You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
مجلس ترامب للسلام: مسارعون ورافضون ومترددون، وأهل غزة ينتظرون الحلول
- Author, أحمد روابة
- Role, بي بي سي
أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل مثيرة للجدل بشأن تشكيلة "مجلس السلام" في غزة، وعن مهامه وصلاحياته. وكشف مستشاره وصهره، جاريد كوشنر، في مؤتمر دافوس بسويسرا، عن خطة بناء غزة، التي وعد بها ترامب، بعد إقرار وقف إطلاق النار في القطاع.
كانت مهمة المجلس، في البداية، تتمثل في الإشراف على إعادة بناء قطاع غزة. ودعا ترامب، منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، عشرات الدول إلى المشاركة فيه. ولكن تبيّن فيما بعد أن الرئيس الأمريكي يريد أن يتوسع في دور "مجلس السلام" أبعد من غزة، إلى حل النزاعات في مناطق أخرى من العالم.
ولا تشير مسودة الميثاق التأسيسي إلى قطاع غزة تحديداً، فهي تصف "مجلس السلام" بأنه "منظمة دولية" تعمل على تطوير الاستقرار والسلم والحكم الراشد، "في المناطق المهددة أو التي تعاني من النزاعات". ويرأس ترامب المجلس لفترة غير محدودة، تستمر بعد خروجه من البيت الأبيض.
وعلى كل عضو أن يدفع مبلغ مليار دولار نقداً ليضمن مقعداً دائماً في المجلس. وهو مبلغ لا يتصور أن تقدر على دفعه الكثير من الدول العربية والإسلامية التي سابقت إلى قبول دعوة ترامب. وعليه، يتوقع أن تكون العضوية الدائمة في "مجلس السلام" من نصيب الدول الثرية وحدها.
وتعمل تحت سلطة المجلس هيئة تنفيذية تضم صهره، جاريد كوشنر، ووزير خارجيته، ماركو ربيو، ومبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. وهذه هي الهيئة التي تعهد إليها إدارة الموارد المالية، والإشراف على إنجاز المشاريع، مثل إعادة بناء قطاع غزة.
وأثار ترامب، في منتدى دافوس، قلق حلفاء الولايات المتحدة، قبل منافسيها وخصومها، عندما قال إن "الأمم المتحدة لها إمكانات كبيرة ولكنها لم تستعملها". وشكك في قدرتها على حل النزاعات في العالم، مشيراً إلى أنه "أنهى 8 حروب"، دون اللجوء إلى الأمم المتحدة، وقال إن "الأمم المتحدة حاولت ولم تستطع إنهاء تلك الحروب".
وحذرت دول منافسة للولايات المتحدة وأخرى حليفة لها من أن "مجلس السلام"، الذي يعمل ترامب على تشكيله، "يعرقل" عمل الأمم المتحدة، و"يهدد" النظام الدولي القائم منذ 80 عاماً. ووصفته منظمات دولية بأنه هيئة تسعى لتكون بديلاً عن مجلس الأمن الأممي، الذي دعم إنشاءها.
وتحدث جاريد كوشنر صراحة عن مشروع عقاري في غزة. وقال إن خطة ترامب ترمي إلى "تغيير الذهنية"، وجلب "مبادئ اقتصاد السوق" إلى أماكن مثل غزة. وتريد الخطة على حد تعبيره أن "تمنح لهؤلاء إمكانية الازدهار والحياة الطيبة". ولكنه لم يتحدث عن مصير الفلسطينيين، ولا عن حقهم في إقامة دولة مستقلة.
وقال في عرضه أمام المنتدى إن الخطة تتطلب استثمارات قيمتها 30 مليار دولار، 25 مليار دولار منها لإنجاز مشاريع الخدمات العامة، و3 مليارات دولار للمناطق التجارية، و1,5 مليار دولار لبناء المدارس ومراكز التدريب المهني. ولكنه لم يوضح من أين تأتي هذه الأموال.
ولا أحد يعرف حتى الآن ماهي الدول، التي ترسل جنودها إلى قطاع غزة، لتشكيل قوة دولية مهمتها ضمان الاستقرار هناك، قبل أن تبدأ مشاريع إعادة البناء. وماذا تكون صلاحياتها، وبمن تأتمر، وكيف تتصرف مع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، ومنها حركة حماس، وما هي مدة بقائها في غزة.
ويشكك الفلسطينيون في أن تلتزم إسرائيل بسحب قواتها من قطاع غزة كما نص عليه الاتفاق. ولا يعرف أهل غزة مصير أراضيهم وممتلكاتهم، التي "ابتلعتها المنطقة العازلة". ولا يعرفون أيضاً لمن تعود ملكية المنشآت الاقتصادية والنشاطات التجارية، التي بشّر جاريد كوشنر بإنجازها في أراضي أهل غزة.
ولا يضم مجلس السلام، الذي سيدير شؤون قطاع غزة، عضواً يمثل فلسطين، فالرئيس الأمريكي لا يعترف بالدولة الفلسطينية. ولكنه يضم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المطلوب لدى محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية للفلسطينيين في غزة.
ولم يحضر نتنياهو فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، خوفاً من اعتقاله في سويسرا، امتثالاً لمذكرة محكمة العدل الدولية، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية. وندد الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتزوغ، "بمنع" نتنياهو من المشاركة في منتدى دافوس، واصفاً ذلك بأنه "مكافأة للإرهاب".
ووجهت الإدارة الأمريكية دعوات لما يقارب من 60 دولة للانضمام إلى مجلس السلام. وقال ترامب، مرات عديدة، إن "جميع الدول تريد أن يكون لها مقعد في هذا المجلس". ولكن عدد الدول، التي قبلت الدعوة حتى الآن أقل من ذلك بكثير، ولم يقنع ترامب أكبر حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية، بالانضمام إليه.
ما هي الدول التي قَبِلت دعوة ترامب؟
وجد الرئيس الأمريكي استجابة من الدول الحليفة له في الخليج، إذ وافقت الإمارات والسعودية، وقطر والبحرين على المشاركة في مجلس السلام. وانضمت إليه أيضاً مصر والأردن والمغرب، ومن الدول الإسلامية تركيا وباكستان وألبانيا، وكازاخستان وأوزبكستان، وأذربيجان، وأندونيسيا.
وتحدثت مصادر دبلوماسية عن محادثات جرت بين وزراء خارجية السعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات وتركيا وأندونيسيا وباكستان، توّجت "بقرار جماعي" بقبول دعوة ترامب للمشاركة في مجلس السلام. ونوه المجتمعون في ردهم على الدعوة "بجهود الرئيس الأمريكي من أجل السلام".
وعبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن "غضبه" من توجيه الدعوة لكل من تركيا وقطر للمشاركة في المجلس لأنهما "دعمتا" حماس. وقال لوسائل الإعلام: "لدينا بعض المآخذ على أصدقائنا في الولايات المتحدة بشأن تشكيلة المجلس الاستشاري، الذي سيرافق الإجراءات في غزة".
وفي أمريكا اللاتينية، عبرت باراغواي والأرجنتين عن رغبتهما في الانضمام إلى مجلس السلام، الذي يرأسه ترامب. وكتب الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلاي، على موقع إكس يقول: "الأرجنتين ستقف دائماً مع من يحاربون الإرهاب ويدافعون عن الأرواح والممتلكات. شرف لنا أن نشارك في مسؤولية بهذا الحجم".
وكما كان متوقعاً، رحب رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، بدعوة حليفه ترامب. وقال إنه "يتشرف" بأن يكون "عضواً مؤسساً" في المجلس. وقَبِل الدعوة أيضاً رئيس بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو، حليف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي يصفه الغرب بأنه "آخر دكتاتور في أوروبا".
ما هي الدول التي رفضت دعوة ترامب؟
في حين، واجهت دعوة ترامب إلى مجلس السلام مواقف متصلبة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الغرب. ويعود ذلك ربما إلى التفاصيل التي كشفت عنها مسودة ميثاق المجلس، من جهة، وإلى تصريحات الرئيس الأمريكي المتكررة عن أوروبا وحلف شمال الأطلسي ناتو، وتلويحه باستعمال القوة من جهة أخرى.
بريطانيا وهي "أقرب حلفاء الولايات المتحدة"، إذ يصف السياسيون البريطانيون والأمريكيون دائماً العلاقة بين بلديهما بأنها "علاقة متميزة". ودعمت حكومة، كير ستارمر، خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة. وأحجمت عن انتقاد سياساته الخارجية "المثيرة للجدل"، ولكنها رفضت الانضمام إلى مجلس السلام.
وبررت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، بإشكالات قانونية، وبأن حكومتها تتحفظ على دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى مجلس للسلام، بينما "لا نرى منه أي شيء يدل على التزامه بالسلم" في أوكرانيا. ولم يصدر في الواقع أي بيان رسمي من روسيا بمشاركة بوتين في المجلس.
ولكن الرئيس الروسي قال إنه سيدفع مبلغ مليار دولار من الأموال الروسية المجمدة في روسيا مقابل عضوية روسيا الدائمة. وأضاف أن هذه الأموال يمكن أن تُصرف في مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحرب الروسية الأوكرانية، بعد التوصل إلى اتفاق السلام.
فانضمام بوتين إلى مجلس السلام، ليس مستبعداً، ولكنه بعيد المنال، في الظروف الحالية على الأقل، لأنه مشروط برفع التجميد عن الأموال الروسية في الولايات المتحدة أولاً، ثم بالتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الروسية الأوكرانية، وهي "أزمة مستعصية لا مؤشر على قرب حلها".
وإذا كانت حكومة، كير ستارمر، ترفض المشاركة في مجلس السلام، بسبب تشكيلته، وربما بسبب توسيع مهامه، فإن بريطانيا ممثلة فيه، بصفة غير رسمية، في شخص، توني بلير. وأثار حضور رئيس الوزراء السابق في الهيئة، التي تدير شؤون غزة، تعليقات عن "عودة الانتداب البريطاني إلى فلسطين".
وفرنسا إذ تعرّض الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى انتقادات واسعة في بلاده، بسبب "مجاراته" لسياسات ترامب الخارجية "المثيرة للجدل". وأعابت عليه المعارضة عدم الرد على تصريحات ترامب "المتهكمة"، التي زعم فيها أنه مارس ضغوطاً على الرئيس الفرنسي لإجباره على رفع سعر الأدوية في بلاده.
ولكن الرئاسة الفرنسية كانت حاسمة، هذه المرة، في رفض دعوة ترامب للمشاركة في مجلس السلام، حيث أوضح وزير الخارجية، جون نويل بارو، أن بلاده لاحظت أن الميثاق وسّع مهمة المجلس "خارج غزة". كما أن فرنسا لا توافق على "الصلاحيات الواسعة" التي يمنحها للرئيس.
فالرئيس ترامب يوافق على انضمام الأعضاء، ويعين من يخلفه في الرئاسة، ويمكنه أن يعترض على القرارات التي تصادق عليها الأغلبية في المجلس. وفضلاً عن الصلاحيات الواسعة، تعتقد فرنسا أن المهام، التي يخولها المجلس لنفسه، تضر بمكانة منظمة الأمم المتحدة ومبادئها.
ورفضت إسبانيا والسويد والنرويج دعوة ترامب بسبب توسيع صلاحيات المجلس، وتضارب مهامه مع مبادئ الأمم المتحدة. وقالت الحكومة الألمانية إنها تبحث رداً أوروبياً مشتركاً. أما حكومة جيورجيا ميلوني اليمينية في إيطاليا، فقالت إن "الدستور يمنعها من الانضمام إلى مجموعة تقودها دولة واحدة".
وكندا إذ سحب ترامب الدعوة التي وجهها إلى رئيس وزراء كندا، مارك كارني، للمشاركة في مجلس السلم. والواقع أن كارني عبر عن رفضه للدعوة في خطاب ندد فيه "بالهيمنة" الأمريكية، التي "مزقت" النظام الدولي. ودعا الدول الصغيرة إلى التجمع للدفاع عن مصالحها بعيدا عن "التبعية للقوى المهيمنة".
والصين، حيث كشفت بكين أنها تلقت دعوة من الرئيس ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، ولم يصدر عنها أي تصريح يرفض دعوة المشاركة، ولكن المتحدث باسم وزارة الخارجية قال إن "الصين تؤكد التزامها الدائم بحماية النظام الدولي، وفي جوهره منظمة الأمم المتحدة".
ماذا يرى أهل غزة؟
وبينما تسارع دول إلى تلبية دعوة الرئيس الأمريكي للانضمام إلى مجلس السلام، وتنأى دول أخرى بنفسها عنه، تتواصل معاناة أهل غزة، ولا يعرفون ما يُرتب لهم في العواصم البعيدة. فبعد عامين من الحرب المدمرة، لا يزال الفلسطينون لاجئين في بلادهم ويعيشون في الخيم، بلا أدنى مقومات الحياة.
سألت بي بي سي عدداً من سكان عزة عن مجلس السلام، وماذا ينتظرون منه. إذ قالت حنان مقداد، 37 عاماً- خريجة جامعية بلا عمل:"مجلس السلام العالمي ليس اسماً على مسمى. يجب أن يسمونه "انتداباً جديداً" لغزة. من الواضح من تركيبة هذا المجلس وأعضائه أنهم لم يأتوا لمساعدتنا بل لتصفية القضية الفلسطينية. فمن يريد السلام لا يطلق تهديداتٍ قبل تشكيله. أتمنى أن أكون مخطئة، ولكنني لست متفائلة على الإطلاق".
وقال عمر حمد، 48 عاماً الذي يعمل موظفاً في البلدية: "أي سلام هذا يتحدثون عنه، ونحن ما زلنا نعيش في الخيام منذ عامين؟ يجب أيضاً استبعاد أي أطراف فلسطينية فاسدة، فنحن دفعنا فاتورة باهظة الثمن، ولا نريد أن ندفع المزيد. نتمنى لهذا المجلس أن يكون له من اسمه نصيب، ولكننا لا نثق كثيراً به".
وأحمد عبد السلام، 28 عاماً- بلا عمل قال: "تعبنا كثيراً من الحرب التي استمرت لأكثر من عامين، ومن القرارات السياسية التي تُتخذ في بلدان بعيدة عنا. السلام في غزة يعني ألا يكون هناك موت، ولا تجويع. ما تُركنا له كان فظيعاً جداً. يعني ببساطة مجلس سلام غير قادر على حل كل هذه المشاكل، سيكون مجلساً بعيداً عن واقعنا، وسيصبح كباقي المنظمات والمؤسسات الدولية".
وقال طارق طلب، 39 عاماً وهو محامي: "نحن نسمع عن هذا المجلس فقط من خلال الإعلام، ولا نرى شيئاً على أرض الواقع. الحياة التي نريدها ليست بأوراق وخطة، بل بالأمان والمستقبل. نحن نريد فرصة حقيقية تنهي معاناة الشعب المكلوم الذي ضحى بأغلى ما يملك. نحن ننتظر ما سوف تؤول إليه الأمور في الأيام القادمة".