجراءات السلامة.
"الوزارة خزَّنت المواد في المرفأ وسلَّمتْها إلى الجمارك،" كما قال لبي بي سي نزار صاغيّة من "المفكرة القانونية"، المنظمة غير الحكومية ومركزها بيروت.
"كان ذلك خطأً كبيرًا. القانون...يمنع صراحةً تخزين متفجّرات كهذه في المرفأ."
صاغيّة يقول إن المسؤولية حيال تخزين نترات الأمونيم في المرفأ تقع على الوزارة والجمارك وإدارة المرفأ.
"القاضي هنا لم يرتكب خطأ، إذ إن هناك نصًا في القانون على أنه اذا كان هناك سفينة تغرق وهي تحملُ بضاعة خطيرة بامكان قاضي الأمور المستعجلة السماح ب 'تعويمها'"
وزارة الأشغال العامة والنقل مسؤولة عن الحمولة يضيف صاغيّة.
" [الوزارة] تنازلت عن هذه المسؤولية للجمارك. القاضي أحالَ المسؤولية على الوزارة والوزارة أحالتها [بدورها] على الجمارك."
ما كان يجب عليهم فعلُه - يقترح - هو أن يبيعوها، وكانوا مخوّلين هذه السلطة، أو طلب الاذن لإتلافها أو حتى إتلافها دون استئذان.
"كل ما فعلوه هو إرسال تلك الرسائل،" يقول صاغيّة.
قصة بيروت ليست فريدةً في نوعها.
في شباط من العام 2009 اعترضت البحرية الأميركية في البحر الأحمر سفينة ترفع العلمَ القبرصيّ مُحمَّلةً بثمانٍ وتسعين حاوية ؟؟ ملأى بالوقود الداسر العسكريّ.
تمَّ تخزين الحاويات، تحت أشعّة الشمس المباشرِة في القاعدة البحرية إيفانجيلوس فلوراكيس في قبرص. هناك، في 11 تموز/يوليو 2011، انفجر هذا الكمُّ من الحاويات بكامله فقتلَ ثلاثة عَشَرَ شخصًا وتَسبَّبَ بما قيمتُه ثلاثة مليارات يورو من الأضرار.

لبنان في السّقوط الطليق
"هل سيموت الناس على أبواب المستشفيات؟" سُئِلَ أحد أصحاب المستشفيات. "كلا، سيموتون داخلها،" أجاب، لأن الأدوية والأدوات الطبيّة ستنقطع.
يتبادر إلى الذهن أن الرجل كان يتكلم بعد الانفجار الذي تزامن تدميرُه مرفأ بيروت مع دفق جرحاه ومصابيه إلى المستشفيات التي غصّت بهم.
لكن هذا قيل منذ سنة، قبل الانفجار بكثير، وقبل انتشار وباء كوفيد-19، يوم كانت الحياة "طبيعية" في معظم أنحاء العالم، لكن لبنان، منذئذٍ، كان يخطو نحو كابوسٍ مريع.
الآن، الرابع من آب/أغسطس 2020، شهد ضربةً مرعبة حيث يُسلِّطُ انفجار المرفأ ضَوْءًا ساطعًا على دعامتين تقوم عليهما مأساة لبنان المتكشّفة - نظامٌ يتآكلُه الفساد، منيعٌ على المحاسبة، واقتصادٌ يَعتبره الكثيرون كأنه رُكِّبَ ليخدمَ المنظومة الحاكمة.
في العام الماضي بدا نظام اقتصاد لبنان ما بعد الحرب الأهلية على وشْك الانهيار في حين انطلقت الاحتجاجات تهاجم الوضع القائم. رأى المحتجون نخبةً راسخة الجذور تتهافت للحفاظ على ثرواتها ونفوذها فيما الشعب مُعبّأ لمحاسبتهم على ثلاثة عقود من النهب.
كان هناك خليطٌ من الغضب والانخطاف الفرِح حيالَ ما بدا لكثيرين حلمًا طالَ انتظارُه بثورةٍ راديكالية تعمُّ البلد ضد النظام نفسِه.
شهدت الشوارع تكوُّن قوةٍ جديدة أرهبت الطبقة السياسية. بلغَ الغضبُ درجةً امتنعَ معها السياسيون عن الظهور، ليس فقط في الشارع بل حتى على الشاشات.
في طول البلاد وعرضها شهدت الساحات العامة خيمًا أطلِقت فيها النقاشات الليلية. الأطُرُ السياسية والاقتصادية والقانونية التي مكّنت نخبةً حاكمةً ضيّقة من الإثراء على حساب الشعب تمَّ تفكيكُها.
20 تشرين الأول/أكتوبر 2019، محتجون لبنانيون يتظاهرون أمام مسجد محمد الأمين وبالقرب من كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت.
كانت المحاكمة تتناول نظامًا طائفيًا عمره مائة سنة من تقاسم السلطة، ونهجًا اقتصاديًا منذ ثلاثين سنة، لكن في مقدمة الجميع المصارف.

صدر الصورة، Getty Images
منذ أوائل تسعينات القرن الماضي تٌراكمُ المصارف الأرباح من فوائد قروضها للدولة.
تجمّعات سياسية، تمثل طوائف مختلفة، تقاسمت مواردَ الدولة وراحت توزع الخدمات الاجتماعية والوظائف والمنافع على أتباعها.
الدين العام والفائدة عليه انتزعا، أكثر فأكثر، مما كان يمكن للحكومة أن تنفقه.
تحمّل النظام عدة صدمات: اغتيالات، حربٌ مع إسرائيل، شللٌ سياسيٌّ متمادٍ، حتى أنه شهد فترة ازدهار قصيرة حين دفقت الأموال، نتيجة الانهيار العالمي، إلى النظام المصرفي اللبناني المُعتَبَر آمنًا.
ضمانة الاقتصاد اللبناني غير المعلنة جاءت بنسبتها الكبرى من فرنسا والعربية السعودية.
كلما، عانى البلد مشكلةً في أوضاعه المالية كانت الأولى توظف نفوذها الدبلوماسيّ، وتفتح الثانية جيوبها الملأى لتدبير المخرج على الصعيد الدوليّ.
وهكذا يصار إلى تقديم قروض وهبات جديدة بحيث يستمرّ لبنان في دفع الفوائد على ديونه القديمة. فوق تلك الضمانات كان البلد يعتمد أيضًا على موردٍ ثابتٍ من تحويلات مغتربيه في العالم.
لكن في العام 2011 بدأت التحويلات والضمانة كلتاهما تتناقصان تدريجًا دون أن يُشعَرَ بذلك تقريبًا.
الحرب في سوريا ضربت السياحة وخطوط التصدير، أما انهيار أسعار النفط في ال 2014 فقد أصابت التحويلات خصوصًا من بلدان الخليج. كذلك فإن التضييق المالي الاميركي الذي هدفَ إلى خنق الجماعة اللبنانية المسلّحة وتنظيمها السياسيّ - حزب الله - قد نال نصيبا من النجاح.
حلفاء أميركا في الخليج سحبوا ضمانتهم غير المعلنة، كذلك فعلت فرنسا التي باتت تصرّ على تطبيق التقشّف وتنفيذ الاصلاحات قبل الإتيان باستثماراتها.
وهكذا بدأ المسار. قطعت المصارف سُبُلَ وصول أصحاب الودائع إلى أموالهم، لكنّ المبالغ الكبيرة لم تعدم وسيلةً للخروج. العملة الوطنية انهارت، والتضخّم أخذ يتزايد بنسبٍ عالية. موظفون خسروا وظائفهم والطبقة الوسطى سقطت في الفقر، والفقراء غرقوا في بؤسهم.
في هذه الأثناء حركةُ الاحتجاج هَمَدتْ. كانت قد أظهرت مقاومةً عنيدة لتنظيم صفوفها، ولم تنبثق منها أية قيادة أو إئتلاف واضح الاوصاف يمكن أن يحملَ انجازات المرحلة الباكرة ويتجاوز بها حقل ألغام السياسات اللبنانية.
بدا أن مختلف التجمعات الراسخة والنخب الاقتصادية أخذت تستعيد قوتها.

صدر الصورة، Getty Images
كانت حركة المحتجّين قد تعهدت بانتزاع ثمن الانهيار الاقتصادي من الذين تسبّبوا به.
غداةَ الانفجار، ذاك الشعور أخذَ الآن يتحوّل إلى حسٍ أكثر انتقاميةً، كثيرون يتمنون الموت لأولئك المسؤولين.
لكن تاريخ لبنان الحديث يتكشَّفُ عن نظامٍ يكاد يكون مُصمَّمًا بحيث يطمسُ المسؤوليات ويدع المرتكب ينفَد من العقاب.
طوالَ عقود من الزمن كان الفساد المستشري والجشع موضعَ عرضٍ وتشريحٍ مُفصَّلَين وفي العَلَن على أيدي الصحافيين والأحزاب المتنافسة المتراشقة بالتهم المتبادلة.
لكنّ أحدًا لم يخضعْ للمحاسبة.
كل محاولات المحاسبة كانت تصطدم بحاجز الطائفية. المسؤولون والسياسيون كانوا دائما مَحميين بغطاء من جماعاتهم وأحزابهم الذين كانوا بدورهم محميين من مؤسساتهم الدينية.
طالما كانت المراكز الادارية موزعةً بين الطوائف بحيث تخصّص مواقع معيّنة بالمسيحيين وأخرى بالسنّة وسواها بالشيعة وغيرها بالدروز.
لم يكن نجاح الأحزاب مرتبطًا ببرامج سياسية، وإنما بقدرتها على حمل رايتها الطائفية بحيث تصبح بوابة الطائفة التي تستجلبُ حصّتَها من الوظائف والغنائم. شاغلو المواقع الادارية طالما كانوا أشبه بمحميين منهم بمسؤولين إداريين.
لكنْ ألفان وسبعمائة طن من نترات الأمونيوم، رابضة في مرفأ بيروت طوال ست سنوات، وها هي تنفجر، فمن يدفع؟
حتئذٍ، نحن أمام آلاف الجرحى، والمستشفيات والصيدليات استهلكت كل خزينها الثمين. مئات آلاف المهجّرين وكثيرون من بينهم عاجزون عن إعادة بناء منازلهم.
كل حدث على مدى السنة الفائتة، من الانهيار الاقتصادي إلى كوفيد-19 ، جاءَ يذكّر اللبنانيين كم إنّ اقتصادهم مكسورٌ وغير منتج، وكم هي زراعتُهم مُدمّرة، وكم هي سيادتُهم الاقتصادية فقيرة. وليذكرهم أيضا بمدى اعتمادهم شبه المطلق في معظم حاجاتهم الأساسية على الاستيراد، الذي يأتي بمعظمه عبر مرفأ بيروت.

شكر وتقدير
الصحفيان: رامي رحيم وبول آدامز
المنتج: جيمس بيرسي
باحثون: نادر إبراهيم وزلفي علي وشايان سرداريزاده ومانيشا غانغولي وشافالا مادلينا ورضوان مرتضى
التحرير: سارة باكلي
الغرافيك: شون ويلموت وتوم هاوسدون
.








