ما هي "القبة الحرارية" التي تقف وراء موجة الحر الشديد في المنطقة العربية والشرق الأوسط؟

    • Author, أحمد الخطيب
    • Role, بي بي سي

تلفح موجة شديدة الحرارة منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام، وسط تحذيرات من تسجيل درجات قياسية وتشكُّل سُحب رعدية على نحو غير معتاد في هذا الوقت من العام في عدد من البلاد العربية.

وتُعرّف موجة الحرّ بأنها ارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة غالباً ما يكون مصحوباً بارتفاع في مستوى الرطوبة، لعدة أيام وأحياناً لأسابيع.

وتخطّت درجات الحرارة في العراق، يوم الأحد، عَتبة الـ 50 مئوية، لا سيما جنوبي البلاد؛ حيث من المتوقع وصولها خلال الأيام المقبلة حتى نهاية الأسبوع إلى 52 مئوية – أعلى من معدلاتها بنحو سبع درجات مئوية.

وحذّر خبراء من "تشكُّل سُحب متوسطة وعالية، مع احتمال هطول زخات رعدية متفرقة، وبخاصة في شمال وغرب العراق، بشكل غير معتاد في ذروة فصل الصيف".

"القبة الحرارية"

في مصر، حذّرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية من موجة شديدة الحرارة على أغلب أنحاء البلاد بداية من يوم الاثنين وحتى يوم الجمعة المقبل، متوقعة وصول درجة الحرارة إلى 49 مئوية في الظِلّ جنوبي البلاد.

وحذّرت الهيئة في بيان لها من "سُحب رعدية" في بعض المناطق قد يصاحبها نشاط للرياح المثيرة للرمال والأتربة.

وتتشكّل السُحب الرعدية، وفقاً للخبراء، نتيجة تلاقي كتلة هوائية شديدة الحرارة مع كميات من الرطوبة في طبقات الجو المتوسطة والعُليا، وقد يصاحب هذه السُحبَ هطولُ زخّات من الأمطار.

وفي حديث لبي بي سي، قالت منار غانم عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية بمصر، إن بعض الدول العربية تتأثر خلال هذه الأيام بوجود "امتداد لمرتفع جوي في طبقات الجو العليا، يُعرف باسم 'القبة الحرارية' ويساعد بشكل كبير على تسخين الهواء وزيادة فترات سطوع أشعة الشمس".

وتوقّعت منار غانم انكسار حدّة هذه الموجة في مصر بداية من يوم السبت المقبل، بعد أنْ تبلغ الذروة بداية من يوم الثلاثاء وحتى الجمعة.

وفي سوريا، حذّرت المديرية العامة للأرصاد الجوية من درجات حرارة قد تصل إلى 49 مئوية، لا سيما في المنطقة الشرقية والجزيرة.

وتوقّعت مديرية الأرصاد في بيان لها "نشاط الرياح مصحوبة بعواصف رعدية وزخّات أمطار على بعض المناطق السورية"، وخصوصاً على الجنوب والساحل.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية للأنباء (سانا) عن الخبير محمد مطر، القول إن الحرارة ستكون أعلى من معدلاتها خلال الأيام المقبلة "نتيجة تأثر البلاد بامتداد منخفض موسمي هندي سطحي مترافق بامتداد مرتفع شبه مداري في طبقات الجو العليا، مركزه جنوب شرقي البلاد، يؤدي إلى تشكُّل أشبه ما يكون بالقُبة الحرارية تؤثر على عموم البلاد، ويستمر تأثيرها حتى نهاية الأسبوع".

وتُعرف القبة الحرارية بأنها ظاهرة مناخية تشهد انحصار الهواء الساخن في منطقة معينة لفترة زمنية تحت ضغط جوي مرتفع، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة قد يستمر لأيام وأحياناً لأسابيع.

"تكرار مثل هذه الموجة وارِد جداً"

وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن هذا التطرّف والجموح في درجات الحرارة، أصبح أكثر تواتُراً وكثافة عن ذي قبل، حتى في أوروبا.

وعمّا إذا كان من الممكن تكرار مثل هذه الموجة شديدة الحرارة قبل نهاية الصيف الحالي، رأت منار غانم من الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، "أن مثل هذا التكرار وارِد جداً، لا سيما وأننا لا نزال في ذروة موسم الصيف" الذي يتبقى نحو 40 يوماً على نهايته.

وأكدت غانم أن هذه الدرجات الحرارية أعلى من المعدلات المعتادة في هذا التوقيت من السنة، ولا سيما في محافظات الصعيد بجنوب مصر.

ورأت غانم أنه "من الطبيعي أن نشهد موجات حارة أعلى من المعدلات في فصل الصيف، حتى بعيداً عن التغيرات المناخية؛ على أن أثر هذه التغيرات يتمثّل في تَكرار وطُول مُدّة هذه الموجات التي قد تستمر لستة أيام فيما كان في السابق طُول هذه الموجات لا يتعدّى اليومين أو الثلاثة أيام على أقصى تقدير".

"فضلاً عن أنّ قِيَم الارتفاع في درجات الحرارة أصبح أعلى من المعدلات بنحو سِت درجات"، وفقاً لمنار غانم.

وهناك ما يشبه الإجماع العِلمي على أن للتغيّر المناخي يداً في تسجيل درجات الحرارة حول العالم معدلات قياسية.

وعليه، فمن المتوقع أن تغدو موجات الحرّ هذه أكثر تواتراً وأشدّ حدّة في المستقبل بسبب تغيُّر المناخ الذي يتغذى على النشاط البشري، وتحديداً انبعاثات غازات الدفيئة المسبّبة بدورها للاحتباس الحراري.

موجات الحر وتغير المناخ

وتعتبر موجات الحرّ من بين أكثر الظواهر المناخية تأثيراً على حياة الإنسان، بحسب وكالات الأمم المتحدة، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

وأشارت دراسة، نشرتها دورية "ذا لانسِت" الطبية عام 2021، إلى أن الحرّ الشديد تسبب في وفاة نحو 489 ألف شخص سنوياً حول العالم، خلال الفترة ما بين عام 2000 وعام 2019، ولفتت الدراسة إلى أن نحو رُبع هذا العدد كان في منطقة جنوب آسيا وحدها.

ويرى مراقبون أنّ هذا الارتفاع في درجات الحرارة لم يكن مفاجئاً؛ لا سيما وأنّ كل شهور العام الماضي سجّلتْ تكسير أرقام قياسية على صعيد درجات الحرارة.

وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن "الحرّ الشديد لم يعُد شيئاً عارضاً، وإنما أصبح هو المعتاد"، مشدداً على أنّ "كوكب الأرض أصبح أكثر سخونة وأشدّ خطورة ولا توجد دولة محصّنة".

وتشير الإحصاءات إلى أنّ حرارة كوكب الأرض زادت بنحو 1.2 درجة مئوية عما كانت عليه في القرن التاسع عشر.

وفي أوروبا أيضا، رصدت خدمة "كوبرنيكوس" على حسابها عبر منصة إكس، ارتفاعاً في تركيزات الأوزون في الغلاف الجوي بأجزاء من أوروبا، خلال الأيام القليلة الأولى من يوليو/تموز، ويُعزى هذا إلى ارتفاع درجات الحرارة في الأسابيع الأخيرة.

وتؤكد خدمة "كوبرنيكوس"، المعنيّة بتغير المناخ والتابعة للاتحاد الأوروبي، أن أوروبا هي أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة؛ إذ ترتفع درجة حرارتها بمثلَيْ المتوسط العالمي.

تأثير ارتفاع درجات الحرارة على الصحة

ووفقا للصحفي ثيريس لوثيش، في مقال له نُشر في أوائل أغسطس على موقع بي بي سي، تشير بعض الدلائل إلى أن حالات دخول المستشفيات، ومعدلات الوفيات بين المصابين بالخرف، تزداد خلال موجات الحر. وقد يرجع هذا جزئياً إلى التقدم في السن، نظراً لأن كبار السن أقل قدرة على تنظيم درجة حرارة أجسامهم، لكن الضعف الإدراكي لديهم قد يعني أيضاً ضعف القدرة على التكيف مع الحرارة الشديدة، فهم مثلاً قد لا يشربون كمية كافية من الماء، أو ينسون إغلاق النوافذ، أو يخرجون في وقت ذروة الحر.

كما أن هناك ارتباطاً بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حالات السكتة الدماغية والوفيات. في إحدى الدراسات التي حللت بيانات وفيات السكتة الدماغية من 25 دولة، وجد الباحثون أن الحرارة الشديدة أدت إلى حدوث حالتي وفاة إضافيتين من بين 1000 حالة وفاة ناجمة عن السكتة الدماغية الإقفارية.

تقول بيثان ديفيز، أخصائية طب الشيخوخة في مستشفيات جامعة ساسكس البريطانية: "قد لا يبدو هذا العدد كبيراً. ولكن مع بلوغ عدد الوفيات حول العالم بسبب السكتة الدماغية سبعة ملايين وفاة سنوياً، فإن الحرارة العالية تتسبب في أكثر من 10 آلاف حالة وفاة إضافية بالسكتة الدماغية سنوياً".

وحذرت بيثان وزملاؤها من أن تغير المناخ من المرجح أن يفاقم هذا الوضع في السنوات القادمة.