من الاقدر على مواجهة "داعش"، قوات غربية ام عربية؟

صدر الصورة، AP
- Author, محمود القصاص
- Role, بي بي سي
ربما تمكن تنظيم "الدولة الاسلامية"، او "داعش" كما يطلق عليه، من توحيد الكثير من القوى ضده، بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها في المنطقة الذين يتفقون على خطر التنظيم وضرورة التصدي له والقضاء عليه. ولكنهم، في ذات الوقت، يختلفون كثيرا حول الطرق اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
ومؤخرا دعا مجلس محافظة الانبار الى تدخل قوات برية امريكية في الحرب الدائرة مع مسلحي تنظيم الدولة في المحافظة، وذلك على اساس ان الجيش العراقي في الوقت الحالي غير قادر على التصدي للمسلحين. الا ان هذا الموقف يتناقض مع ما اعلنه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من رفض وجود اي قوات اجنبية على اراضي العراق.
رؤية قريبة من موقف مجلس الانبار سبق ان قدمها الجنرال ديفيد ريتشاردز، القائد السابق للقوات البريطانية، والذي طالب بنشر قوات غربية لمواجهة مسلحي "داعش" على الارض، واوضح في مقابلة مع البي بي سي ان العمليات ضد التنظيم ليست مجرد عمليات لمكافحة الارهاب، ولكنها مواجهة مع جيش يمتلك دبابات ومدفعية، وبالتالي لابد من جيوش برية لمواجهته. ويرى "انه لايمكن هزيمة "داعش" الا بعلميات برية تشارك فيها جيوش غربية، على الاقل بدور مساند."
وتختلف هذه الرؤية مع الاستراتيجية التي اعلنها الرئيس الامريكي باراك اوباما، والتي تقوم على القيام بضربات جوية ضد مواقع التنظيم في سورية والعراق، مع تدريب المعارضة السورية المعتدلة للدخول في معارك برية مع مسلحي داعش لاسترداد المدن التي سيطروا عليها.
الا ان بعض السياسيين الامريكيين، خصوصا من الحزب الجمهوري، ابدوا شكوكا كثيرة حول قدرة المعارضة السورية المسلحة على القيام بهذا الدور، كما ان هناك خلافات حول تحديد "المعارضة المعتدلة" التي يمكن الاعتماد عليها لمواجهة القدرات العسكرية والتنظيمية التي يتمتع بها تنظيم الدولة.
وهناك خلاف آخر بين تركيا والولايات المتحدة حول استراتيجية مواجهة تنظيم "الدولة الاسلامية"، اذ أوضح رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو في مقابلة مع البي بي سي ان "تركيا ستشارك في عمليات عسكرية عندما تتضمن استراتيجية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة التحرك ضد قوات الحكومة السورية." ويرى اوغلو "ان الحل الوحيد هو مساعدة السوريين على تحرير بلدهم من تنظيم الدولة الاسلامية ومن النظام السوري".
مسؤولية الانظمة العربية عن ظهور "داعش"
وبالاضافة الى الخلاف حول افضل سبل المواجهة العسكرية مع "داعش"، هناك ايضا جدل لا يتوقف حول المواجهة الفكرية والعقائدية مع التنظيمات المتطرفة بشكل عام، والتي نجحت في اجتذاب آلاف الشباب الى صفوفها.
واشار الباحث السعودي خالد الدخيل، الاستاذ بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان "مراجعة الوهابية تأخرت كثيرا"، الى التشدد الذى اتسمت به الحركة الوهابية، الذى كان من سماته رفض الآخر والتسرع في تكفيره. وهو ما أرجعه إلى ظروف سياسية واجتماعية تم تجاوزها، وتسآل عن تأثير ادبيات الفكر الوهابي على فكر الجماعات المتطرفة.
وهذا الجانب تحديدا، وهو دور الفكر الديني المتشدد، وان كان لا يدعو للخروج على الحاكم، في وضع اسس فكرية لجماعات تحمل السلاح لتحقيق اهدافها، يدفع الكثيرين للتسآول: ما جدوى العمل العسكري ضد الجماعات المتطرفة اذا كانت الافكار المتشددة التي يستندون اليها تقدم، من قبل بعض المشايخ وعلماء الدين، على اساس انها المنهج الاسلامي الصحيح؟
تساؤلات اخرى عن الازمات السياسية والاقتصادية الخانقة التي تعيشها اغلب المجتمعات العربية، ومعاناة الشباب المستمرة من قسوة الحياة في مجتمعات لا توفر لهم عملا او سكنا او دخلا مناسبا، ويتعرضون فيها للقمع المستمر من جانب اجهزة الامن، ولا تلوح في الافق بوادر انفتاح سياسي حقيقي يسمح بالمشاركة في الحكم وتداول السلطة. في ظل هذا الحال من الممكن ان يتحول قطاع من هؤلاء الشباب المحبط الى التطرف بمختلف اشكاله، بما في ذلك التطرف الديني الذي يعدهم بمجتمع يحقق لهم ما عجزت الانظمة الحالية عن تحقيقه.
ومن ثم يمكن القول ان "داعش" والقاعدة، وغيرهما من الجماعات المتشددة، هي "الناتج الطبيعي للانظمة السلطوية العربية"، كما يرى محمد ابو رمان، الباحث الاردني المتخصص في الجماعات الاسلامية، اذ ان هذه الانظمة ترفض التغيير وتداول السلطة، وتغلق الباب امام الحلم بالديمقراطية والحرية، وطالما كان باب التغيير عبر آليات الديمقراطية مغلقا، فمن الطبيعي ان يتجه الشباب الى التغيير الراديكالي باستخدام العنف من خلال تنظيمات متطرفة مثل "داعش"، خاصة وان هذا التنظيم اثبت قوته على الأرض في العراق وسورية.
ويضيف ابو رمان ان "داعش" تحول لدى بعض الشباب الى "نموذج للتغيير باستخدام السلاح"، طالما ان طريق التغيير السلمي غير ممكن، برأي انصار "داعش"، كما حدث في مصر وليبيا واليمن، ومن ثم يرى ابو رمان ان محاربة ومنع "الربيع العربي" ساهمت في تقوية التنظيمات المتشددة مثل "داعش"، وهو بهذا يخالف وجهة نظر اخرى ترى ان "الربيع العربي" ادى لظهور "داعش"، وذلك على اساس ان البيئة المنتجة للتطرف موجودة في المجتمعات العربية قبل وبعد "الربيع العربي".
المشكلة ان مواجهة "داعش"، او الجماعات المتطرفة بشكل عام، اصبحت ذريعة لتقييد الحريات وتأجيل الاصلاح السياسي في عدد من الدول العربية، ويتردد في الاعلام العربي اصوات تقول ان الديكتاتورية افضل من "داعش"، واصبح المواطن العربي مجبرا على الاختيار بين الحكام المستبدين، وبين الجماعات المتطرفة. لكن يظل حلم الكثيرين هو ان تسير بلادهم في طريق ثالث، بعيدا عن الاستبداد والتطرف.
المواجهة مع تنظيم "الدولة الاسلامية"، بمختلف اشكالها، كانت محورا لحلقة خاصة من برنامج "نقطة حوار" سجلت في جامعة "ويستمنستر" في لندن، وتحاور فيها مجموعة من الشباب العربي الذين يشاركون في برنامج "صوت الشباب العربي"، والذي يدعمه كل من المركز الثقافي البريطاني ومؤسسة "آنا ليند".
يعاد بثت هذه الحلقة الخاصة من "نقطة حوار" على شاشة واثير البي بي سي العربية يوم الثلاثاء 11 نوفمبر/تشرين الثاني في الساعة 16:06 بتوقيت جرينتش، وتتم اعادتها مرتين يوم الاربعاء، في الساعة 2:06 والساعة 8:06 بتوقيت جرينتش








