رحلتي المروعة على "طريق الجحيم" في غزة

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبعد أسابيع من القصف الإسرائيلي، فر مصور بي بي سي عربي جهاد المشهراوي رفقة عائلته من منزلهم في شمال غزة.
يروي لنا هنا قصة حية وصادمة لما عايشه هو وزوجته وأطفاله أثناء توجههم جنوبا.

تحذير: هذا التقرير يحتوي تفاصيل قد يجدها بعضهم قاسية

كنا منهمكين في إعداد الخبز عندما بدأت البيوت المقابلة لمنزلنا تقصف واحدا تلو الآخر، فأدركت أن دورنا قد يحين خلال دقائق. 

تركنا النار موقدة، وتركنا العجين، وفررنا من بيتنا في حي الزيتون في مدينة غزة. خرجنا خلال دقائق معدودة، حتى أننا نسينا حقائبنا التي أعددنا لهذه اللحظة، ونسينا باب البيت مفتوحا، لنبدأ رحلة عبر الجحيم نحو جنوب قطاع غزة.

استغرق بناء هذا المنزل الذي يقع في حي الزيتون 15 عاما، بنيته بالتدريج كلما توفر المال.

في المكان نفسه رأيت ابني عمر للمرة الأخيرة في عام 2012، قبل أن يُقتل بشظية قذيفة أصابت المنزل خلال الحرب القصيرة وقتها مع إسرائيل. لم أكن مستعدا لفقدان ابن آخر. 

منذ بداية الحرب، كان الخيار الأفضل هو البقاء في المنزل، حيث حصلنا على الكهرباء عبر ألواح الطاقة الشمسية، كما أمدتنا مضخة صغيرة  بالمياه الجوفية.  

كان زملائي في بي بي سي قد سبقوني في النزوح مع أسرهم إلى مدينة خان يونس جنوبي القطاع بعد أيام من بداية الحرب. علمت منهم عن صعوبة الوضع الإنساني هناك. لا كهرباء ولا ماء. كما أنهم كانوا ينتظرون لساعات لدخول الحمام.

كنت أحاول تأخير المعاناة التي سنواجهها عندما نذهب للجنوب، ولا سيما أن أبي وأمي كانا يرفضان الخروج.

والدة جهاد تبكي خوفا من مغادرة المنزل.

والدة جهاد تبكي خوفا من مغادرة المنزل.

لكن فجأة تغير كل شيء. اضطررنا للخروج من البيت قبل أن يُقصف.

صور التقطها جار جهاد بعد أيام من نزوحهم.

صور التقطها جار جهاد بعد أيام من نزوحهم.

Item 1 of 5

صور التقطها جار جهاد بعد أيام من نزوحهم.

صور التقطها جار جهاد بعد أيام من نزوحهم.

شارع صلاح الدين

في التاسعة صباحا خرجنا راكضين أنا وزوجتي أحلام، وأبنائي الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية والرابعة عشرة، مع أبي وأمي المسنين، وإخوتي وأخواتي وأبناء أعمامي مع أبنائهم أيضا. نجونا بأرواحنا، ولم نأخذ سوى زجاجتي مياه وبعضا من الخبز. 

توجهنا نحو الجنوب عبر شارع صلاح الدين الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي طريقا آمنا للنازحين، لنصل قرب نقطة التفتيش التي أقامها الجيش.

وجدنا أنفسنا ضمن قافلة بشرية طولها مئات الأمتار، تزحف ببطء شديد في الشارع الذي يبلغ عرضه نحو 50 مترا. رأيت  عدة آلاف من النازحين ينتظرون دورهم للعبور.

في الطابور، قضينا نحو 4 ساعات. تقدمنا أحيانا خطوة واحدة كل ربع أو نصف ساعة.

كنا خائفين جدا. ولم ينقطع صراخ الأطفال جوعا وخوفا. كانوا يسألون "ماذا سيفعل الجيش بنا؟ وما هو شكل هذا الجيش؟".

ليس هناك مجال لأي شيء سوى الوقوف. أغمي على والدي أكثر من مرة، واضطر من حوله لمساندته ليبقى واقفا. فالكل خائف من فعل أي شيء خوفا من أية عواقب. بعد قليل تمكننا من إيقاظه، وخاطرنا بمساعدته على الجلوس. 

كان آخرون يبكون بسبب العطش والتعب. كانت هناك رضيعة تبكي ولم تستطع أمها إرضاعها بسبب التكدس. 

صور الأقمار الصناعية من Maxar. التقطت في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

صور الأقمار الصناعية من Maxar و Planet Labs. التقطت في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

صور الأقمار الصناعية من Maxar. التقطت في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

صور الأقمار الصناعية من Maxar و Planet Labs. التقطت في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

على جانب من شارع صلاح الدين، تمركز جزء من القوات فوق مرتفعات رملية في قطعة أرض فارغة. 

 على الجانب الآخر، كانت معظم المباني مهدمة بسبب القصف، انتشر على بعضها جنود إسرائيليون مسلحون بأسلحة موجهة في اتجاهات مختلفة.

كلما اقتربنا أكثر، رأينا مزيدا من الجنود الذين يبدو أنهم يديرون عملية العبور عن بعد من داخل خيمة فوق مُرتفع رملي وتمركز داخله نحو 15 جنديا يراقبون عبر الشاشات والمناظير المقربة، ويوجهون الحشود من خلال مكبرات الصوت.

بالقرب من الخيمة، وضع الجنود حاويتين مفتوحتين من الأمام والخلف، طالبوا الرجال بالمرور من إحداهما والنساء من الأخرى، نازحا تلو الآخر، مع الحفاظ على مسافة بين كل منهم.

بعد الخروج من الحاوية، طُلب من العابرين رفع هوياتهم، وتم تصويرهم بالكاميرات.

لقد بدا المشهد كيوم الحساب.

رأيت 50 شخصا تم توقيفهم من بينهم جاران لي خلال فترة انتظارنا عند نقطة التفتيش، كلهم من الرجال. ورأيت شابا تم توقيفه لأنه لم يستطع تذكر رقم بطاقة هويته الضائعة.

كل الموقوفين الذين رأيتهم أجبروا على خلع ملابسهم والجلوس على الأرض بملابسهم الداخلية فقط، بمرأى من الجميع. بعدها طُلب من بعضهم أن يرتدي ملابسه ويغادر، بينما غطيت أعين بعض الموقوفين الآخرين.

رأيت 4 موقوفين وقد غطيت أعينهم، من بينهم رجل كان يقف بجواري، قبل أخذهم خلف تلة رملية بجانب مبنى منهار.

رأيناهم يمشون الخطى للأسفل، ثم اختفوا ولم نعد نر منهم شيئا.
ثم سمعنا صوت إطلاق نار هناك. لا نعلم إذا ما كانت النار قد أطلقت عليهم أم لا، لكن لم نرهم مرة أخرى.

الجيش الإسرائيلي قال لبي بي سي إن "الأفراد المشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية" يتم اعتقالهم وإخضاعهم للاستجواب الميداني، وإذا ظلوا مُشتبها بهم يتم نقلهم إلى الأراضي الإسرائيلية لمواصلة التحقيقات معهم. . ويتم "إطلاق سراح آخرين على الفور".

وأضاف أن صوت إطلاق النار كان شائعا وأن "أصوات إطلاق النار وحدها ليست مؤشراً على إطلاق النار من مكان معين أو بطريقة معينة".

تمكنت من عبور نقطة التفتيش بأمان بعد حوالي أربع ساعات ونصف، وكذلك زوجتي وأطفالي ووالداي. لكن اثنين من إخوتي تأخرا في العبور.

ظننا أنهما قد تعرضا للاعتقال. انتظرناهما على بعد نحو 150 مترا ضمن أسر أخرى تنتظر ذويها.

صاح أحد الجنود في مكبر الصوت وطالب بعض الأسر التي كانت تحاول الاقتراب من نقطة التفتيش بحثا عن ذويهم، بالتراجع 300 متر على الأقل، قبل أن يبدأوا بإطلاق النار في الهواء.

كنا سمعنا أصوات الرصاص أكثر من مرة عندما كنا في الطابور.

 صارت أمي تبكي وتقول، ترى ماذا حدث لأبنائي؟ هل أطلقوا عليهم النار؟ والدي أيضا جلس على الأرض يبكي. وبعد أكثر من ساعة، ظهروا، وحضن أفراد العائلة بعضهم بعضا، وكان الجميع يبكون. 

الجيش الإسرائيلي قال ردا على طلب التوضيح الذي أرسلته بي بي سي، إن هناك حالات "حاول فيها شبان التحرك في الاتجاه المعاكس للممر، من الجنوب إلى الشمال، وقوبلوا بإطلاق النار بغرض التفريق، بعد أن تجاهلوا النداءات عبر مكبر الصوت بعدم التقدم نحو الممر". 

قال الجيش الإسرائيلي أيضًا إنه "لا يطلق النار على المدنيين الذين يتحركون على طول الممر الإنساني من الشمال إلى الجنوب".

وعلق الجيش الإسرائيلي قائلا إنه قد يُطلب من المعتقلين تسليم ملابسهم للتفتيش، للتأكد من عدم وجود أحزمة ناسفة أو أسلحة أخرى، ثم يُسمح للمعتقلين بارتداء ملابسهم حينما يتسنى ذلك. وأضاف الجيش الإسرائيلي أنه لا يهدف إلى "تقويض أمن المعتقلين وكرامتهم" وأنه "يعمل وفقا للقانون الدولي".

الأصعب لم يأت بعد 

عند الخامسة مساء تقريبا، ابتعدنا عن نقطة التفتيش، وشعرنا بالارتياح عندما اختفت عن الأنظار خلفنا. لم نكن نعلم أن الجزء الأصعب من الرحلة لم يأت بعد.

 بعد اجتيازنا نقطة التفتيش، شاهدت نحو 10 جثث في أماكن متفرقة. 2 منهم على الأقل بالقرب من المبنى الذي أخذ الموقوفين إليه.

كانت الطيور تأكل من الجثث. صرخت بأعلى صوتي عندما رأيت المشهد، وطلبت من الأطفال بأن ينظروا إلى السماء ويستمروا في المشي حتى لا يروا هذا المشهد.

ورأينا أيضا جثث عدد من الحمير والأحصنة، بعضها كان متحللا، ولم تبق منه سوى هياكل عظمية، فضلا عن كميات مهولة من المأكولات التالفة والقمامة. لقد كانت أعفن رائحة شممتها في حياتي.

شاهدت سيارة مدمرة وبها أشلاءٌ بشرية ورأس مبتورة. كانت يدا القتيل الذي بدأت جثته بالتحلل، ما زالتا تمسكان بمقود السيارة. 

سيارة مقصوفة في شارع صلاح الدين. المصدر: إكس (تويتر سابقا) 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

سيارة مقصوفة في شارع صلاح الدين. المصدر: إكس (تويتر سابقا) 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023

سرعان ما ظهرت في الأفق دبابة إسرائيلية قادمة من طريق فرعي وتسير بسرعة جنونية. شعرنا أن الدبابة تتقدم نحونا، وظننا أنها تحاول دهسنا. ركضنا بعيدا عن طريق الدبابة، واضطررنا جميعا للركض فوق الجثث والأشلاء التي كنا نتجنب النظر إليها، وتعثر بعض المارة وسط الجثث.

لحسن الحظ غيرت الدبابة مسارها قبل حوالي عشرين مترا من شارع صلاح الدين، حيث كنا نسير.

فجأة تم تفجير مبنى بالقرب من شارع صلاح الدين. كان الانفجار مرعبا، ورأينا الشظايا تتناثر في كل مكان. هذه اللحظة لن أنساها، كنت أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعنا بدلا من أن نمر أنا وأولادي بهذه التجربة.

وعندما سألت بي بي سي عن الدبابة والجثث، قال الجيش الإسرائيلي إنه خلال النهار تتحرك الدبابات "على المحاور التي تتقاطع مع شارع صلاح الدين، دون  تسجيل أي حالة تحركت فيها الدبابات باتجاه المدنيين المتجهين من شمال القطاع إلى جنوبه على المحور الإنساني".

وقال الجيش إنه "لا توجد أي حالات معروفة عن أي أكوام من الجثث على طريق صلاح الدين"، ولكن في بعض الأحيان كانت مركبات تابعة للسكان في غزة "تترك الجثث أثناء رحلاتها، حيث قامت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بنقلها".

عند الثامنة مساء تقريبا، وصلنا مخيم النصيرات، على بعد 10 كيلومترات من مدينة غزة، واضطررنا للمبيت على أحد الأرصفة.

هذه أبرد ليلة قضيتها في حياتي. اضطررتُ لخلع معطفي وقميصي، غطيت ابني الأصغر جاد بقميصي، وأعطيت المعطف لزوجتي، حيث احتضنتُ أحمد وعمر وغطيتهما بالمعطف. وضع كل من الطفلين يديه في أكمام المعطف.

صباح اليوم التالي 

في السابعة من صباح اليوم التالي واصلنا المسير. تارة على أقدامنا، وأحيانا استأجرنا عربات تجرها حمير، حملت بعضنا، بينما سار الباقون بجوارها.

في دير البلح، التي تبعد 15 كيلو مترا عن مدينة غزة، وجدنا حافلة تسع 20 راكبا، استقلها حوالي 30 فردا من العائلة في نفس الوقت. جلس بعضهم على الكراسي، وآخرون فوق السقف، وتعلقت أنا والشباب بالأبواب والنوافذ.

في العاشرة والنصف صباحا، وصلنا أخيرا إلى خان يونس، ثاني أكبر مدينة في قطاع غزة. تبعد خان يونس عن مدينة غزة نحو 24 كيلو مترا، قطعنا هذه المسافة في أكثر من 24 ساعة.

التقيت هناك زملائي في بي بي سي.

حاولنا أن نجد مكانا في مدرسة تابعة للأونروا، لكن دون جدوى، فكلها كانت مكتظة بالنازحين.

تفرقت العائلة لعدة مجموعات، بحث كل منها عن المأوى بطريقته الخاصة. وبقيت مع 22 فردا، منهم أبي وأمي وزوجتي وأطفالي وإخوتي. استأجرنا مخزنا ملحقا بمخبز كان متعاقدا مع الأونروا. كانوا يبدأون العمل في الواحدة صباحا حتى الثامنة. كانوا يعطوننا كل يوم ربطة خبز.

 طالما ردد معظم الناس في خان يونس هذه الجملة.

بعد يوم من وصولنا، خرجت زوجتي لشراء ملابس للأطفال من السوق. لم تكن هناك بضاعة كثيرة. والأصناف المتوفرة تضاعف ثمنها لأكثر من 10 أو 20 ضعفا.

طلبت من زوجتي ألا تذهب للسوق مرة أخرى. ليس بسبب غلاء الأسعار، بل لأن السوق تعرض للقصف بعد مغادرتها زوجتي بدقائق.

لم تكن خان يونس مكانا آمنا. الكل كان يعرف أن خان يونس عليها الدور في العملية البرية.

في الرابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الأول، توصلت إسرائيل وحركة حماس لهدنة مؤقتة امتدت سبعة أيام.

لكن بمجرد انتهاء الهدنة. بدأت العملية البرية في خان يونس. 

Getty Images

Getty Images

إلى رفح 

قبل بداية الهدنة بيوم واحد، انتقلت إلى رفح.  

لحسن الحظ استطاعت زوجتي وأبنائي ركوب سيارة خاصة مع أحد المعارف في طريقهم لرفح.

أما أنا فلم أجد سوى حافلة تعلقت بها من الخلف. بقي أبي وأمي وإخوتي وباقي الأسرة في خان يونس. 

 في رفح، استأجرنا غرفة ملحقة بحديقة منزل. سقف الغرفة من الصفيح والأكياس البلاستيكية. البقاء تحت سقف كهذا خطر جدا، فلو سقطت شظية ليس هناك ما يحمينا.  

 وكان الحمام الذي تقل مساحته عن متر مربع بلا باب، لذا وضعنا كيسا بلاستيكيا بدلا من الباب.

في السابعة من صباح كل يوم أشعل النار وأطبخ الأرز. أما الكبار، فيحصل كل منهم على حبتي طماطم.

أتولى أمر الطعام، فأنا الوحيد الذي يستطيع إشعال النار باستخدام الأخشاب.

لا نعرف شيئا اسمه غذاء. لكن مع اقتراب المساء، أقلي بعض الباذنجان أو القرنبيط، والفلافل. يستغرق إعداد الطعام نحو 3 ساعات، فالنار ضعيفة جدا.

أما الشراب، فيقف أحد الأطفال في طابور لمدة 3 ساعات ليحصل على لتر من المياه الصالحة للشرب لكل فرد فينا. 

الأسعار مرتفعة بشكل جنوني، والبضائع غير متاحة، ولاسيما الخضروات.

إنه أمر لا يوصف حقًا. ابني معتاد على تناول بيضة كل يوم. بيضة! هل يمكنك أن تتخيل؟ لا أستطيع أن أوفرها له.

 بقدر ما أردت حقًا الاستمرار في العيش في منزلي بأمان، كل ما أريد فعله الآن هو الخروج من جحيم غزة، وأن نشرب ماء نظيفا، حتى لو عشنا في خيمة.

فريق العمل

قصة: جهاد المشهراوي
إنتاج: عبدالرحمن أبو طالب
تصميم: رئيس حسين
رسوم متحركة: شولتو كرو
إشراف: منى با، وجوليان الحاج، وعبدالصمد بن جودة
حقوق نشر الصور والفيديوهات محفوظة