مجلس الأمن يعرب عن "قلقه العميق" إزاء تصاعد العنف في السودان، وتقارير عن "إعدامات جماعية" في الفاشر

سيدة سودانية نازحة

صدر الصورة، Reuters

أعرب مجلس الأمن الدولي، الخميس، عن "قلقه العميق" إزاء التصعيد في السودان، بعد تقارير أممية تحدثت عن "إعدامات جماعية" و"انتهاكات واسعة" بحق المدنيين في مدينة الفاشر غربي البلاد، عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها بعد حصار دام 18 شهراً.

وقال مسؤول العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة، توم فليتشر، إن المدينة "انزلقت إلى جحيم أكثر قتامة"، مشيراً إلى أن "نساءً وفتيات يتعرضن للاغتصاب، وأشخاصاً يُشوَّهون ويُقتلون في ظل إفلات تام من العقاب".

وأدان مجلس الأمن "الفظائع المنسوبة إلى قوات الدعم السريع"، بما في ذلك "الإعدامات الميدانية والاعتقالات التعسفية"، داعياً إلى وقف فوري للأعمال القتالية.

في المقابل، نفت قوات الدعم السريع عبر قناتها في "تلغرام" مسؤوليتها عن مقتل مئات المرضى في المستشفى السعودي بالفاشر، بعد أن أثارت صور الأقمار الاصطناعية وتقارير المتطوعين موجة غضب واسعة.

وبحسب الأمم المتحدة، فرّ أكثر من 36 ألف مدني من الفاشر منذ الأحد، معظمهم إلى مدينة طويلة التي تؤوي أصلاً نحو 650 ألف نازح، وسط ظروف إنسانية "كارثية".

وامتد العنف إلى ولاية شمال كردفان المجاورة، حيث تحدثت الأمم المتحدة عن "قتال عنيف" تسبب في نزوح جديد ومقتل ما لا يقل عن 50 مدنياً في مدينة بارا، التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع مؤخراً.

وتشهد السودان حرباً منذ نيسان/أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وسط اتهامات متبادلة بتلقي دعم عسكري من أطراف إقليمية، فيما وصلت مفاوضات "الرباعية" (مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة) إلى طريق مسدود الأسبوع الماضي في واشنطن.

وقال فليتشر: "لا نستطيع سماع الصراخ، ولكن، بينما نجلس هنا اليوم، فإن الرعب مستمر"، موضحاً أن "عشرات آلاف المدنيين المذعورين والجوعى يفرّون أو يتنقلون".

جاء ذلك بعد أن تعهد قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، الخميس، بإجراء تحقيقات في "الانتهاكات" التي ارتكبتها قواته، بحسبه، غير أن الدعم السريع نفى الاتهامات بارتكاب قواته مذبحة في مستشفى الفاشر.

وقال حميدتي، في خطاب بُث عبر منصات التواصل الاجتماعي، إنه لاحظ "وقوع انتهاكات في الفاشر"، مؤكداً أنه سيحاسب "أي جندي أو ضابط ارتكب جريمة".

وأضاف أن لجان تحقيق عسكرية وقانونية وصلت بالفعل إلى المدينة لبدء التحقيقات.

كما أمر قائد القوات شبه العسكرية، التي تنازع الجيش بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان على حكم البلاد منذ سنوات، قواته بالانسحاب من الأحياء السكنية، متعهداً بنشر وحدات شرطة تابعة للدعم السريع بمجرد تأمين المدينة.

ودعا إلى عودة النازحين إلى منازلهم، مناشداً المنظمات الدولية توفير مساعدات إنسانية عاجلة.

قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي يرتدي زياً عسكريا.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، اعتذر رئيس قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الأربعاء، "لسكان الفاشر عن الكارثة التي حلّت بهم" ووعد بالتحقيق في مزاعم الفظائع واسعة النطاق.

"جحيم أشد ظلاماً"

ثلاث نساء سودانيات من النازحات، يسيرن في الطريق إلى بلدة طويلة المتاخمة لمدينة الفاشر، بعد سقوط المدينة في إيدي الدعم السريع.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، نازحون سودانيون فرّوا من الفاشر بعد سقوط المدينة في أيدي قوات الدعم السريع، يصلون إلى بلدة طويلة المتاخمة للفاشر في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

في الوقت نفسه، حذّر مسؤولون بارزون في الأمم المتحدة، الخميس، من أن مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور بالسودان قد "انزلقت إلى جحيم أشد ظلاماً"، بعد أن سيطرت عليها قوات الدعم السريع في أعقاب حصار استمر 18 شهراً، ما أجبر عشرات الآلاف على الفرار سيراً على الأقدام وسط تقارير عن إعدامات جماعية واغتصاب وتجويع.

وقد أفادت التقارير بمقتل ما يقرب من 500 مريض ومرافقيهم في مستشفى الولادة السعودي، وهو أحد المرافق الصحية العديدة التي استُهدفت في القتال.

ووصفت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا مارثا بوبي سقوط الفاشر بأنه "تحوُّل كبير في الوضع الأمني"، محذرةً من أن الآثار المترتبة على السودان والمنطقة الأوسع "عميقة".

وأضافت مارثا بوبي أن الضربات الجوية التي تنفذها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية تضرب الآن أهدافاً جديدة في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان وغرب دارفور والخرطوم.

كما حذّرت بوبي من أن "النطاق الإقليمي للصراع آخذ في الاتساع"، موضحةً أمام المجلس المكون من 15 عضواً أن "مخاطر حدوث فظائع جماعية، وعنف عرقي وانتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك العنف الجنسي، لا تزال مرتفعةً بشكل مثير للقلق".

وقالت إنه على الرغم من الالتزامات بحماية المدنيين، يُظهر الواقع أنه لا أحد آمن في الفاشر، ولا يوجد ممر آمن للمدنيين لمغادرة المدينة".

وقد وثّق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عمليات القتل الجماعي، والإعدامات خارج نطاق القانون، والأعمال الانتقامية ذات الدوافع العرقية في كل من مدينة الفاشر في إقليم دارفور ومدينة بارا شمال كردفان.

"فصل دارفور"

سيدتان تجلسان على الأرض، وبينهما طفلة صغيرة ُربط جبينها بضمادة بيضاء، في مخيم للنازحين الذين فروا من الفاشر إلى بلدة طويلة بشمال دارفور 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

صدر الصورة، REUTERS/Mohammed Jamal

التعليق على الصورة، سيدة تنظر إلى عائلتها أثناء الجلوس في مخيم للنازحين الذين فرّوا من مدينة الفاشر إلى بلدة طويلة المتاخمة للمدينة بشمال دارفور 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

من ناحية أخرى، نفى حميدتي نية قواته فصل إقليم دارفور عن بقية السودان بعد السيطرة على الفاشر، في محاولة لتهدئة المخاوف من تقسيم البلاد، مؤكداً التزامه "بوحدة السودان من خلال السلام أو الحرب".

ويُذكر أن تعهدات سابقة من حميدتي بالتحقيق في انتهاكات مماثلة خلال سيطرة قواته على ولاية الجزيرة لم تُنفَّذ حتى الآن.

في المقابل، قال رئيس أركان الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الاثنين، بعد سقوط الفاشر إن معسكره لا يزال "مصمماً على الاستمرار حتى نطهر هذه الأرض".

وجاءت سيطرة قوات الدعم السريع، الأحد، على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في منطقة دارفور الشاسعة، بعد أكثر من 18 شهراً من الحصار، وأثارت مخاوف من العودة إلى الفظائع العرقية قبل 20 عاماً.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يؤدي التحية العسكرية أثناء حضوره مؤتمراً لدعم مبادرات مشاريع التعلم الإلكتروني في 17 فبراير 2025، ويرتدي زياً عسكريا.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، بدأ الصراع في السودان عام 2023، عندما وقع خلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني.

وتعود جذور قوات الدعم السريع إلى ميليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع في دارفور قبل عشرين عاماً، بينما تُمثل القوات المسلحة السودانية بقايا الحكم العسكري طويل الأمد في الخرطوم.

وتقاسمت القوتان السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في عام 2019، لكن الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني أدى إلى نشوب حرب أهلية في عام 2023 وانهيار على مستوى البلاد..

فما بدأ بصراع للسيطرة على الدولة، تحوَّل بعد ذلك إلى صراع تخلله قتلٌ عرقيٌ وحصارٌ للمدن ونزوحٌ جماعيٌ وجوعٌ في أجزاء كبيرة من البلاد.

وقد فرّ أكثر من أربعة ملايين شخص بالفعل إلى دول تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، ما أدى إلى إنهاك جهود العمليات الإنسانية وتفاقم حالة عدم الاستقرار في المناطق الحدودية.

"مجزرة" في شمال كردفان

آشا كانو كافي، وهي امرأة نازحة داخلياً من كادوقلي، تقدم أوراقاً مسلوقة برية كطعام للأطفال الأيتام في مخيم بروام للنازحين داخلياً داخل المنطقة التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال في مقاطعة توبو في جبال النوبة، جنوب كردفان، السودان، 22 يونيو 2024.

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، صورة أرشيفية لنازحين في جنوب كردفان

اتهمت نقابة أطباء سودانية قوات الدعم السريع بارتكاب مجزرة راح ضحيتها 38 مدنياً في منطقة أم دام حاج أحمد بولاية شمال كردفان، وذلك بعد سيطرة القوات شبه العسكرية على المنطقة قبل ثلاثة أيام، وفقاً لما نشره موقع "ألترا سودان" في 30 أكتوبر.

وقالت شبكة أطباء السودان إن قوات الدعم السريع نفّذت "إعدامات ميدانية" بحق 38 مدنياً "غير مسلح"، بعد أن اتهمتهم بالانتماء إلى الجيش السوداني.

وأضافت الشبكة أن الضحايا "أُعدموا بدم بارد"، مؤكدة أن ما حدث "ليس حادثاً فردياً، بل امتداد لخطة تطهير عرقي وإبادة تنفّذها قوات الدعم السريع ضد المواطنين الأبرياء في شمال كردفان ودارفور".

يأتي هذا التطور بعد أيام فقط من اتهام منظمة حقوقية أخرى لقوات الدعم السريع بقتل أكثر من 300 مدني عقب سيطرتها على مدينة بارا المجاورة التي كانت تحت سيطرة الجيش.

وتواجه قوات الدعم السريع سلسلة من الاتهامات المتكررة من منظمات حقوقية بارتكاب انتهاكات جسيمة في المناطق التي تنتزعها من الجيش، والتي تشمل القتل خارج نطاق القانون، والنهب، والتهجير القسري، وهي اتهامات تنفيها القوة شبه العسكرية.

"إنهم لا يتفاهمون أو يتحدثون مع أحد"

من شمال كردفان، اضطر عدد من سكان مدينة بارا إلى المغادرة سيراً على الأقدام نحو مدينة الأُبيّض عاصمة الولاية، وذلك بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.

عدد منهم تحدثوا إلى بي بي سي، عن تفاصيل رحلتهم وعن الأسباب التي اضطرتهم للنزوح.

تصف إحدى السيدات معاناة والدها، الذي فر من مدينة بارا ووصل إلى مدينة الأُبيض، بعد السير يومين، وقالت إن الجميع كانوا يسيرون في حالة "رعب وهلع"، بعد أن شاهدوا حجم الكارثة.

وتوضح أن السكان في البداية ظنوا أن القتال بسيط، واختبأوا تحت الأسِرّة، لكن بعد توقف أصوات الرصاص فوجئوا بعناصر من الدعم السريع "يقتحمون البيوت بالأسلحة ويُرهبون الأطفال والنساء ويقتلون الرجال".

وتضيف، "إنهم لا يتفاهمون أو يتحدثون مع أحد. فقط القتل والترويع، والقتل مباشرة بشكل جماعي".

ونقلت عن والدها أنهم كانوا "يسوقون الشباب جماعات من خمسة أو ثمانية أفراد، ثم يُعدمونهم فوراً". ومن ينجُ من الإعدام ويحاول أن يدفن الضحايا، يتعرض هو الآخر للقتل فوراً، فلا حديث سوى بالرصاص.

وقالت إن والدها تعرّض للضرب الشديد بالعِصِيّ، ولم يقتلوه لكبر سنه فقط، لكنْ هناك آخرون قُتلوا أيضاً، ولا توجد مقابر لدفنهم.

وفي شهادة أخرى عن ما حدث في مدينة بارا، قالت إحدى الناجيات إن مسلحي الدعم السريع، "اقتحموا المنزل وفتشوه وقلبوه رأساً على عقب"، وإنهم طلبوا منها وأهلها تسليم ما لديهم من أموال وذهب وهواتف، ليتحول الأمر إلى "أعمال نهب".

وكانت منظمة الهجرة الدولية قد دعت إلى حماية المدنيين بالفاشر، مشيرة إلى أن أكثر من 26 ألف شخص فرّوا من المدينة خلال يومين فقط، وأعربت المنظمة عن قلقها البالغ إزاء الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني.

وقالت المنظمة إن آلاف العائلات تُجبَر على النزوح مجدداً، وتسير لأيام تحت الشمس الحارقة، وأكدت المنظمة أن العديد من النازحين يصلون إلى القرى المحيطة بالفاشر وهم مرهقون وجائعون ومذعورون.