صور بالأقمار الصناعية تكشف تحريك إسرائيل "الخط الأصفر" إلى عمق أكبر داخل قطاع غزة

رجل يحمل مرتبة مطوية في غزة يمر بجوار كتلة خرسانية صفراء وضعها الجيش الإسرائيلي، وتظهر الأنقاض في الخلفية

صدر الصورة، Saeed M. M. T. Jaras/Anadolu via Getty Images

    • Author, بينيديكت غارمان وإيما بينغلي ومات مورفي
    • Role, فريق تقصي الحقائق في بي بي سي

حرّكت إسرائيل كتلاً خرسانية، يُفترض أنها تحدد خط سيطرتها بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أعمق داخل قطاع غزة في عدة مواقع، وهو ما أدى إلى إثارة حالة من الالتباس بين الفلسطينيين.

وأظهرت صور أقمار صناعية، راجعها فريق تقصي الحقائق في بي بي سي، أنه في ثلاث مناطق على الأقل، وضعت إسرائيل هذه الكتل الصفراء قبل أن تنقلها لاحقاً إلى مواقع أكثر عمقاً داخل قطاع غزة.

وبحسب بنود الاتّفاق الذي أُبرم بوساطة الولايات المتحدة مع حركة حماس، وافقت إسرائيل على سحب قواتها إلى ما وراء خط محدّد باللون الأصفر على الخرائط العسكرية الإسرائيلية، وجرى ترسيم هذا الخط ميدانياً بواسطة كتل خرسانية صفراء.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد حذر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من أن أي شخص يتجاوز "الخط الأصفر" سيُواجَه بإطلاق النار.

ومنذ الإدلاء بهذه التصريحات، شهدت المناطق المحيطة بالخطّ سلسلة من الحوادث القاتلة.

رسم توضيحي من بي بي سي يظهر حركة الكتل الصفراء في منطقة بيت لاهيا بغزة

ففي كل من بيت لاهيا وجباليا وحي التفاح، وضع الجيش الإسرائيلي كتلاً صفراء، قبل أن يعود لاحقاً وينقلها إلى مواقع أكثر عمقاً داخل غزة، حيث بلغ إجمالي المواقع التي جرى نقلها 16 موقعاً.

وفي حيّ التفاح بمدينة غزة، تُظهر صور أقمار صناعية أن قوات الجيش الإسرائيلي حرّكت ما لا يقل عن سبع كتل كانت موضوعة بالفعل بين 27 تشرين الثاني/نوفمبر و25 كانون الأول/ديسمبر.

كما جرى تغيير مواقع هذه العلامات بمتوسط مسافة قدرها 295 متراً باتجاه عمق قطاع غزة.

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

وعلاوة على الكتل التي نقلها الجيش الإسرائيلي، استطاع فريق تقصي الحقائق في بي بي سي تحديد مواقع 205 علامات أخرى، وُضع ما يزيد عن نصفها في عمق أكبر بكثير داخل قطاع غزة مقارنة بالخط المحدد على الخرائط.

وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إنه يرفض "جميع المزاعم التي تفيد بنقل الخط الأصفر أو تجاوزه من قبل قوات الجيش الإسرائيلي".

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي "ينفذ عمليات ترسيم بصري للخط الأصفر بما يتوافق مع الظروف الميدانية والتقييم العملياتي المستمر للوضع".

وتُظهر تحليلات صور أقمار صناعية حتى 11 يناير/كانون الثاني أن بعض مقاطع الخط الأصفر، الذي وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بأنه "خط حدودي جديد"، لا تزال غير محددة العلامات على الأرض، رغم مرور ما يزيد على ثلاثة أشهر على بدء سريان وقف إطلاق النار.

كما تُبيّن أحدث صور الأقمار الصناعية، التي فحصها فريق تقصي الحقائق في بي بي سي، عدم وضع كتل على امتداد نحو 10 كيلومترات من الأراضي، الأمر الذي جعل عدداً من سكان غزة في حالة من الارتباك لمعرفة أين تبدأ حدود ما يسميها الجيش الإسرائيلي بـ "منطقة قتال خطرة".

رسم توضيحي من بي بي سي يظهر الأماكن التي لم يضع فيها الجيش الإسرائيلي كتلًا صفراء حتى 11 يناير/كانون الثاني

وأفاد شاب، يبلغ من العمر 23 عاماً، الشهر الماضي، يقيم على مقربة من خان يونس -لم تذكر بي بي سي اسمه لدواعي سلامته الشخصية-، بأن قوات الجيش الإسرائيلي نقلت بشكل مفاجئ كتلاً صفراء قرب مكان وجوده إلى ما بعد الخط المحدد على الخرائط، الأمر الذي جعله "محاصراً".

وأضاف الشاب: "نحن نعيش الآن داخل الخط الأصفر، ولكن خلف الكتل الصفراء، دون أن نعرف مصيرنا. الأجواء ليلاً شديدة الرعب، نسمع دوي قذائف، وتقدّم جنود، وإطلاق نار، وطنين طائرات مسيّرة بشكل متواصل، كما أننا نتعرض لإطلاق نار مباشر".

ووصف أندرياس كريغ، الخبير في أمن الشرق الأوسط بجامعة كينغز كوليدج لندن، عملية نقل الكتل بأنها "أداة من أدوات رسم حدود الأراضي".

وقال: "من خلال الإبقاء على الخط القانوني ثابتاً على الخرائط، مع وضع العلامات الميدانية على مسافات تبعد مئات الأمتار عنه، تحافظ إسرائيل على قدرتها على التحكم في أماكن سكن أهل غزة وتنقلهم وأنشطتهم الزراعية، دون الإعلان رسمياً عن تعديل الحدود".

بيد أن إفرايم إينبار، رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن، يرى أن الخط المرسوم قد لا يأخذ في الاعتبار العوائق الطبيعية للعلامات، مرجحاً أن يكون مهندسو الجيش الإسرائيلي قد وضعوا الكتل في المواقع التي "يسهل وضعها فيها ميدانياً".

حوادث دموية حول الخط الأصفر

منذ التحذير الذي أطلقه كاتس، في أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على أشخاص حاولوا عبور "الخط الأصفر" في نحو 69 واقعة، بحسب تحليل لمنشورات الجيش الإسرائيلي على منصة تلغرام، وتصريحات أدلى بها لبي بي سي.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربة استهدفت مدرسة تؤوي نازحين في حي التفاح بمدينة غزة، على مسافة تُقدّر بنحو 330 متراً داخل الجانب الفلسطيني من الخط وفقاً لخرائط الجيش الإسرائيلي، لكنها كانت على بُعد أمتار قليلة من كتل صفراء نُقلت إلى الموقع.

وأفاد شهود عيان بأن القصف وقع أثناء إقامة حفل زفاف بجوار مبنى المدرسة، فيما أعلنت هيئة الدفاع المدني في غزة، التابعة لحركة حماس، مقتل خمسة أشخاص، من بينهم أطفال.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان عن حادثة ذلك اليوم، إنه أطلق النار على "أفراد مشتبه بهم" غرب الخط الأصفر، مضيفاً أن الحادثة لا تزال قيد المراجعة، وأعرب عن "أسفه بشأن أي ضرر لحق بأشخاص غير متورطين".

وفي حادثة دامية أخرى، قُتل زاهر ناصر شامية (17 عاماً)، قرب كتل صفراء في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وقال والده إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار عليه قبل أن تقوم دبابة بدهسه في 10 ديسمبر/كانون الأول.

وأضاف: "الدبابة حوّلت جسده إلى أشلاء… دخلت إلى المنطقة الآمنة غرب الخط الأصفر ودهسته". وتواصل فريق تقصي الحقائق في بي بي سي مع الجيش الإسرائيلي للتعليق على الحادثة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أفادت وسائل إعلام محلية بمقتل طفلين، أحدهما يبلغ من العمر 8 أعوام والآخر 10 أو 11 عاماً، على يد القوات الإسرائيلية، وقال عمهما إن الطفلين كانا يجمعان الحطب لوالدهما الذي يعاني من إعاقة، حين قُتلا.

وخلال تعليق على الوفيات، ذكر بيان للجيش الإسرائيلي أنه قتل اثنين من المشتبه بهم عبرا الخط الأصفر، وقاما بأنشطة مشبوهة، واقتربا من قوات الجيش، ولم يحدد البيان الأسس التي استند إليها في تصنيفه لهما كمشتبه بهما.

وأدلى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بتصريح لفريق تقصي الحقائق في بي بي سي اتهم فيه مقاتلي حماس بإطلاق النار على قواته ستّ مرات "خلف الخط الأصفر" خلال الأسبوع الماضي.

هدم وتحصينات

على الرغم من موافقة إسرائيل، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول، على سحب قواتها إلى ما وراء "الخط الأصفر"، أظهرت مقاطع فيديو وصور بالأقمار الصناعية، اطّلع عليها فريق تقصي الحقائق في بي بي سي مراراً وجود آليات تابعة للجيش الإسرائيلي تعمل خارج الخط المحدد على الخرائط.

وفي مقاطع موثقة، شوهدت ناقلات جند مدرعة وجرافات على مسافة تقدر بنحو 400 متر بعد الخط الأصفر المرسوم عند دوّار بني سهيلا في خان يونس، في حين أظهرت صورة بالأقمار الصناعية التُقطت في 25 ديسمبر/كانون الأول، ما يبدو وأنها دبابة وحفار وآليات عسكرية أخرى متمركزة على بُعد يقارب 260 متراً بعد الخط الأصفر في منطقة بيت لاهيا.

وفي بعض الحالات، تلا تحريك الكتل قيام الجيش الإسرائيلي بهدم مبانٍ قريبة.

وتكشف صور بالأقمار الصناعية، في شرق مدينة غزة، تسوية مئات المباني بالأرض حتى موقع الكتل الأول، بل وتجاوزه في بعض المواقع، قبل أن يُعاد لاحقاً تحريك العلامات، وتبع ذلك دمار إضافي.

وفي المنطقة المجاورة لجباليا، هدمت القوات الإسرائيلية عدداً من أبنية المدارس الواقعة على مسافة نحو 150 متراً داخل الخط المحدد على الخرائط.

وفي عدد من الحالات التي شهدت عمليات هدم نفذها الجيش الإسرائيلي، تسببت الأنقاض المتراكمة في حجب العلامات فعلياً عن أنظار الفلسطينيين على الأرض.

وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن القوات تفكك شبكة أنفاق تابعة لحماس، وأضاف أنها تمتد أسفل مبانٍ تقع على جانبي "الخط الأصفر"، مشيراً إلى أن تدمير هذه الأنفاق "قد يتسبب في انهيار مبانٍ على جانبي الخط".

وأعلنت الولايات المتحدة، يوم الأربعاء، أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار من المقرر أن تبدأ، ومن المتوقع بموجبها انسحاب إسرائيل من مناطق إضافية من قطاع غزة، بيد أنه لم يرد ذكر أي إشارة إلى جدول زمني محدد لهذا الانسحاب، الذي يرتبط بعملية "نزع سلاح" حماس بموجب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي بعض مناطق القطاع، جرى وضع العلامات قبل وقت قصير من الشروع في أعمال إنشاء تحصينات إسرائيلية مؤقتة، من بينها حواجز طرق ومتاريس دفاعية، خارج الخط الأصفر على الخرائط.

وقال الخبير الأمني، أندرياس كريغ، لفريق تقصي الحقائق في بي بي سي إن تحريك الكتل من شأنه أن يتيح لإسرائيل تحويل أجزاء من قطاع غزة إلى ما وصفه بـ "حزام معقّم".

وأضاف: "يعني ذلك، من الناحية العملية، أن وضع الأرض لا يرتبط بما تنص عليه خريطة وقف إطلاق النار، بالقدر الذي يرتبط فيه بالمكان الذي تستقر فيه الكتل الخرسانية في يوم معين".