آمنة ودود

الليدي إمام التي وقعت في حبّ القرآن

تحتفل المفكرة وعالمة الفقه الأمريكية هذا العام، بمرور نصف قرن على اعتناقها الإسلام.
ضمن مشروع مشترك بين الخدمتين العربية والإندونيسية في بي بي سي نيوز، استقبلتنا آمنة ودود في منزلها في مدينة يوغياكارتا، جنوب جزيرة جاوة. تحدّثنا معها عن حياتها، عن دورها التجديديّ في علوم التفسير، عن إمامتها الصلاة، وعن فهمها للدين خارج الهرميات السلطوية، والعرقية، والثنائيات الجندرية.

في أغلب الأحيان، نولد أتباعاً لديانة يعتنقها أهلنا، كما فعل أجدادهم وأسلافهم من قبلهم. قلّة منا، تحظى، خلال حياتها، بفرصة حقيقية لقطع الحبل السرّي مع إرثها الديني، وخوض رحلة استكشافها الخاصة.

آمنة ودود هي واحدة من أولئك "المحظوظين"، كما تقول. فعلاقتها بالله شكّلت مشروع حياة زاخر بالحبّ، والمغامرة، والتحدّي، انخرطت فيه منذ اعتناقها الإسلام "بمحض المصادفة"، كما تخبرنا، قبل نصف قرن.

ولدت الكاتبة والأستاذة الجامعية الأمريكية عام 1952، لعائلة قسيس من الطائفة الميثودية البروتستانتية، في ولاية مريلاند.

لها ثمانية أخوة، وقد منحها والدها اسم ماري، تيمناً بمريم أم المسيح؛ وحين اختارت اسماً جديداً بعد اعتناق الإسلام، انتقت اسم آمنة، تيمناً بأم النبي محمد. أما كنيتها، فاختارتها نسبةً لأحد أسماء الله الحسنى، الودود، وتعني "اللطيف، كثير الحبّ"، وهي صفة تستخدم في اللغة العربية للمذكّر والمؤنث معاً.

دخلتُ من باب الإسلام

سنة 2022 سنة مميّزة في حياة آمنة، إذ تحتفل بعيد ميلادها السبعين، وبمرور خمسين عاماً على "دخولها من باب الإسلام"، كما تقول.

تلت آمنة الشهادتين، حين كانت في العشرين، داخل مسجد صغير، قرب بيت أهلها في واشنطن، حين كانت لا تزال طالبة في جامعة بنسلفانيا.

في الجامعة، احتكت بمجتمع مسلم حيوي، ونابض بالحياة، ومن مختلف التوجهات.

تقول: "كان هناك وعي في المجتمع الأفريقي الأمريكي بأن الإسلام يقدم بديلاً روحانياً عن نمط معين من المسيحية، استخدم كأداة في استعباد السود، وأتيح لي في الجامعة أن أختلط بوسطٍ من الطلاب السود الذين وجدوا في الإسلام ديانة عدل، لا يمكن لأي فوقية عرقية أن تقف في وجهه؛ ولكن لم يكن لهذا الاعتبار تأثير مباشر في خياري الفردي".

بالنسبة لها، كانت عوالمها الروحانية الذاتية، واهتمامها بالنصوص الدينية منذ سنّ صغيرة، ما قادها إلى الإسلام، وقبله إلى البوذية لفترة وجيزة.

على المقلب الآخر، اختبرت آمنة في كنف الجماعات المسلمة في الولايات المتحدة، شكلاً آخر من التمييز، من قبل بعض المسلمين المهاجرين.

تخبرنا: "كان هناك دائماً ذلك الاعتقاد بأنك إن كنت مسلماً من بلد مسلم، أو ذا أكثرية مسلمة، فذلك يجعلك "مسلماً حقيقياً". وفي ذلك شيء من الاستعلاء الثقافي، لأن الإسلام لديه القدرة على الامتزاج بثقافات عدة، وعلى تغيير تلك الثقافات، وعلى التأثر بها أيضاً".

تقول إن الأمر اختلف حالياً مع الأجيال المسلمة الأصغر سناً في الولايات المتحدة، الذين يتقبلون التنوع وما يحمله اختلاف الثقافات من ديناميّة واحتمالات.

«كان هناك وعي في المجتمع الأفريقي الأمريكي بأن الإسلام يقدم بديلاً روحانياً عن نمط معين من المسيحية، استخدم كأداة في استعباد السود، وأتيح لي في الجامعة أن أختلط بوسطٍ من الطلاب السود الذين وجدوا في الإسلام ديانة عدل، لا يمكن لأي فوقية عرقية أن تقف في وجهه».
آمنة ودود

نهرٌ في الحديقة

تقاعدت الباحثة وعالمة الفقه من الميدان الأكاديمي في الولايات المتحدة، قبل سنوات، وتقيم حالياً في مدينة يوغياكارتا، في جنوب جزيرة جاوة الإندونيسية.

من بيروت، نحاورها في اتصال عبر زوم، فيما حظي فريق بي بي سي في إندونيسيا بفرصة قضاء الوقت معها، وتصويرها في حديقة منزلها، والتجول معها في مسجد الحيّ حيث تقيم، وزيارة الجامعة الإسلامية الوطنية حيث تشغل منصب أستاذة زائرة.

مراسلة بي بي سي نيوز في إندونيسيا، فالديا بارابورتي، سافرت من العاصمة جاكارتا إلى يوغياكارتا، لقضاء ثلاثة أيام بصحبة آمنة، ضمن هذا المشروع المشترك بين الخدمتين العربية والإندونيسية في بي بي سي.

تخبرني زميلتي فالديا أنها استعدّت جيداً قبل الرحلة، وأرادت أن يكون كل شيء مثالياً. وصلت إلى الفندق قبل يوم من اللقاء. في الصباح ارتدت بذلة رسمية، وأخذت نفساً عميقاً، وحرصت على أن تصل إلى منزل البروفيسورة ودود، أبكر من الموعد المتفق عليه.

تقول لي زميلتي: "حين رحبت بي، شعرت بالراحة. حضورها حازم ودافئ في آن. لم تكن عاملة التنظيف قد أنهت عملها في الداخل بعد، فأخذتني ودود إلى جولة في حديقتها، حيث يجري نهر صغير. المكان كله مضيء ومسالم".

عند دخولهما إلى البيت لتجهيز الاتصال للمقابلة معنا من بيروت، وقعت عين فالديا على طاولة، تشبه مزاراً، زيّنتها آمنة بصورة لوالدتها، وأخرى لشقيقتها، ونثرت حولهما عدداً من الأحجار الكريمة، بجانب أوراق تارو.

تقول فالديا: "عددت لها أسماء الأحجار، لأني بدوري من هواة جمعها، وشعرت في لحظتها بأن رابطاً نشأ بيننا. أخبرتني أنها ترتب الأغراض والأحجار على الطاولة كل فترة، لتعكس الطاقة التي تريدها في المنزل".

تصنّف آمنة نفسها بأنها مسلمة انتقائية تركيبية، بمعنى أنها لا تلتزم مذهباً أو مدرسة، بل تختار التوفيق بين المناهج، بما يتسق مع قناعاتها.

بعضهم يصفونها بأنها "روك ستار" النسوية الإسلامية، لشجاعتها ربما، إذ كانت أول امرأة في التاريخ الحديث، تخطب بمصلين من الجنسين، وتؤمهم خلال صلاة الجمعة.

ولكن، من يتعرّف إليها عن قرب سيجد فيها متصوّفة خَفِرة، تنشر صور أولادها وأحفادها على إنستغرام، تقرأ ابن عربي، تمارس تمارين التأمل البوذية منذ عقود، تتبع طريقة المراقبة الصوفية، تتأمل حركة النجوم والكواكب، وتنتظر أحدث المسلسلات على نتفليكس.

تحبّ آمنة الحياة في إندونيسيا، ويبدو أنها غير نادمة على خيارها الانتقال إلى الأرخبيل الذي تترامى جزره في المحيط الهادئ.

عبر حسابها على تويتر، تغرد عن يومياتها مع الطقس والأمطار الموسمية، عن الفرق الشاسع في التوقيت وفي كلفة المعيشة بين بلد إقامتها وموطنها الأصلي. تغرّد أيضاً عن رحلتها بالقارب إلى جزيرة مجاورة من مقرّ سكنها، لرؤية اكتمال القمر للمرة الأخيرة في فصل الشتاء، وعن تغيير ديكور المنزل استعداداً لوصول فريق بي بي سي.

قبل أيام من مقابلتنا معها، أعلنت عن مبادرة للدراسات الكويرية في اللاهوت الإسلامي، أسمتها "قسط"، تستند فيها إلى أن مبدأ الكرامة الإنسانية في الإسلام، واحد لا يتجزأ، مهما كانت توجهات الأفراد الجنسانية، على اختلاف ألوان الطيف.

تريد من خلال هذه المبادرة الجديدة أن تفتح حواراً أكاديمياً شفافاً وراهناً حول الجنسانية، بالاستناد إلى تراث إسلامي غني حول الموضوع، أو ما سماه الفقهاء قديماً بـ "علم الباه"، كما تقول. "حين أنظر إلى ميراثنا الفكري الإسلامي، أجد أننا كنا نخوض حوارات صريحة جداً حول الجنسانية، ولكننا فقدنا ذلك بسبب الإرث الاستعماري، وبتنا اليوم نرفض ربط أنفسنا بإرثنا الفكري الأصيل".

من هذا المنطلق، ترغب بأن تسهم "قسط" بوضع مناهج البحث اللازمة لدراسة هذا المجال الأكاديمي الناشئ، من خلال تجارب الكويريين المسلمين أنفسهم.

«حين أنظر إلى ميراثنا الفكري الإسلامي، أجد أننا كنا نخوض حوارات صريحة جداً حول الجنسانية، ولكننا فقدنا ذلك بسبب الإرث الاستعماري، وبتنا اليوم نرفض ربط أنفسنا بإرثنا الفكري الأصيل».
آمنة ودود

محطات في حياة آمنة

1952

ولدت لعائلة أمريكية من أصول أفريقية في مدينة بيثيسدا في ولاية مريلاند، وكان والدها قسيساً من الطائفة الميثودية، رباها على "الحبّ".

1972

اعتنقت الإسلام، وغيرت اسمها من ماري تيزلي إلى آمنة ودود. قرأت القرآن بترجمة إنجليزية، ما خلق لديها فضولاً لتعلّم العربية لكي تتمكّن من قراءته بلغة النزول.

1988

نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ميشيغان عن أطروحتها بعنوان "القرآن والمرأة" والتي نشرت لاحقاً في كتاب يعدّ اليوم مرجعاً أكاديمياً لدارسي الجندر والإسلام.

1994

ألقت خطبة فيفي مسجد كليرمونت في كايب تاون، جنوب أفريقيا، لتكون بذلك من أوائل النساء اللواتي يلقين خطبة أمام جمع مختلط من المصلين، في التاريخ الحديث.

2005

أحدثت خضة في العالم الإسلامي حين أمت صلاة الجماعة في مدينة نيويورك، في كاتدرائية القديس يوحنا في مانهاتن. وثقت التجربة في كتابها الثاني "داخل جهاد الجندر" (2006)، وفيه تسرد محطات مفصلية من مشوراها.

2009

أطلقت مع ناشطات وحقوقيات مسلمات من دول عدّة، تجمع "مساواة"، الهادف إلى تقديم قراءات تقديمة للتفسير القرآني، بما يكرّس العدالة بين الجنسين. وينشط التجمّع في إصلاح قوانين الطلاق والأسرة في عدد من الدول.

2022

أسست مبادرة قسط للدراسات الكويريّة في اللاهوت الإسلامي. وستنشر كتاباً جديداً بعنوان "مرّة في العمر"، هو عبارة عن سلسلة تدوينات تتناول فيها قراءتها التقدمية لأركان الإسلام الخمسة.

التفسير بعيون جديدة

هذا العام أيضاً، تحتفل آمنة بثلاثين عاماً على صدور الطبعة الأولى من كتابها المرجعي "القرآن والمرأة" (1992) الذي كان من أوائل محاولات التفسير المنهجية للنص القرآني، من منظور الجندر، وقدم مساهمة جوهرية في تيار فكري إسلامي يمثّل قطيعة مع تقاليد في التفسير احتكرها الرجال.

حين ألّفت الكتاب الموجز والمكثّف، لم تكن تنوي نشره. كان عبارة عن أطروحة لنيل الدكتوراه في التفسير القرآني من جامعة ميشيغان عام 1988.

فهي حين اختارت موضوع بحثها عن "إعادة قراءة النصّ المقدس من منظور امرأة"، كانت كمن يدخل صحراء قاحلة، لم تطأها نساء كثيرات من قبل، لدرجة أن الأساتذة المشرفين على بحثها، كانوا يسألونها إن كانت تدرك ما تفعله حقاً.

يبدو أن آمنة كانت تدرك ما تفعله تماماً، وإن لم تكن تتوقع حجم التأثير الهائل الذي ستخلّفه. اليوم، باتت مدرسة النسوية الإسلامية التي ساهمت في وضع أسسها، منهجاً بحثياً قائماً بذاته، وبات كتابها الذي ترجم إلى لغات عدة، مرجعاً في مجال الجندر والإسلام.

تقارب آمنة علم التفسير ضمن إطار نظري شامل، هو التوحيد، بمعنى أنّ روحية النصّ القرآني عادلة بالمطلق، فلا فوارق هرمية ولا تراتبية بين البشر على اختلاف أجناسهم، وطبقاتهم، وأعراقهم، وميولهم. كلهم على درجة واحدة، و"الله وحده أكبر"، كما تقول.

تقول: "قال لي أحدهم مرة، إنني رميت الحصى في مياه راكدة، فضحكت، لأني لم أكن أرى الحصى ولا المياه أساساً. كنت فرداً يعيش قصة حبّ مع ذلك الكتاب، القرآن".

حتى يومنا هذا، تُستخدم دراسة ودود في "القرآن والمرأة" لمفاهيم مثل القوامة والولاية وتعدد الزوجات وضرب النساء، كمرجع لنقد تشريعات تمييزية ضد النساء في عدد من الدول الإسلامية.

علاقة التشريعات الإسلامية بالنساء، مثار سجال حامٍ لا ينطفئ في العديد من البلدان بين المؤسسات الدينية والحكومية وبين من يتهمون تلك المؤسسات برعاية قوانين غير منصفة، سواء على صعيد الطلاق، أو الميراث، أو حتى الشهادة في المحاكم.

وأمام هذه المعضلة، تتعدّد الآراء. فهناك من يرى أن القرآن خاطب سياقاً اجتماعياً محدداً بما يتناسب مع زمن نزوله، لكن التأويلات حصرته في الماضي، مع احتكار الرجال لعلوم التفسير. وهناك من يرى أن بعض الآيات القرآنية تحمل تمييزاً واضحاً، كغيرها من النصوص الدينية القديمة، ولا مجال لتجميلها، والحلّ الوحيد هو بإقصائها الكامل عن التشريعات.

استوقفت هذه المعضلة آمنة. فبموازاة حفرياتها في النصّ، كانت تجول العالم، وتلاحظ التمييز الذي يطال النساء في العديد من المجتمعات المسلمة.

خلق ذلك حافزاً لديها لتسأل "إن كان ما أعايشه عن قرب، هو الإسلام حقاً، أو شيئاً آخر"؟ تقول: "أردت أن أتقصّى بنفسي إن كانت تلك الممارسات مستقاة من القرآن، أم أن التفسير هو ما يكرّس حذفي، وتجاهلي، وجعلي ممحوة بالكامل".

بالنسبة لها، "فإن الأبوية كمنظومة أقدم من الإسلام وأقدم من القرآن، وبقيت راسخة. بعض آيات القرآن وصفية، كانت تصف الثقافة السائدة في ذلك الحين. القرآن يلحظ وجود فوارق في المجتمع، ولكنه لا يشارك في تصغير قيمة إنسان مقابل انسان آخر".

تضيف: "بالطبع هناك بعض المقاطع التي تمثل تحدياً، ولكنها فسرت وأولت وأعيد تفسيرها مئات المرات في عصور وأماكن مختلفة، وتركيز البعض على تفسير واحد فقط، يعني أن ذلك خيار المفسّر، وليس أنه مجبر على ذلك".

خارج الثنائيات الجندرية

بعد ثلاثة عقود على نشر كتاب "القرآن والمرأة"، ترى آمنة أن مقاربتها للجندر فيه، وإن كانت جديدة في حينه، إلا أنها باتت تحتاج إلى تطوير.

تخبرنا: "حين انخرطت في جهاد الجندر، كما أسميته، كنت أنطلق من ثنائيات مغلقة وضيقة. الآن أعرّف عن نفسي كشخص خارج الثنائية الجندرية وكويري. فبعد تقصي الأمر في النص وفي السياق المعاش، بتّ على قناعة بأننا نحتوي جميعاً عنصري الذكورة والأنوثة، الين واليانغ، الجمال والجلال، كما في أسماء الله الحسنى".

لذلك، تدعو آمنة للنظر إلى الله خارج ثنائيات التذكير والتأنيث اللغوية. فالخالق، صاحب الجمال والجلال، لا يمكن حصره في ضمائر أو صياغات لغوية ضيقة. من هنا، تجدها تشير إلى الخالق بضمير "هو" حيناً، وبضمير "هي" أحياناً أخرى.

تتعامل آمنة مع اللغة العربية، كأنها مفتاح اللغز. فهي لم تتبحّر بها كهدف بحد ذاتها، بل سعياً خلف شغفها بالقرآن. تقول: "لقد وقعت في حب القرآن بفضل ترجمة إنكليزية لم أعد مقتنعة بها، ولكنها كانت الحافز لكي أحاول فهم أسرار الكتاب بنفسي".

في البداية، درست العربية في الولايات المتحدة، ثمّ مارستها حين انتقلت للعيش في ليبيا مع زوجها الأول منتصف الثمانينيات، حين نال منحة جامعية للدراسة هناك. تخبرنا: "حين تنغمسين باللغة، وتضطرين لاستخدامها لشراء الدجاج للعشاء، والسؤال عن ثمنه، عندها تتعلمين كيف تخرجين تلك الكلمة من بين شفتيك".

حملتها الدروب لاحقاً إلى مصر، حيث درست الفلسفة في الأزهر، واللغة العربية في الجامعة الأمريكية، وعلوم القرآن والتفسير في جامعة القاهرة.

تقول: "في أساسيات دراسة التأويل وفقه اللغة، ننطلق من أن لكل نصّ وجهة نظر محددة، نرتكز عليها لفهمه. وكما تقول توني موريسون في كتابها الرائع "اللعب في الظلام"، أحياناً يكرّر الأشخاص من دون وعي، هرميات السلطة وعدم المساواة الحاضرة في سياقهم الثقافي. فأنا، حين قرأت القرآن، قرأته كامرأة إفريقية أمريكية من عائلة فقيرة في الولايات المتحدة في نهاية القرن العشرين، وكوّنت علاقة حب مع الكتاب، ولكني لم أستطع بناء الصلة ذاتها مع بعض التفاسير التي لم أجد أنها تخاطبني".

تلفت آمنة ودود إلى أن نقدها للتراث التفسيري لا ينطلق من قناعة بأن "التراث بمجمله سيء، وأنني الوحيدة التي قدمت قراءة جيدة له. على العكس، وجدت في التراث كمية مهولة من المعلومات المفيدة، ولكني لم أعثر فيه على ما يعكس واقعي كامرأة إفريقية أمريكية، بالقدر الذي وجدته معبراً عن واقع الرجل، أي رجل".

«حين قرأت القرآن، قرأته كامرأة أفريقية أمريكية من عائلة فقيرة في الولايات المتحدة في نهاية القرن العشرين، وكوّنت علاقة حب مع الكتاب، ولكني لم أستطع بناء الصلة ذاتها مع بعض التفاسير التي لم أجد أنها تخاطبني».
آمنة ودود

على تقاطع النسوية والإسلام

لم يكن مسار آمنة ودود التجديدي في البحث الأكاديمي، ميدان اشتباكها الوحيد مع الحدود التي تعتبرها مرصوصة بعناية لمحو أصوات النساء من التفسير.

في عرفها، لا مكان للنظرية، من دون أن تقرن بالفعل، لذلك أخذت تجربتها النضالية مسارات متشعبة، خصوصاً في عملها مع منظمة "أخوات في الإسلام" التي خاضت معارك شرسة لتغيير قوانين الأسرة والأحوال الشخصية في ماليزيا، ولاحقاً مع تجمّع "مساواة" الذي يضمّ منظمات نسوية وإسلامية من حول العالم، تعمل على تعديل تشريعات الأحوال الشخصية في عدد من الدول.

بدأت تجربتها مع "أخوات في الإسلام"، حين قبلت عرضاً للتدريس الجامعي في ماليزيا، نهاية الثمانينيات. كامرأة سوداء محجبة، لم يكن إيجاد وظيفة في الأكاديميا الأمريكية أمراً سهلاً بالنسبة لها، لذلك سافرت إلى كوالالامبور.

هناك التقت بمجموعة من الباحثات والصحافيات والناشطات، يعملن على تغيير التشريعات التي يرينها ظالمة للنساء. فتحت المجموعة عيني آمنة على أهمية إقران النظرية بالفعل، فيما ساهمت آمنة بمنحهنّ الخلفية الفقهية النظرية اللازمة لطرح وجهات نظرهن، من خلال حجج وبراهين تستند إلى النصّ القرآني.

تخبرنا: "العمل في النضال النسوي جعلني أنزل من برجي العاجي. في المحاكم وعلى الأرض اختبرت معنى العمل ضد العنف الأسري وفهمت ان الأمر يتطلب أكثر من مجرد الانهماك بنظريات المعرفة".

خلال فترة من حياتها، كانت آمنة ودود تتحاشى تعريف نفسها كنسوية، لأني "كأفريقية أمريكية، كنت أجد أن النسوية في الغرب، تتوجه لجمهور من النساء البيض، المتعلمات، من الطبقة الوسطى وما فوق".

تغيّر الأمر لاحقاً خلال الموجة النسوية الثالثة، مع بروز التيارات النسوية التقاطعية، وتأثير النسويات السود على شقلبة بعض الانحيازات داخل التيارات النسوية نفسها.

برأيها، فإن الفكرة السائدة عن التعارض بين النسوية والإسلام في المطلق، تنطلق من تعريفات ضيقة لكلّ من النسوية والإسلام.  فهي لطالما لاحظت أن بعض التيارات النسوية المناهضة للدين عموماً، تعطي الإسلام تعريفاً مشابهاً لذلك الذي تتبناه التيارات الإسلامية المتطرفة.

من خلال المساهمة في إنتاج المعرفة النسوية، تريد آمنة أن تواصل المساهمة في تغيير الواقع المعاش للنساء والأشخاص خارج الثنائية الجندرية، خصوصاً في أماكن العبادة.

تقول: "لا تزال النساء في بعض البلدان غير قادرات على الذهاب إلى المسجد، أو المشاركة في كلّ الطقوس. فكرة الإدماج، تنطلق من إزالة كل الحواجز التعسفية التي لا علاقة لها بالإسلام، بل هي مجرد ممارسات بشرية". 

«العمل في النضال النسوي جعلني أنزل من برجي العاجي. في المحاكم وعلى الأرض اختبرت معنى العمل ضد العنف الأسري وفهمت ان الأمر يتطلب أكثر من مجرد الانهماك بنظريات المعرفة».
آمنة ودود

«أخذتُ خطوة إلى الأمام»

بلغت المفكرة الأمريكية ذروة عملها على نقل النظرية إلى التطبيق، في عام 2005، حين أمّت صلاة الجمعة في نيويورك، لتكون أول امرأة في التاريخ الحديث تؤم صلاة مختلطة بين الجنسين.

لم يخطر في بال آمنة أنها كانت تمارس "فعلاً ثورياً". تقول: "فكرت أني إن لم أتقدم بنفسي لأجسّد القيم التي أكتب عنها، وأنظّر لها، وأؤمن بها، سأكون مقصرة، لذلك أخذت خطوة إلى الأمام، وقررت أن أكون الليدي إمام".

تسمّي نفسها "الليدي إمام"، لأنها لا تحب أن تنادى بكلمة "شيخة"، مؤنث "شيخ". تسأل في أحد تسجيلاتها عبر حسابها الرسمي على إنستغرام، عن السبب الذي يجعلنا، في اللغة العربية، ننادي الرجل المتقدم بالسنّ شيخاً، كدليل على الحكمة والوقار، فيما نصنّف المرأة المتقدمة بالسنّ عجوزاً، كدليل على الضعف والوهن.

وهي، حين أمت صلاة جماعية علنية، كانت تقفز قفزة جبارة خارج طبيعتها الانطوائية التي تأْمَن في عالم الأفكار والكتب، ولا تهوى الصدام لمجرّد الصدام، ولا إثارة الجدل لمجرد إثارة الجدل.

حين قادت صلاة الجماعة، أمام حشد كبير من الصحافيين والكاميرات، وقفت بثقة وسكون، بينما كان معارضو الخطوة يطلقون صرخات احتجاج خارج كاتدرائية يوحنا المقدس في مانهاتن، حيث اجتمع المصلون، بعدما رفضت مساجد وصالات فنية استقبالهم، بعد تلقي المنظمين لتهديدات.

تخبرنا الصحافية والكاتبة الأمريكية كارلا باور، المنهمكة حالياً بتأليف كتاب عن سيرة حياة "الليدي إمام"، من المفترض أن يصدر في العام المقبل، أن آمنة لم تكن تتوقع "السيرك الإعلامي الذي رافق الحدث".

اختارت آمنة ودود الصمت بعد صلاة الجمعة في نيويورك، ولم تجر أي مقابلة. لم تستثمر "اللحظة التاريخية"، لتبني شهرة، أو لتتصدر لأدوار "قيادية".

فهي، كما تخبرنا، تكره كلمة "قيادة"، لأنها تتناقض مع إطار التوحيد النظري الذي تعتمده كنقطة ارتكاز لفهم الدين، كأسلوب حياة.

تقول آمنة: "إمام الصلاة ليس قائداً، هو مسؤول عن تنظيم طقس رسمي منمّق للغاية، في سياق يطلب من المصلين فيه أن يكونوا متناسقين مع بعضهم البعض. الله حاضر أمام كل مصل أو مصلية، سواء كانوا يصلون منفردين، أو في الصف الأول أو في الصف الأخير، لا تتغير مرتبة علاقتهم بالله. وقوفي في المقدمة، لا يجعلني أقرب إلى الله من أي أحد آخر".

من حضروا صلاة الجمعة الشهيرة في نيويورك يقارنونها بالداعية وأحد قادة حركة حقوق السود المدنية في الولايات المتحدة مالكوم أكس (1925-1965)، كما يكتب الروائي والناشط الأمريكي مايكل محمد نايت عنها، في نص بعنوان "تشييد وهدم".

كان نايت بين من صلوا خلفها في مانهاتن، ويقارن بين تجربة آمنة، وما قاله مالكوم أكس عن تجربته في الحج إلى مكة، حين اختبر وسط جمع الحجاج، من مختلف الأجناس والأعراق، كيف يمحو الإسلام هياكل الهيمنة العرقية.

«إمام الصلاة ليس قائداً، هو مسؤول عن تنظيم طقس رسمي منمّق للغاية، في سياق يطلب من المصلين فيه أن يكونوا متناسقين مع بعضهم البعض. الله حاضر أمام كل مصل أو مصلية، سواء كانوا يصلون منفردين، أو في الصف الأول أو في الصف الأخير، لا تتغير مرتبة علاقتهم بالله».
آمنة ودود

بالنسبة لنايت، "حين أمت آمنة الصلاة، منحت المشاركين وعداً بتحطيم هياكل الهيمنة الجنسية، وجعلتنا كلنا بشراً". برأيه، فإن في تجربتي آمنة ومالكوم، "تذويب لخانات البياض والذكورة، نحو وجه مشترك للبشرية جمعاء".

يكتب: "برهان آمنة عن المساواة الشعائرية، ليس، كما فهمه البعض، مجرد إدخال لليبرالية الغربية في الإسلام، إنها عودة بالإسلام إلى أصله التوحيدي".

على المستوى الأكاديمي، فإنّ من يعرفون تأثير آمنة على أجيال من الباحثات والباحثين، يقارنونها بالمفكر المصري المجدد محمد عبده (1849-1905)، أحد أبرز أعلام النهضة، كما تكتب المؤرخة مارغوت بدران، قائلة إن "التقدم الباهر الذي أحدثته آمنة ودود في الفكر الإسلامي، مطلع القرن الحادي والعشرين، لا يقل أهمية عن عمل عبده في بداية القرن العشرين".

بين "روك ستار" النسوية الإسلامية، ومالكوم أكس، ومحمد عبده، خلطة فريدة، تجعل من آمنة ودود "شخصية لا تتكرّر"، بحسب باور.

أما آمنة نفسها، فتحبّ أن تتمثّل بهاجر.

«التقدم الباهر الذي أحدثته آمنة ودود في الفكر الإسلامي، مطلع القرن الحادي والعشرين، لا يقل أهمية عن عمل عبده في بداية القرن العشرين».
مارغوت بدران

على مثال هاجر

لم يرد اسم هاجر في القرآن، ولكن، حين يحج ملايين المسلمين إلى مكة كل عام، فعلى مثالها يؤدّون شعيرة السعي بين جبلي الصفا والمروة، وعلى مثالها، يشربون من ماء بئر زمزم. كثرٌ قد لا يعرفون قصتها.

في الأحاديث النبوية، يروى أن هاجر كانت أميرة فرعونية، أسرت، واستعبدت، وصارت جارية عند سارة، زوجة النبي إبراهيم. تقدّم السن بالزوجين ولم ينجبا، فأهدت سارة هاجر إلى إبراهيم، وأنجب منها إسماعيل، وهو نبي بالنسبة للمسلمين.

بعدما وضعت هاجر الصبي، وباتت أماً للوريث، عظمت غيرة سارة منها، فطردتها، وأخذها إبراهيم من الشام إلى مكة، وكانت صحراء قاحلة، وتركها مع الرضيع هناك، ومعها قليل من التمر والماء.

حين نفد ما بحوزتها من أكل وشرب، عطشت الأم وابنها. لم تطق هاجر رؤية صغيرها يتلوّى من العطش، فانطلقت تبحث عن ماء في القفار المحيطة بهما.

صعدت إلى جبل الصفا ثمّ نزلته ولم تجد ماءً، فتوجهت صوب جبل المروة، فصعدته ثم نزلته، وكذلك لم تجد الماء. كررت سعيها بين الجبلين سبع مرات.

حين أنهكها التعب، التفتت صوب طفلها، وإذا بها ترى ماءً تنبع من تحت قدميه. ركضت نحوه، وجمعت الرمل حول موضع تدفّق المياه، وشربت، وسقت ابنها وأرضعته. بات ذلك المكان، بحسب المرويات، ما يعرف اليوم ببئر زمزم، ومنه يتبرّك المسلمون.

اهتم دارسو الشخصيات النسائية في الإسلام، بسيرة هاجر، فهي من جهة أمٌّ مؤسسة، انبثق من رحمها نسل إسماعيل، وإليه ينسب النبي محمد؛ ومن جهة أخرى هي الخادمة المنسية المتروكة، والغريبة المنبوذة.

تتمثل آمنة ودود بهاجر، وتخصّص لها فصلاً من كتابها "داخل جهاد الجندر: الإصلاح النسائي في الإسلام" (2006)، لتفكيك مفاهيم عدة تحاصر النساء عند تقاطع العرق، والطبقة، والدين.

من خلال هاجر، تشرّح آمنة إرث العبودية، فهي سليلة نساء جلبن من أفريقيا إلى الولايات المتحدة قبل قرون عن طريق الرقّ.

تقول آمنة إنها حين ارتدت الحجاب، كان في خيارها نوعٌ من ردّ الاعتبار لجدّاتها المستعبدات، اللواتي كن يجرّدن من ملابسهن.

خلال مسارها كمسلمة، ارتدت الحجاب بعدة أشكال، وكانت تخلعه أحياناً. حالياً تحرص على ارتدائه في كل المناسبات العامة التي تشارك فيها، لأنه يمثل رمزاً بالنسبة لها. ولكنّ النقاش الذي لا ينضب حول كونه فريضة دينية، وتسييسه، بين محو في سياقات علمانية، وإجبار في سياقات دينية، يستفز الليدي إمام بحدّة.

تقول: " فكرة أن جسد المرأة ملك لجماعة، سواء كانت دينية أو علمانية، فكرة أن عليها الإذعان لمجتمع على حساب اتساقها الذاتي مع نفسها، لا يمكن لعقلي أن يفهمها".

تتابع: "هناك كم من النفاق المربوط بالحجاب أجده مذهلاً، لأنه بعد فترة من فرضه، لن تجدي أحداً يرتديه عن قناعة. الوصية الأساسية في القرآن هي التقوى، وذلك لا يمكن تحقيقه بواسطة أي قطعة ملابس، يمكنكِ أن تكوني عارية تماماً وأن تبقي شخصاً محتشماً".

«فكرة أن جسد المرأة ملك لجماعة، سواء كانت دينية أو علمانية، فكرة أن عليها الإذعان لمجتمع على حساب اتساقها الذاتي مع نفسها، لا يمكن لعقلي أن يفهمه»
آمنة ودود

التسليم الفاعل

تتمثّل آمنة ودود بهاجر أيضاً، من خلال تفكيكها لمفهوم الأمومة، بين تبجيل لدور الأمهات في التعاليم الدينية عموماً والإسلامية خصوصاً، وبين واقع تقول إنه جائر ويظلمهنّ، سواء في قوانين الأحوال الشخصية المستندة إلى تفسيرات جامدة للنصوص، أو في أعراف الزواج وتوزيع المهام بين الجنسين في كنف العائلة البطريركية.

من مثال هاجر، تتزوّد آمنة بخلاصات روحية وحميمة جداً. فهي من أولئك النساء اللواتي يعرفن كم أن الشخصي سياسي، في الواقع والممارسة، وهي من ذلك الجيل من النسويات اللواتي تجرأن على جلب التجارب الشخصية إلى حرم البحث الأكاديمي، في وقت كانت الرصانة تقضي بنبذ كل ما هو شخصي وخاص، كأنه "خارج عن الموضوع".

تزوجت آمنة ودود مرتين، وبعد الطلاق، ربت أولادها الخمسة وحدها، من دون مساهمة فعلية من زوجيها السابقين.

تخبرنا الصحافية كارلا باور، أن آمنة تحرص دوماً على ذكر أمومتها في كل تعريف مقتضب ينشر عنها، أو تقديم يسبق مداخلاتها العامة أو التزاماتها الأكاديمية الكثيرة.

تقول: "أمومتها جزء من هويتها في الصميم، إذ إنها كافحت لرفض ترسيخ الفكرة القائلة بأن حياة النساء الخاصة نطاق، وحياتهن العامة نطاق مختلف آخر، لأن هذا الفصل ليس خياراً متاحاً بالنسبة إلى كثيرات. آمنة ربت خمسة أولاد، وتمكنت في الوقت ذاته من تأليف كتب وتقديم مقاربات جديدة حول كيفية التفكير بالقرآن، وتريد أن يحظى هذا التزاوج بين الأمرين بالاعتراف".

لذلك، بحسب باور، حين وقفت آمنة لتخطب بالمصلين في صيف عام 1994، في مسجد كليرمونت في كايب تاون، ارتأت أن تخصّص خطبتها لموضوع الحمل والأمومة، مشبهة فعل المخاض والولادة بمفهوم "التسليم الفاعل" المحوري في فهمها للإسلام.

والتسليم الفاعل، كما تشرحه آمنة في كتابها "جهاد الجندر"، هو "التأكيد على دور المسؤولية البشرية (في العبادة)، والاعتراف الواعي بأهمية خيار (البشر) وممارسته، كعناصر فاعلة، وليس كدمى".

«أمومتها جزء من هويتها في الصميم، إذ إنها كافحت لرفض ترسيخ الفكرة القائلة بأن حياة النساء الخاصة نطاق، وحياتهن العامة نطاق مختلف آخر، لأن هذا الفصل ليس خياراً متاحاً بالنسبة إلى كثيرات».
كارلا باور
Item 1 of 3

الهامش مركزاً

في كتاب مخصص لحياة آمنة ودود بعنوان "جهاد من أجل العدالة" (جامعة بوسطن، 2020)، يشارك فيه أكثر من ثلاثين كاتب وكاتبة عرفوها عن قرب، تتذكر أستاذة القانون الإسلامي الجنوب إفريقية فاطمة سيدات، خطبة آمنة، في كايب تاون.

تكتب: "تحدثت بتواضع وعمق وحكمة. بين جمع المصلين والمنبر، احتلت مساحة غير مألوفة لشكل أنثوي، لكنها وقفت فيها، كأنها كانت في موقعها الطبيعي".

في كتابها "جهاد الجندر"، تفكّر آمنة ودود بالارتدادات البعيدة لتلك الخطبة التاريخية، وبتأثيرها المباشر على النساء ممن حضرن الصلاة يومها. تكتب: "نزلت النساء من الطابق العلوي في المسجد، حيث كن يصلين دائماً، بعيداً عن الرجال، إلى الطابق الأرضي، بجانبهم، ولم يعدن إلى فوق مرة ثانية".

أكثر ما استوقفها في مراجعة ذلك الحدث، هو انشغال الناس بشكل الخطبة عن فحواها، وتركيزهم على وقوف امرأة في موقع خصّص للرجال منذ قرون. بالنسبة لها، فإن الوجود في الموقع المركزي لا معنى له، إن كان مجرد أداء لا يعيد تشكيل مكانة النساء في المشهد الأعم، حيث يختبرن الحياة دوماً على الهامش.

في خطبتها، كما تكتب فاطمة سيدات، "لم ترد آمنة أن تغادر الهامش، بل أرادت أن تجرّ المركز نحو الهامش"، أن تحكي عن تجربة الرحم والانجاب والأمومة، كاستعارة دينية، في مكان لا يرحّب عادة إلا بالأجساد المذكرة، ولا يعترف بمركزية الأرحام، لا بل يعدّ الأجساد المؤنثة "عورة".

بعد ردود الفعل العنيفة ضد الخطبة، تراجع المنظمون عن تسميتها بالخطبة، وقالوا إنها "خطاب سابق للخطبة"، وذلك ما تنفيه آمنة بحسب روايتها للحدث.

بعض المعترضين على خطبة آمنة في جامع كليرمونت، رأوا فيها "تدنيساً لطهارة الإسلام"، لكن أمنة ودود ترى أن هذا الموقف نابع من فهمٍ تمييزي يلصق بأجساد النساء وأصواتهن وحضورهن في المساحات المشتركة معانٍ شهوانية، كأنهنّ تشتيت للرجال عن روحانية الصلاة والتقوى، ولسن بدورهن شريكات في الشعائر، ككائنات كاملة وليس كمواضيع أو أشياء.

 تطالب النسويات المسلمات، وفي مقدمتهم آمنة، بتفكيك ما يعتبرنه افتراضات جاهزة تحصر النساء في خانات مقرّرة سلفاً، وتقصيهن عن أدوار القيادة المخصصة للرجال "في الأصل"، وتحصر الإسلام في الماضي، وتبقيه أسيراً لأزمنة انقضت، وتتغافل عن سياق النزول التاريخي، قبل 14 قرناً.

بالنسبة لآمنة التحدّي الأكبر هو الحفاظ على صلة الإسلام الوثيقة بالحاضر والمستقبل. تقول إن القرآن جسدٌ "حيّ نابض"، تماماً "كالله الحي"، ولا مكان فيه للجمود، فالخالق في فهمها أوسع من اللغة، وأوسع من كلمات قد تفسّر من منظار بشريّ ضيق.

مشروع مشترك بين بي بي سي نيوز عربي وبي بي سي نيوز إندونيسيا

من بيروت: سناء الخوري

من جاكارتا: فالديا بارابورتي

تصميم: مريم نيقان

فيديو: يانيتا جورجيفا

تطوير: طورال أحمد زاده

الصور: من جاكارتا إيفان باتارا، أرشيف آمنة ودود الشخصي، Getty Images