"أدرس وفي رأسي شظية"، كيف واصلت شقيقتان سودانيتان دراستهما بعد قصف مدرستهما؟

    • Author, محمد محمد عثمان
    • Role, بي بي سي نيوز عربي- الأبيض، شمال كردفان

لم تكن العودة إلى الدراسة قراراً سهلاً على التوأمين إكرام ومكارم، بعد نجاتهما من هجوم استهدف مدرستهما في مدينة الأبيِّض شمال ولاية كردفان في أغسطس/ آب 2024.

أدى الهجوم الذي اتُهمت قوات الدعم السريع بتنفيذه إلى مقتل معلمتهنّ وعدد من زميلاتهنّ، وإصابة عشرات الطالبات بينهنّ مكارم نفسها.

لكن الشقيقتين أصرتا على استكمال دراستهما، متأثرتين بأحلام صديقاتهن ومعلمتهن اللواتي قضين في الهجوم.

"أدرس وفي رأسي شظية"

في منزلهنّ، الذي لا يبعد كثيراً عن مباني المدرسة، التقيت بإكرام ومكارم ووالدتهما، التي ساعدتهما على تجاوز المحنة ومواصلة التعليم.

تقول مكارم إنها تحلم بأن تصبح طبيبة يوماً ما لمساعدة المرضى، كما ساعدها الأطباء بعد إصابتها في كتفها جراء الهجوم المدفعي. ولهذا قررت إعادة الامتحانات مرة أخرى، حتى تتمكن من إحراز نتيجة تؤهلها لدراسة الطب.

وتضيف مكارم "كنت أعاني من صعوبة في المذاكرة وألم شديد في رأسي، أجريت أشعة وأظهرت وجود شظية مازالت باقية، ولا يمكن التدخل جراحياً لإزالتها، كانت مشكلة صعبة، وكانت تؤلمني، كنت أذاكر لمدة ساعة وأتوقّف لأرتاح، اجتهدت كثيراً مع ذلك لم أحصل على النسبة التي أردتها لدراسة الطب".

وتصف اللحظات التي وقع فيها الهجوم بأنها كانت شديدة الصعوبة، قائلة: "مِيل كتفي، وحسّيت بصوت عالي وغريب، سقطت البنات أمامي، أخذنا ساتر إلى جانب الحائط، والبنت التي كانت تقف أمامي وضعت يدها على كتفي وقالت لي: كتفك فيه دم".

"بعد هذا اليوم، أصدقائي أتوا للاطمئنان علي. أصدقائي في المدرسة نصفهم مات ونصفهم أُصيب".

ولم تعلّق قوات الدعم السريع على الهجوم الذي وقع في أغسطس/آب عام 2024، كما لم ترد على طلب بي بي سي للتعليق.

"رسالة معلمتي"

وبعد مرور أكثر من عام على الحادث، زرتُ مدرسة أبو ستة التي وقع فيها الهجوم، عقب علمي بأن عدداً كبيراً من الطالبات الناجيات تمكنّ من تجاوز الصعاب، وواصلن دراستهنّ، بل والتحق بعضهنّ بالجامعة.

في فناء المدرسة، كانت هناك تلميذات يلعبن ويضحكن دون خوف من أي أخطار محتملة، رغم أن المدينة ما زالت تتعرض لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة. سألتُ إحدى الطالبات عن سبب اللعب والتحرك في فناء المدرسة الذي تعرّض للقصف قبل عام، فأجابت بأنها لا تخشى شيئاً على الإطلاق، وأضافت قائلة: "لن أوقف حياتي أبداً بسبب الخوف. سأواصل دراستي ولن أتوقف، وإذا قُصِفَت المدرسة مرة أخرى فهذا قدرنا، لكنني لن أتوقف عن التعليم".

وعلى المسرح الواقع في الجهة الشمالية من المدرسة، كُتِبَت أسماء الطالبات والمعلمات اللواتي فقدن أرواحهن، ليكون ذلك بمثابة ذكرى دائمة لهنّ. وما زالت القاعات الدراسية ممتلئة بالطالبات الراغبات في مواصلة التعليم.

وقفت مكارم وإكرام أمام الحائط الذي كُتب عليه أسماء الضحايا، تتذكران رفاقهن ومعلمتهن.

تقول إكرام إن معلمتها الأستاذة فتحية كانت دائماً ما تحدثها عن أهمية دراسة اللغة الإنجليزية، ولهذا أرادت أن تصبح معلمة لغة إنجليزية، لتواصل رسالة معلمتها الراحلة.

التحقت إكرام بالجامعة هذا العام وبدأت دراسة اللغة الإنجليزية.

دعم نفسي للطالبات

بعد نحو ثلاثة أشهر من التوقف، استؤنفت الدراسة في المدرسة، بعد إعادة طلائها، وتجديد مبانيها، وإزالة آثار الهجوم، وأيضاً بعد تقديم الدعم النفسي للطالبات.

تقول مكارم وإكرام إنّهن استفدن من الدعم النفسي الذي قُدم، لكن الصدمة كانت أقوى في بعض الأوقات.

تصف إكرام لحظات الخوف التي كانت تشعر بها فور عودتها إلى الدراسة بعد الهجوم، وتقول "كنت أخاف أن أعود إلى المدرسة، قلت مستحيل أرجع المكان ذاته، لكن حين رأيت صديقاتي يعدن، ويقولون لي إن الأمور على ما يرام، قررت العودة مثلهم".

وتضيف "كنت أغمض عيني في طريقي إلى الفصل حتى لا أنظر إلى الجهة التي وقع فيها القصف، لأني إذا رأيتها تداهمني الذكريات والدموع والناس الذين ماتوا".

قرار استئناف الدراسة في المدرسة ذاتها كان صعباً على المعلمين كما الطلاب، حيث تقول مديرة المدرسة، إيمان أحمد "في البداية، كانت هناك مخاوف وحالة من الذهول لدى بعض الطالبات، لكن الكثيرات كنّ قويات وقررن مواصلة الدراسة وتحقيق النجاح، كنوع من التحدي والوفاء للفقيدات والشهيدات".

واجهت إدارة المدرسة صعوبة في إجراء الامتحانات، خاصة للطالبات المصابات، وتوضح مديرة المدرسة أنها خصصت غرفة وضعت بها أسرّة لتوفير الراحة للطالبات المصابات خلال أدائهن الامتحانات، وقالت إن خمس طالبات أدوا الامتحان في هذه الغرفة.

وتضيف "نجحت معظم الطالبات، وتمكنت بعضهن من إحراز نتائج جيدة في امتحانات الشهادة الثانوية والالتحاق بالجامعة".

مدارس صباحاً، ومأوى للنازحين مساءً

عاشت مدينة الأبيِّض تحت حصار شديد من قوات الدعم السريع لأكثر من عام ونصف العام، إلى أن استعاد الجيش السوداني السيطرة عليها في فبراير/شباط 2025.

ورغم هدوء القتال نسبياً في المدينة، ما زالت العملية التعليمية تواجه تحديات كبيرة، إذ تحوّلت عشرات المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين الفارين من الحرب.

في وسط المدينة، زرتُ إحدى المدارس، ورأيت حجم الصعوبات التي يواجهها الطلاب وهم يحاولون التأقلم مع وجود عائلات نازحة داخل الفصول الدراسية.

تقول الطالبة ابتسام علي، وهي في الصف الثاني الثانوي، إنها لا تستطيع الخروج من القاعة الدراسية إلا بعد نهاية اليوم الدراسي.

وتشرح قائلة: "المدرسة مليئة بالنازحين في الفصول والساحة، وأنا لا أستطيع الخروج من الفصل لأنه لا توجد أنشطة، والمدرسة مكتظة بالكامل. حتى الذهاب إلى الحمام أصبح مشكلة بالنسبة لنا".

ويقول وزير التربية والتعليم في ولاية شمال كردفان وليد محمد الحسن "نهاراً تتجمع الأُسر الوافدة في المؤسسات التعليمية ويجمعون أوانيهم في آخر الفصل، ويدرس الطلاب، وبعد أن يخرجوا تعود هذه الأُسر إلى أماكنها".

ويقول الحسن إن "هذا يسبب مشكلات تتعلق بالمرافق الصحية وغيرها"، لكن هذه "ظروف الحرب وضريبة الحرب".

طلاب خارج المدارس

وفي شوارع المدينة وأسواقها، لا يمكن تجاهل الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين تركوا مقاعد الدراسة، وباتوا يعملون في أعمال هامشية أو يعيشون في حالة تشرد، ويطلبون العون من الناس. كما يوجد مئات الآلاف من الأطفال الذين نزحوا مع أسرهم إلى مدينة الأبيِّض، التي تحتضن ما يقارب مليون نازح موزعين على مراكز إيواء مختلفة، بحسب الإحصاءات الرسمية.

ويوضح وزير التعليم في شمال كردفان، إن استمرار العملية التعليمية يواجه تحديات كبيرة في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة. ويضيف أن معظم هؤلاء الأطفال قدموا من مناطق أخرى في إقليم كردفان وتسربوا من المدارس.

ويتابع وليد محمد الحسن قائلاً: "نسبة التسرب ليست مرتفعة داخل شمال كردفان، ومعظم الطلاب المتسربين قدموا من ولايات أخرى مثل جنوب وغرب كردفان. نحاول التكيف مع الوضع والاستمرار في العملية التعليمية دون توقف، ونأمل أن يستقر النازحون في المدينة، وأن يجد طلابنا بيئة مناسبة للتعلم".

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، أصبح ملايين الأطفال السودانيين خارج مقاعد الدراسة بسبب الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عامين ونصف العام. ورغم التحديات وويلات الحرب، لا يزال الطلاب يجتهدون في مواصلة تعليمهم، أملاً في غد تصمت فيه أصوات البنادق.